مع قصيدة "شبهة التفاح" للشاعر التونسي الشاذلي القرواشي

 مع قصيدة"شبهةالتفاح" للشاعرالتونسي الشاذلي القرواشي



"شبهة التفاح" : العنوان رمزية على غواية الشيطان لأمّنا حواء التي بقت مصرّة على سيدنا آدم عليه السلام حتّى أكل من الشجرة المنهى عن  الأكل منها كما تحكي الإسرائيليات المنقولة ...فحدث ما حدث من غضب الله عليهما و إخراجهما من الجنّة و هبوطهما    إلى الأرض للامتحان و الابتلاء من جديد...   و كأن لشبهة التفاحة إشارة مباشرة لاتهام المرأة  بالغواية و أنها السبب في معاناة البشرية و حرمانها من نعيم الجنة و في هذا تحميلها لجريرة و تبعات كلّ الشرور التي تنال من الانسان طيلة  وجوده على الأرض...

فعنوان القصيدة يرد التهمة و  يدحضها و يفندها.. فالشبهة تعني التباس الباطل بالحقّ     و تقمصه له فتغيب الحقيقة الأصيلة و يحضر الباطل الطارئ  المزيّف ليمثل دور الحق فينخدع لحيلته هذه الماكرة الكثير من الخلق و ما أكثر ضحاياه..

مقدمة قويّة تنسف كلّ ما يليها من شبهات و اتهامات...و هذه وقفة حق و مساندة للشاعر مع المرأة الأنثى إكراما لها و إنصافا...المرأة التي تعدّ الوجه الثاني للإنسانية.. عشرة أبيات كاملة لنونية فريدة  تُعلي من شأن المرأة و تردّ الأمور إلى نصابها   و الحق إلى أصحابه بلغة الشعر و الجمال و نبل الإحساس و روعة البيان ...

و من البيت الأول و دون مقدمات يعلن الشاعر صيحته المدويّة  في آفاق الزمان        مبرئا المرأة  من تهمة أكلها التفاحة و مخالفتها بذلك لأمر الله تعالى فيقول:

من شبهة التّفاح  أنت  بريئة

أنت الرّؤى في هيئة الإنسانِ

       ها هو شاعرنا يسقط التهمة عنها ناسبا لها كلّ جميل و إنساني و هل يوجد أجمل من الرّؤى.. بل و نراه يضيف كل الويلات و الكوارث التي ألمّت بالبشرية إلى الرجل لأنّه منذ القديم كان و لا يزال مصدر الحروب و القتل و الهمجية و  الوحشية   و ليس للمرأة في ذلك من دخل و لا نصيب  ..

             يا أيّها الفقه النسيّ بما جري

                       إنّي أنا منذ القـــديم الجـــاني

و هذه إشارة للكيل بمكيالين على عادة العرب في تحليلها لشهر النّسي ليخلو لهم الجوّ و السّاحة   و هذا  ديدن الرجل دائما المخادعة و نسبة الشرور والمصائب  إلى غيره ظلما       و استعلاء... و في هذا البيت الشعري  تأكيدات قويّة  : إنّي – أنا – منذ القديم – الجاني – النّسيّ – خمس تأكيدات و تقريرات تؤكد نسبة الجناية للرجل لا المرأة...و الاعتراف سيّد الأدلة... و هل بعد هذا البيان من بيان...

و نراه بعد ذلك يشيد بالمرأة في صورة "مريم عليها السلام " مشيرا إليها بقوله "هزّي إليك يجذع نخلة ليلنا " و هو اقتباس قرآني لافت عير أنّه يعمم هذا الهزّ كتشريف لكل نساء العالمين  و يحثّهن  على العمل من أجل رفع الظلم الرابض على الإنسانية بعدما يأس من الرجل و نفض يديه منه...فيقول:

هزّي إليك بـجذع  نخلة ليلنا

كي تبزغ الأنوار في الأكوانِ

فالأنثى عنده بمثابة الأنوار الكاشفة للظلمة في سماوات أكوان الإنسانية المعتمة...

و هكذا تستمرّ نونيّة الشاعر نصرة للأنثى و تبيانا لفضلها و شأنها و محوريتها في عالم الإنسانية.. فتارة مصرحا و تارة مشيرا و ثالثة مكنيا و مبيّنا كونها مصد ر الحبو الحنان و ينبوع إلهام الشعراء و  الأدباء لقصائدهم العصماء و نصوصهم المتألقة  و بأنّها كانت و لا تزال  لأخيها الرجل الحصن المنيع و المسكن المريح و الحب المتدفق و الحنان الفياض ..و هذه بعض أبياته تؤكد ذلك :

لا ذنب  لي في الحبّ عير ربابة

تبكـــــي علــيّ مرارة  النّسيـــانِ

ذي غيمة الإصباح تمطر بالرُّؤى

كم أمطرت  غيما مـن التّحنــــانِ

و يستمر حداء المرأة الجميل الشجّي النقيّ حتّى  آخر بيت من النونية إذ يقول:

قمر و يفرح بالأهلـــة عاشق

كم من بدور صاغها وجداني

حتّى اكتمــلت سمــاء أهلــّتي

 فرّقْتُــها في مهجة الأوطــانْ

      و يا لها من خاتمة قويّة تعجّ بالحكمة و العطاء و البذل و التضحية و  كلّ معاني الحب   و الوفاء...فالمرأة و 
 
لا فخر لولاها ما استمرّ نسل البشر و ما اكتملت مسيرة البشرية   و ما بقت مدائن و لا أوطان و لا حواضر ولا  

حضارات و لا شعوب...  فكم أخرج رحمها المبارك  و حسن تربيتها من أقمار و بدور أضاءت ليل الإنسان      و 

أنارت بأهلتها المكتملة المزهرة سماوات الأوطان و الشعوب... 

تعليقات