ين إرادة الحياة و مطرقة الواقع : قراءة في قصيدة "عودة" للشاعر الجزائري نورالدّين درويش
بين إرادة الحياة و مطرقة الواقع
قراءة في قصيدة "عودة" للشاعر الجزائري نورالدّين درويش
قراءة/بولمدايس عبد المالك
- سيميائية العنوان : "عودة" و لا يكون العود إلاّ أحمدا و العودة تجديد عهد مضى ظنّ الشّاعر أنّه ولّى و اندثر و لن يعود .. تعمّد الشاعر الجزائري نورالدّين درويش تنكير عنوان قصيدته ليوحيَ للقارئ بأنّ هذه العودة غير مضمونة النّتائج والعواقب بالنّظر إلى ما مضى وكابده.. عودة محفوفة بالمخاطر والتحدّيات والشكوك والظنون والمخاطرة..
و للقارئ الحقّ أن يتساءل:
- هل هي عودة محبوب لمحبوب طالت غيبته فحنّت له الأكباد ؟
- هل هي عودة زمن جميل في ثوب جديد أو ميلاد عهد جديد؟
- هل هي عودة جسد بعد غياب أو نفيّ أ سجن أو تهجير؟
- أم كلّ هذه التساؤلات و زيادة؟
ربّما لهذه الأسباب و أخرى نجهلها نكّر الشّاعر العنوان "عودة" فاتحا بذلك أبوابا عدّة للتأويل و الاجتهاد.. و من العدل عدم استباق الأحكام قبل تأكيدها و تبيينها ، و ترك للشّاعر فسحة ليجيب عنها بلغة الشّعر إذ أنّه هو أعرف بما كتب و بما أراد ..
و من المفيد تصدير هذه القراءة بمقدّمتين تمهّد الطريق و تقرّب البعيد :
01- أكثر الشّاعر نورالدين درويش في تشكيله الشّعري من استخدام بعض الأدوات جاعلا منها مفاتح لما أُغلق و استشكل و أراده ليعكس بذلك محطّات حياتية حاسمة فاصلة غطّت مجالين زمنيين: زمن مضى و انقضى و زمن حاضر مستقبل بُعِثَ من جديد ..و قد كرّر بعضها من باب التّأكيد و التّصديق و فيما يلي بيان لها:
01-01- لفظة "بعد و بعدما " [03 مرّات]: إشارة لتلك اللحظة الحاسمة في محطّات حياته الماضية التي نقلته من عالم قديم قريب إلى عالم جديد معيش متعمّدا عدم الكشف عن تفاصيله من باب التّفخيم و التّهويل .
01-02- لفظة "يا" [05 مرّات] : حرف نداء يدعو فيه القارئ إلى الإقبال بأذن واعية و عين كاشفة و نفس حاضرة و عقل منتبه ليكتشف خلفيات و تداعيات هذه العودة..
01-03- لفظة "ها" [05 مرات]: حرف تنبيه متبوع بضمير منفصل [أنا، هو] ليحمل القارئ على الشّعور بعمق مشاعره وصدق أحاسيسه القديمة والجديدة ويدعوه للوقوف وقفة جادّة مسؤولة أمام هول ما مضى ومفاجآت ما هو آتٍ..
01-04- لفظة "ياه" [05 مرّات]: حرف نداء من باب الاستئناس والمكاشفة يدعو فيه القارئ إلى فكّ شفرات ما نحتته روحه من شعر وسجلته من قريض..
01-05- لفظة "إيه" [03 مرات]: اسم فعل أمر يراد به الإقبال والاستزادة لما حبّره قلمه وقد أتى به منوّنا ليفيد الاستزادة من الاستماع والإنصات له بصدق وعمق لما سيدلي به من حقائق ومواقف للتّاريخ.
01-06- لفظة"سوى" [مرّة واحدة]: ظرف لازم مكاني وهو بمعنى "غير" عاكسا بذلك رغبة نفسية شديدة ملحة ترفض الاستسلام والخنوع وتنحاز إلى المواجهة والمواصلة والتحدّي، وحبّ التّحرر والانعتاق.
01-07- لفظة"هل" [مرّة واحدة]: حرف استفهام خرج عن معناه لفيد تصديق الشّاعر فيما سيعرضه ويبلّغه ويوضّحه.
01-08- لفظة "ربّما" [مرتان] : و قد دخلت على فعلين ماضيين [خانني، لم أكن] ليؤسس عليهما تصوّره الجديد أو ملامح ميلاده الجديد .
01-09- لفظة " إنّ و أنّ" [03 مرّات] : سيقت من باب تأكيد مواقفه القديمة المتجدّدة الرّاسخة ، عزمه على المضيّ في طريقه دون تردّد و لا خوف و لا تقاعس و لا تهاون.
02- طغيان الحقل الدّلالي النّفسيّ المعنويّ على قصيدته" عودة" : إذ نراه يهرب إلى التّستر و التّزمّل بمفردات أغلبها نفسية معنوية ؛فالشّاعر نورالدّين درويش أراد أن يقول الكثير الكثير و لكن أنّى لقصيدة واحدة أن تقدر على ذلك و إن كان لبعض الألفاظ حضورا ماديّا و نفسيّا في نفس الوقت ..و فيما يلي سرد لأغلبها دون ترتيب: [ الإرادة ، الخيانة ، الحضور ، الغياب ، الهمّ ، الاختلاء ، الانتهاء ، النّسيان ، الفرحة ، الشّفاء ، الطيف ، السّفر ، السافات ، الرّغبة ، السّؤال ، الاهتزاز ، التّلويح ، الانحياز ، الاقتراب ، النّبض ، النّطق ، العناء ، الداخل ، الارتماء ، اللّهيب ، البقاء ، الدّماء ، السّكرات ، الشّهادة ، الاستمالة ، الشّهادة ، المطاردة ، الموت ، السّطور ، البحار ، الأثر ، الاقتفاء ، الخطّ ،] ..
إنّ اعتماد الشّاعر نورالدّين درويش على هذا الكمّ الهائل من المفردات النّفسية كان بهدف تقريب صورة دقيقة مفصّلة مرئيّة عمّا يعتلج في نفسه من مخاضات وصراعات محتدمة؛ فكأنّه يقول للقارئ الحصيف ها هي نفسي بين يديك تحترق احتراقا موزّعة بين ماضٍ مرير عصيب وحاضر ضاغط رهيب ومستقبل غامض متستر..
بعد هذه المقدّمتين الضروريّتين نكون قد وقفنا على بعض الملامح النّفسية لقصيدة "عودة" وما يكنّه الشّاعر من مشاعر صادقة وأحزان رابضة و هموم منتظرة..
و لعلّ هاتين المقدّمتين قد أزاحتا بعض الغموض المقصود الذي صحب قصيدة الشّاعر و القصيدة موزونة على تفعيلة المتدارك "فاعلن " و هي دالية بامتياز متوسطة المقاطع يفصل بينها تفعيلة "فاعلن" : جديد / بعيد / رشيد /شهيد / أريد / طريد / حديد/ قصيد و قد سكّن دالها أي رويّها لما لتسكين الدّال من قلقلة و اضطراب و هزّات و غليان كحال القدر حين يغلي ماؤها فتسمع لها أزيزا و قلقة و هذا زيادة تفصيل لما تقدّم :
تساؤل فجواب: يسدل الشّاعر نورالدين السّتار عن أحداث الماضي التي آثر نسيانها و عدم الخوض فيها لما تنكثه من جراحات و تفتحه من تقرّحات معلنا فرحته و اندهاشه في نفس الوقت و مفضّلا استقبال مولوده القديم بالرّغم من ادعائه المسبق بالشفاء منها و التنصل من تبعاتها لكن نراه يستدرك ليقول للقارئ أنه بعد كل تلك السّنين يستفيق بين جوانحي ذلك الطيف أو النبض أو الشعر ليعيدني إلى مرابّعي الأوّل من محطّات أسفاري:
بعدما قلت ها أنذا قد نسيتْ
بعدما قلت يا فرحتي قد شُفيتْ
بعد كل السّنين ..
يعلنها مدويّة في آذان الزمان ليسمعها من في السماوات و ما أظلّت و من في الأرضين و ما أقلّت:
ها أنذا من جديدْ
ها هو الشّعر يهتزّ في داخلي فجأة
ها أنا أختلي باللّغة
أحتفي بالنّشيدْ
ولادة جديد هزّت كيان الشاعر وأعادته من جديد إلى رحاب الشّعر وجنبات القصيد ومجاني اللّغة ليعيد احتفاءه بالنّشيد الخالد الذي كان يرتّله ويردّده حتّى يغدو البعيد قريبا والسفر اقترابا واحتفاء فكأنّه يرى ذلك الطيف عيانا ومشاهدة طالبا ودّه ملوّحا بقدومه بأنْ ها قد عدت إلى ربوعك فاحتضنّي من جديد:
ها هو الطيف ينحاز لي
و يلوّح لي من بعيدْ
إيهٍ يا سفرا لم تزدْهُ المسافات إلاّ اقترابا
ثم نراه ينادي من جديد:
و يا بذرة لم يزدها اللّهيب سوى
رغبة في البقاءْ
تلك البذرة التي أُريدَ لها اليباس والموات انتفضت وتنفّست من جديد ولم تزدها شدّة الابتلاءات والمحن إلاّ تمسّكا بالحياة ورغبة شديدة ملحة على البقاء والاستمرار..
وتتسارع تساؤلات الشّاعر من داخله ليقتبس صورة بيانية قرآنية تتناسب والأحاسيس التي يعيشها:
ها هو النّبض يسألني من جديد
هل تريد المزيد ؟!
ليتناص حرفه بل نبضه مع قوله تعالى:" يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أواب حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [سورة ق:35]، مخاطبا نبضه المتسارع و مستفسرا عن أحبّة كانوا هنا و ارتحلوا و غيّبهم الموت أو نّفي أو الغربة ،ساردا بعض أسمائهم على وجه الحقيقة أو الخيال ، و مستحضرا مرحلة حياتية أُطليت بالدماء الحمر و بأنّات سكرات الشّهيد ليمعن في السؤال:
هل نسيت الأحبّة في حيّنا
"أحمدا"، صالحاً و "رشيدْ ؟
إيهٍ يا ستوات الدّماءْ
إيهٍ يا سكرات الشّهيدْ
ثم في لحظة نفسيّة فارقة يرجعُ باللوم والعتاب على نفسه المهزوزة ويتهمها بخيانة لفظ أو غموض بين مقصود بين سطور تلك الملاحم الدّواهي:
ربّما خانني اللفظ في أوّل النّطق
أو ربّما لم أكن واضحا في السّطورْ
غير أنّه يستدرك ويطلق صيحته الجهورية في عنان السّماء ومسامع الزّمان مصحّحا ومجيبا في نفس الوقت عن تساؤلاته الضاغطة:
كان همّي أنا
أنْ أغنّي لها
أنْ أغنّي كما أشتهي و أريدْ
إنّني أنا الحاضر الغائب المستميت الطّريدْ
كنت في حضرة الموت و الملكيْنْ
كان يومئذ بصري من حديدْ
في هذا المقطع يكتب ويعلن عن شهادته للتاريخ فقد كان حاضرا منذ أول خطوة في الطريق لكنه الغائب بعدما أخطأته سهام الشهادة فعاد إلى رحاب الشعر بغير رفقائه الشّهداء.. و ما سرّ عودته إلا استماتته عند احتدام الصّراع و تكشير الموت الزّؤام عن أنيابه، و تشبثه بالحياة و موقفه الشّجاع الشّامخ.. ثمّ يختم الشاعر هذا المقطع باقتباس قرآنيّ ثان أو تناص في قوله : " كان يومئذ بصري من حديد" من قوله تعالى: "لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [سورة ق: 22] ،من الحدّة و دقة النظّر و التمييز و عدم التباس الأمر و الزيغ فيه .
فقد رأى بأم عينه من الأهوال و الحوادث ما ملأ فؤاده يقينا و نفسه ثباتا و قدمه رسوخا و إصرارا على مواصلة الدّرب و كأنّ يستحضر عينا قوله تعالى:' من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدّلوا تبديلا"[الأحزاب:23] ، و بعد هذا السّفر الشاقّ الكاشف يعيد من جديد أسئلته التي صدّر بها قصيدته فيقول:
بعدما قلت ها أنذا قد نسيتْ
ها أنا قد شُفيتْ
يغيّر القدر مجرى حياته من جديد ليرتمي في بحار اللغة الزاخرة و بحور الخليل مقتفيا أثر سيره السّابق الذي آمن به و ابتلي فيه لكن هذه المرّة بقلم القصيد و مداد الشعر:
ها أنا أرتمي من جديدْ
ها أنا أرتمي من جديدْ
في بحار اللّغة
و بحور الخليل
ها أنا أقتفي أثري
و أخطّ القصيدْ
لحظة مفصليّة في حياة الشّعر نورالدين درويش حين قرّر معاودة السير على هدى سبيله القديم الذي ارتضاه و لكن بلسان القصيد و ما هذه القصيدة "عودة" إلاّ أثرا حسنا طيّبا من آثار ذلك السفر الشّاق المرهق الخطير ليقدّمها للأجيال الناشئة كشهادة حيّة و في صورة شعر ناضج رسائليّ للأجيال ..
و في هذا المقطع أيضا إشادة من الشّاعر بالشّعر الخليلي مع اتقانه لشعر التّفعيلة و الحر أيضا..
و مسك الختام فقد جنح الشّاعر الجزائريّ نورالدّين درويش إلى الرّمزية و الإيحاء و التّلميح ،و الإشارة معوّلا على فطنة القارئ ،و نباهته مؤثرا عدم إعادة فتح الجروح، و مكتفيا بالغناء الحرّ ،و بإرادة العودة من جديد و الله غالب على أمره.
قسنطينة في 26/01/2026
تعليقات
إرسال تعليق