الشّهيد الذّبيح ذو القبريّن محمد بوسليماني:

1-              الشّهيد الذّبيح ذو القبريّن محمد بوسليماني:






يوم كان للعمل التّنظيمي السّري اليد الطولى في نشاط الحركة الإسلامية كنّا نرى الدّاعية محمد بوسليماني كالنّحلة النّشطة يتنقل بين مدينة و أخرى ، و قرية و قريّة، وحيّ و حيّ يبشّر بالحركة الإسلامية و يعرّف بها و بأفكارها و مناهجها و رجالاتها..

عند رؤيتك للشيخ محمد بوسليماني ترى فيه تجليّات الرّجل الجزائريّ الأصيل إن في لباسه أو في حديثه أو في تقاسيم وجهه البريئ المشعّ بالأنوار و البراءة..يمشي على الأرض مشية  متواضع هيّن ليّن ، ينظر إلى الشّباب نظرة أب حنون رحيم ..

كان لي معه أكثر من لقاء فقد كان المسؤول عن التّنظيم السّري و ربط حلقاته و إحكامه ..فبمجرّد تأسيس جمعية الإرشاد و الإصلاح الوطنية و اعتماد أوراقها برز كنجم منير و شمس تضيء للشباب الجزائري خاصة دروب الأمل الساطع في تدارك النّقص الذي ألمّ بالعمل الإسلامي ..

و كم من أفكار رائدة للأسف الشّديد ماتت و دفنت حيّة باستشهاده و التحاقه بالرّفيق الأعلى...أذكر بأنّ كان يحلم بل و أعطى إشارة الانطلاق بتأسيس ألف مكتبة على غرار مشروع ألف قرية و مسجد الذي دعا إليه الرئيس الجزائري هواري بومدين رحمه الله ..كم كانت أمنيته أن يرى هذا المشروع قائما على أرض الواقع ولكن للوقائع و الأحداث حديث آخر.. و كيف أنسى و قد كلّفني و لفيفا من إخواني بإعداد ورقة هذا المشروع بحكم تخصّصي في مجال المعلومات و المكتبات ..كم كان مسرورا بكوني متخصصا في هذا التّخصص و كم زادت فرحته أكثر عندما أعلمته بأنّ هناك إخوانا آخرين منتشرين على مختلف ولايات الجزائر و بإمكاننا أن نكون الخلية التأسيسية الأولى  و لكن ..

في لقاء من اللقاءات الخاصة المنعقد في مسجد نعيم النّعيمي الكائن بحي سيدي مبروك الأعلى شرح للإخوان الحاضرين نظرة الحركة إلى العمل الحزبي و الخيري و كيف يتكاملان و أتذكّر جيدا سؤال أحد الإخوة عن خرجات و تصريحات رفيقه في الدّرب و الدّعوة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله فقال و الابتسامة تعلو محيّاه:" نحن مضطرون لتقبّل مثل هذه التّصريحات ، و علينا التّعامل معها بإيجابيّة فنحن و الشيخ محفوظ نمثل السيّارة التي تسير فهو القائد و السّائق و نحن "البارشوك"أي واقي السيارات الحديدي  الذي يتحمّل الصدمات و الضربات " عندها فهمنا بأن نلتف حول الحركة و نتفرّغ للعمل بصمت و مثابرة فطبيعة الطريق تقتضي ذلك..و الحمد لله فقد خرج الإخوان الحاضرون من هذا اللقاء الحسّاس و في الوقت المناسب مقتنعين ..

للتّاريخ فالشيخ محمد بوسليماني لم يكن يملك فصاحة الشيخ النّحناح و لا بيانه السّاحر و نكته المقصودة الموجّهة لكنّه يملك صدق الإحساس، و نبل الكلمة ، تلحظ ذلك في بساطة كلماته و وضوح عباراته و ابتساماته التي ال تنقطع ..للتّذكير كان هذا اللقاء بداية التّسعينات أي و نيران الحزبية و الصراعات محتدمة مشتعلة..

بعد ذلك عقدنا لقاءا خاصا مصغّرا بحكم أنّنا كنّا نمثّل أعضاء مكتب الحركة في تلك المنطقة ، عقدناه في بيت المهندس ع.ن. ،هذا الأخ القيادي المناضل المثابر ، الصادق الهادئ ، الواثق (سيأتي الحديث عنه بإذن الله تعالى) الواعي ، و أذكر باعتزاز و فخر أنّ الشيخ و بمجرّد دخوله نظر إليّ نظرة حبّ و شوق ثم قال بصوت جهوري:" هذا الرّجل أحبّه في الله تعالى" ..إنّها شهادة  أسأل الله تعالى أن يتقبّلها عنده و قد انتقل الشيخ إلى الرّفيق الأعلى ، و يجمعنا في مستقرّ رحمته و دار نعيمه يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ..

بعدسنّة التّعارف تدارسنا أحوال الحركة الإسلامية و التّحديات المستقبلية المرتقبة ، و تباحثنا آليات العمل و كيفيات التّحرك البناء الفاعل في مثل هذه الظروف الجديدة المتشابكة و وضعنا معا خططا ثم شربنا الشّاي على طريقة الإخوان في لقاءاتهم الأسرية ذلك أنّ الشاي رمز الانتماء إلى حركة الإخوان المسلمون ..

ودّعنا الشيخ رحمه الله تعالى و لم نكن نعتقد بأنّه الوداع الأخير في هذه الدّنيا و كم كان وقع استشهاده في نفوسنا عميقا غائرا ..

و لا نزال نعيش ببركات هذا الشيخ الشهد و كلّما تحقّق فتح جديد للحركة كان له منه أجر في الدّار الآخرة و ذكر عند رب العالمين..فاللهم اجدعل مقامه في عليين و ألحقنا به غير فاتنين و لا مفتونين..اللهم آمين . 

تعليقات

إرسال تعليق