الدكتور شرفي الرّفاعي : الحلقة الثّالثة من مذكرات:كشف الأستار عن بنات الأفكار
1-
الدّكتور شرفي الرّفاعي :
الشيخ شرفي الرّفاعيّ رجل بألف
و هو من الأشراف ينتهي نسبه إلى شجرة النّبوّة الشريفة على صاحبها أفضل السلام و
أبهى التّسليم.. و العالم الاسلاميّ يشهد للرفاعيين إخلاصهم لله تعالى و تجرّدهم
إليه ، و إيثارهم للباقي على حساب الفاني و للبعيد المرتقب المنتظر على القريب
العاجل المضمحلّ ...شاء الله تعالى أن أعمل معه منذ بداية تأسيس جمعية الإرشاد و
الإصلاح بمدينة قسنطينة إلى أن غادرها بإرادته و اختياره..يعلم الله تعالى و يشهد
لهذا الرّجل المثابر و الصّبور في وضع لحمة اللبنات الأولى لهذه الجمعيّة على
مستوى الشرق الجزائري و قسنطينة بالخصوص...و من القدر السّعيد و فضل الله المديد
أن شرّفني الله تعالى و أكرمني بالعمل معه منذ
لحظة التّأسيس الأولى لجمعيتنا العامرة ..كم أحبّني و أحببته و أكنّ له و
لا أزال الكثير من التقدير و الاحترام ..سخّر الشيخ كلّ ما يملك من وقت و فكر و
مال و علاقات و نفوذ من أجل إرساء العمل الدعوي الخيري؛ فقد كان بالنّسبة إلينا
نحن الإخوان مثال الرّجل المعطاء ، الجاد، المسؤول و الصابر...كنت أراه كالنّحلة
الدؤوب ينتقل بين الورد و زّهر يمتص رحيقها المختوم و عبيرها المنتشر ليخرج لنا
بإذن الله تعالى عسلا مصفّى سائغا للشّاربين ، يقدّمه للعطاشى و الحيارى في أحسن
طبق و أجمل كأس و أرقى لفظ..
كان رحمه الله تعالى يغضب سريعا
و يعفو و يغفر أسرع ...دموعه غزيرة و قلبه رؤوم حنون، و نفسه سريعة التّأثر و
الانكسار و فكره مشدود متيّم بفكرته الدّعويّة التي آمن بها و يعمل لها.. كان لا
يملّ و لا يكلّ..آلة بشرية لا تتوقف ..بحر هادر لا تتوقه عطاياه.. في بعض الأحيان أسأل نفسي: أيّ قوّة خارقة
يحوزها هذا الشيخ المسنّ الوقور؟.. أيّ روح جيّاشة محتدمة يملكها هذا الستينيّ الكبير ؟..فقد كنت و كنّا نحن أبناؤه في الدعوة
و الإرشاد لا نراه أبدا يشكو من شيء.لا من زيادة حجم عمل و لا من شخص أعنته أو
أقلقه و لا من فكر يزاحمه و ينافسه، بل كنت لا أراه إلا هادئا و صامتا و سائحا
بفكره الوثّاب ..يخطّط..يفكّر..أو يكتب..
لقد تعلّمت منه رباطة الجأش، و
جميل الصّبر و حسن التّصبّر و بذل المال و الجهد و الوقت دونما تردّد و لا انتظار
مدح شاعر و لا شكر إنسان أو طمع في جاه و رياسة أو طلب مال و عرض من الدّنيا قلّ
ذلك أو كثُر..أسوق هذا الكلام لأنّني عملت من بعده مع عدّة رؤساء للجمعية و قارنت
بينهم و كلّ ميسّر لما خلق له.
الكثير منّا كان لا يفهم حقّ
الفهم سياسة الدكتور الرّفاعي المنتهجة
فقد كان البعض يفسّر تصرفاته و بعض مواقفه لالإستقراطية أو الإقطاعية ..تا
الله إنّه لم يكن كذلك فلقد كان معنا نعم المرشد وخير الأب ..نحن
الذين عملنا معه عن قرب، و عايشناه لسنوات معلومات من يملك أحقيّة الحكم على بعض
خرجات شيخنا الرّفاعي ..هذا الرّجل المفكّر المتمكّن المعطاء..
في بعض الأحيان و في أثناء
مسامراتنا نحن الإخوان نصرّح لبعضنا البعض و نقول مقرّين معترفين:"نحن هم
الشّيوخ و الشّاب الحقيقي بيننا إنّما هو شيخنا الرّفاعي رحمه الله" ..نقولها
لا غيرة و لا حسدا و لكن اعترافا منّا للحركة العجيبة و العمل المتواصل المستمرّ
لشيخ في الستينات من عمره ..
الشيخ شرفي الرّفاعيّ داعية
مائز و خطيب مفوّه ..مفكر و أديب ..هو من أقران الشيخ محفوظ رحمة الله عليه فمن
حقّه أن يعارض و يناقش و يدلي بما يراه صحيحا و صائبا ‘ن في مجال الفكر أو الدعوة
أو الحركة..فقد علّمته السنين و أخرجته مخابر التجربة إضافة لتبحّره في كثير من العلوم كالأدب و
التّاريخ و علم الاجتماع و السيّاسة ..ما لا يعلمه الكثير من النّاس عنه أنّه و لا
فخر يعدّ مفكرا و مننظّرا و ليس من السّهل قبوله لرأي ما أو اعتماده لفكرة معيّنة
أو استيعابه لموقف محدّد ما لم يعمل فيه بفكره الوثّاب المتوقّد الوهّاج..إنّ
شعوره بثقل و تبعات أمانة الدّعوة ، و خوفه الشّديد من سرقة ثمارها و العبث في
مضامينها و أبجدياتها من طرف شرذمة متربّصين أو انحراف الدعوة الأصيلة عن منهجها
القويم و مسارها الطبيعي جعلته يتشدّد و
يشكّك في كثير من المواقف المتخذة إذ و في بداية تأسيس العمل السياسي دفعه ذلك إلى معارضة سياسة الشيخ نحناح رالله في
اختياره للعمل السياسي في هذه المرحلة التّاريخية الحرجة(التسعينيات)..من حقّ عالم
مفكّر من حجم الدكتور الرّفاعي أن يعارض و يدلي برأيه و يحدد موقفه مما يدور من
حوله بل و من حقّه يجعل لفكره مدرسة و أتباعا و تلاميذ ينهلون من معين فكره..
هذا الموقف من الشيخ الرّفاعي
كان منتظرا منهم و هو ابن جمعية العلماء الجزائريين و سليل جبهة التّحرير
الوطني و لكن موقفه هذا جعل الكثير من
أفراد الإخوان يبتعدون منه و يولوّن له الأدبار مما زاد الطينة بلّة فأصبح الشيخ
يعيش غربة نفسية حقيقية زادت تيقنه و صحة موقفه..و للأمانة فالشيخ الرفاعي أعطى
الكثير لجماعة الإخوان في الجزائر و غذاها بجرعات كبيرة و دفعات مائزة لا تنكر فلا
ينبغي لي و لا لغيري أن ينكر ذلك و يمحو ذلك الأثر البارز في نجاح دعوتنا و
استمرارها و انتشارها.
رأيه رحمه الله كان رأيا قويّا
و وجيها و صريحا و علميا و لا ينطوي على غرض خبيث أو طمع مستبطن أو فكر ارتجاليّ
لا و ألف لا...فقد عملت معه طويلا و كنت تلميذه الأقرب في الجمعية و في الحركة و
في الشّارع و حتّى في بيته العامر أحيانا.. و لن أنس محاضرته العلمية الفكرية
القيّمة أثناء إقامة الدّورات الفكرية و العلمية التّكوينية التي كانت تعقدها
الحركة من الحين و الآخر هو و الشيخ أبي جرة و الدكتور توفيق و كمال و غيرهم في منازل بعض الإخوان أو داخل باحات مساجد
قسنطينة العامرة ..
إنّني لا أبرّر انسحابه من
جماعة الإخوان فمثله و الشأن كما عرفتم ليس في حاجة لمن يبرّر موقفه إنّما هي
شهادة حقّ أُدلي بها في زمن تنكّر لرجالاته و أدار ظهره لهم ..زمن طغيان عبودية
الفكر و الشخصانية و المادية المصلحية النكراء العرجاء...
ملاحظة أخرى أسجّلها من معرفتي
القريبة من الشيخ رحمه الله تعالى ؛ فالشيخ عنما يكتب يختلف كثيرا عنه و هو يخطب
أو يتحدّث و بين الخطابين بون واسع كما بين السّماء و الأرض.. عندما يكون يكتب
تنقاد له زمام اللغة ، و تأتيها الألفاظ طواعيّة ، و تتزاحم في صدره المعاني
الشّريفة ازدحاما بل و تتقاتل أحيانا.. عندما تقرأ مثلا كتاباته الكثيرة الغزيرة
ترى العجب العجاب ، تسلسل منهجي دقيق عجيب في الأفكار، ترابط قويّ و منطقيّ
للمعاني ، و تناغم موسيقي للألفاظ، و وضوح في الفكرة و قوّة في الطّرح و عظيم
الأثر.. جمالية في التّأليف و التّحبير، و روعة في تنوّع الأساليب بل و تفنّن
فيها.. تقرأ في كتاباته التّاريخ و الأدب و الشّعر و الاجتماع و الفلسفة و كلّ شيء
بنصيب مدروس و بجرعات نافعة شافية.. بينما لمّا يخطب سارحا بفكره و نظره و تنساب
اللغة من فمّه انسيايابا بديعا و لكن تشعر في قرارة نفسك بأنّ خطابه هذا يختلف
كثيرا عن خطابه المكتوب المقروء و شتات شتان بين الخطابين ..و ليس هذا من ضعف و
نقص و لكن ربّما لاختلاف المقام و الظروف..و الله أعلم.
أشهد للشيخ شرفي الرّفاعي موقفه
الرّزين أثناء انسحابه من الحركة و كيف كانت أخلاقه الرّفيعة حين الاختلاف حيث لم
يسمع منه أبدا نقدا لاذعا للمسار الحركة الجديد و لم يسع إطلاقا لإضعاف الحركة و
لم يعمل قط على استمالة محبذيه و المتأثّرين به من شباب الحركة لا بكلمة و لا بإماهة
و لا بدعوة أو لقاء سرّيّ مع أنّه كان بإمكانه أن يستغلّ نفوذه داخل دواليب الحركة
و خاصة أولئك الذين كانوا في خلاف علنيّ مع الحركة و نهجها و اختياراتها و لكنّه
تفرّغ لدعوته و خطابته و تآليفه فله منّي خاصّة و من مجموع الإخوان جزيل الشكر و
العرفان و تا الله لو سخّر قلمه السيّال في الردّ على طروحات الحركة لبلغ قلمه
عنان السّماء و لهدّت كلماته الكثير من إنجازات الحركة و كانت بحق عائق منيع في
وجه سير الحركة..
الشيخ شرفي الرّفاعي كان يحبّني
كثيرا و كان يأمل في كسبي لعلمه السّابق بتوجّهاتي و بخبرته الكبيرة بدواليب
النّفوس و أسرارها و لكن آثرت أن لا أزيد من عمق جراحات الحركة مع قناعاتي بصحة
الكثير من أفكاره و طروحاته و تركت للزمن الحكم و غذا لناظريه لقريب..
كثير من الأشياء التّي كان الشيخ رحمه الله يخشاه قد تحقّقت بعد مرور السّنين و ها هي الحركة تنقسم إلى أقسام و صدق فراسة الشيخ في وقت قصير قيّاسيّ جدا.. في مساء الأربعاء 29 من شهر ماي 2014، رحل عنا إلى دار الحق فرحمة الله عليه ؛ فاللّهم ردّنا إلى دينك ردّا جميلا و أحسن خاتمتنا و ارحم رجالاتنا الذي ترجّلوا و ثبّت من بقي منهم مكافحا مثابرا..اللهم آمين..
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق