الأستاذ مصطفى مشهور: الحلقة الرابعة ..من مذكراتي: كشف الأستار عن بنات الأفكار
الأستاذ مصطفى مشهور :
سبقت
أفكاره النيّرة المشرقة في كتاباته الدعوة حبّ مخيالنا إذ عشنا بين كتاباته و
فتّنا بها و أصابت منّا المقتل ، و بقت صورته الجميلة و ملامحها البريئة تراوح في
مخيّلتنا نحن شباب الإخوان...و لا يزال كتابه ذاك ضمن أنفس رصيد مكتبي التّي
توزّعت و تشتّت شملها و تفرّق بين ضياع و
إهمال و إهداء ..ممّا زاد في نيران الشّوق لرؤيته و أذكى مراجل الرّوح للالتقاء به و النّهل من أفكاره و توجيهاته...و
يشاء الله تعالى و في ظلّ الانفتاح السيّاسيّ الذي انتهجته الدولة الجزائريّة الأبيّة
أن يزور الجزائر في مهمّة عمل و كان لمدينة قسنطينة شرف استضافته إذ و بعد اتمامه
لنشاط مسجدي عرّج على مقر جمعية الإرشاد و الإصلاح أين كان في انتظاره خاصة الخاصة
من الإخوان المسلمون.. و حان اللقاء و زادت دقّات القلب و التقى الجمع و استقرّ
الشوق و خمدت نيرانه برؤيته و سماع حديثه ، و كان بحقّ لقاء برد و سلام ، و ودّ و وئام
، و أخوّة و حسن كلام...
الكثير
من الإخوان كانوا لا يعرفون صورته فتفاجؤوا بشيخ كبير وسيم، ذي لحية بيضاء غلب
عليها الشيب، مرتّبة منسقة و جميلة، عيونه مفتّحة غائرة برّاقة، دارتها محاطة بزرقة
خفيفة ، يرتدي بذلة رفيعة ، تسبقه ابتسامة هادئة و هادية و ساحرة.. جلسنا و كأنّ
على رؤوسنا الطير، مهابة و إجلالا مما أضفى على مجلسنا سكينة إيمانية ، و هدوء
كاسح تلته رياح تغيير و تجديد و تفريغ و إملاء بمجرّد تناوله للكلمة..
بدأ
حديثه بهدوء و تركيز شديدين متحدّثا عن مفهوم القاعدة الصّلبة و الأهداف و الغايات
و الوسائل فتراءى إلينا و كأنّا أمام مهندسيّ معماريّ بارع، و بنّاء محترف متمكن
إذ استطاع أن يوصلنا إلينا أفكاره و توجيهاته البنّاءة بكل وضوح و هدوء و قوّة ...خُيّل
إلينا و كأنّه متخصّص في هندسة البناء و العمران لكن هندسته إنّما هي في اختصاص
بناء النّفوس البشرية و للتاريخ فإنّ كثيرا من الإخوان لم يسبق لهم أن استمعوا
لمثل هذا الحديث الجديد إلاّ من فيه هذا الشيخ المؤمن الثّابت...بعد ساعة أو أكثر
أنهى حديثه الإيماني و توجيهاته الدّعوية القرآنية النّبوية و فتح مجال المناقشة و
الإثراء و التعقيبات فكان الشيخ رحمه الله فارسا لا يشقّ له غبار ، و صادق و واضحا
وضح الشمس في هاجرة النّهار، و مخلصا خلوص الشّعرة من العجين و متقينا و ثابتا ثبوت
الجبال الرّاسيات الشّامخات...
و
لن أنسى ، و كيف أنسى فراسته الإيمانية إذ نظر إلى جموع الإخوان الشّبابيّة ، و
حدّق فينا مليّا و بنظرة حادّة فيها الكثير من التّساؤل و الحيرة و التّعجب ثمّ
بابتسامة عريضة ساحرة سألنا:" أين شيوخكم؟ أين كباركم و كبار الدّعاة فيكم"
فالشيخ رحمة الله عليه لم يكن يرى إلا شبابا يافعا أ يشعّ نورا و ينبض بالقوّة و
الحماس؛ فأجبناه:" كما ترى يا شيخ..ن حن الشباب و نحن الشيوخ" عندها قال
لنا بصوت تعرف في نبراته الكثير من الألم و التّحسر:" إنّ أخشى ما أخشاه
عليكم من النديّة" و تا الله ما سمعت بمصطلح "النّدية" هذا إلاّ من
فيه ثم أكمل حديثه الشيّق و إجاباته عن تساؤلات الإخوان و اهتماماتهم.. لم نعر
انتباها لهذه الفراسة الاستباقيّة ذلك بأنّه كان رحمه الله ينظر بنور الله ..نور
المؤمن الربانيّ الصادق الذي آمن بفكرته و حرّر نفسه و باعها لها ...
و ينفضّ
اللقاء و يتفرق الإخوان كلّ إلى عمله و حاله ..للتذكير فقد كانا لشيخ وقتها نائبا لجماعة
الإخوان المسلمون العالمية، و تتوالى
الأيام و تنقضي الليالي الطوال، و تمرّ الأحداث و تتداخل و تلج الحركة مجالات
جديدة سياسية و خيرية و علمية و تصدق نبوءة الشيخ مصطفى مشهور و يعتلي دفّة الحركة
و قيادتها إخوان قدامى و جدد يتنافسون على
قمّتها و دواليب حركتها و قيادتها و بالأخص التحاق الشيخين محفوظ نحناح و أبو
سليماني بالرفيق الأعلى .. الشّباب الذي كان بالأمس القريب نيّر الوجوه، مشرق
النّفوس، أمل الحركة و مستقبلها أصبح
اليوم بحكم "النّديّة" في كلّ شيء في العمر ز الخبرة و المستوى يتنافس
على الزّعامة، و سدّة الحكم و برجها العاجيّ لينتهي هذا التنافس غير البريء إلى
انقسام الحركة أقساما متصارعة متنافسة و كلّ طرف فيها يدّعي حبّ ليلى و ليلى لم
تكن يوما إلا لقيس...رحم الله أستاذنا الفاضل مصطفى مشهور صاحب رائعة الدعوة إلى
الله حبّ الذي استفدنا منه كثيرا فاللهمّ اجعله في عليين و ثبّتنا على الطريق
القويم "و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون" و بالله
التوفيق.

تعليقات
إرسال تعليق