توافق الظواهر واختلاف دلالتها...إعجاز آية و تجليّة غاية03
توافق الظواهر واختلاف دلالتها...
عندما يتأمّل المؤمن كيف كانت إجابة الرّجل الصالح لموسى
عليه السّلام يدرك إعجاز كلام الله تعالى في تغيير و تصريف الفعل الماضي
"أراد" [ "فأردتُ" و"فأردنا" و "فأراد" ]
من سورة الكهف، فما السّر العجيب من وراء ذلك؟
أمّا في قوله تعالى:"فأردتُ أن أعيبها"[سورة
الكهف: الآية 79] فهذا من تمام أدب الرّجل الصّالح مع الله تعالى إذ
نسب العيب – خرق السّفينة – إلى نفسه
قائلا:"
أمّا السّفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها"[سورة الكهف:
الآية 79] و هذا عمل مشين في حقّ أناس مساكين فأتى بالفعل
"أردت" تنزيها لله و أدبا جمّا مع الله تعالى و هذا شأن الأنبياء و
الصّالحين كقول إبراهيم عليه السّلام:" و إذا مرضت فهو يشفيني " [سورة
الشّعراء:الآية 80] ، فأضاف المرض لنفسه و لم ينسبه لله تعالى تأدّبا يقول القرطبي في تفسيره" قال : " مرضت
" رعاية للأدب وإلا فالمرض والشفاء من الله عز وجل جميعا "[1]...و
أمّا في قوله تعالى:"فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيرا منه زكاة و أقرب
رحما"[الكهف:81] ،نفس الأدب الجمّ إذ نسب الرجل الصالح لنفسه قتل
الغلام لنفسه و هو عمل في ظاهره مرفوض و لا إنساني بينما نسب الحكمة المترتبة من
وراء ذلك لله تعالى و هي تعويض والدي الغلام الصالحيْن بغلام صالح مطيع ..
و ختاما قال الله تعالى:"فأراد ربّك أن يبلغا أشدّهما و
يستخرجا كنزهما"[الكهف:82]"فنسب الإرادة للله وحده لأنّ تتمة
ذلك الأمر هين من الغيب الذي لا يعلمه إلاّ الله تعالى و لا يقدر عليه إلاّ هو
سبحانه و تعالى ؛فالله تعالى سيتولى أمر الجدار بالحفظ و الرّعاية و عدم السّقوط
أو التّهاوي ثانية و هو سبحانه الذي سيحفظ الأبناء حتى يبلغوا أشدّهم و يستخرجوا
كنزهما بأن يهديهم الله إلى معرفة مكان الكنز و استخراجه و الاستفادة منه ..
فانظر إلى أدب الرّجل الكبير مع الله تعالى و كيف عبّر
بالفعل أراد في كل مرّة بالمعنى المناسب بما يقتضيه السّياق و المقام و الأدب ذلك
لعلمه بأنّه مجرّد عبد منفّذ للإرادة الربانية لا أكثرو بأنّ حقائق الأشياء ليس كظواهرها ،هذا و لله الحمد أوّلا و آخرا.
[1] https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary-qortobi/sura26-aya80.html#qortobi

تعليقات
إرسال تعليق