الأستاذ محمد أوجرتني : مذكراتي كشف الأستار عن بنات الأفكار:رجال جمعتني بهمُ الأقدار: الحلقة الثانية عشر
الأستاذ محمد أوجرتني:
هو أقلّ منّي سنّا لكّنه في
قلبي أعظم شأنا و أرفع قدرا..عرفته دوما إنسانا خيّرا فاضلا، مكافحا مثابرا لا
يتسلّل لقلبه المللو لا يعتري نفسه الكلل..طموحاته أكبر و يهوى الأمور الغريبة
الشاذة فعنده كلّ شاذّ مرغوب مطلوب و هذا
شأن العباقرة و المميّزين من النّاس..تخصّصه الجامعيّ في مادة التّاريخ و تقلّده
لمهنة التدريس في المتوسط ثم الثانوي ثم تقلّده لمنصب أستاذ جامعيّ لنفس المادة في
جامعة الأمير عبد القادر لعلوم الإسلامية دليل على ما ذكرت و قدذمت..ما يميّزه
ككارزميّة رأسه الكبير و فكره الأكبر الثّاقب..و لمكانته الكبيرة في نفسي آثرت أن
أنثر بضا من ذكرياتي معه التي عشناها جنبا لجنب و خاصة في التنظيم و بصفة أخصّ في
مكتب جمعية الإرشاد و الإصلاح الوطنية – ولاية قسنطينة -..و قبل التّطرق أودّ
التّذكير بأنّ أخي محمد من هواة الفنّ و الرسم و الشّعر أيضا ن و ما يمتاز به أيضا
إختراعاته العلمية الكثيرة و العجيبة و التي لم تجد النّور بعد..أما موهبة الرّسم
فهو الفنّان القدير المحترف و لا يشقّ له غبار و ما لوحاته الفنّية الكثيرة البديعة
التي توزّعت بين إخوانه و معارفه إلاّ دليل على تميّزه و احترافيته فيه و لا زلت أحتفظ ببعضها إلى يومنا هذا..
أخي محمّد و الحمد لله [كتبت
هذه الانطباعات يوم كان أستاذا في الثّانوية]جزانة علم مفتوحة، مدرسة للفنّ
مائزة،بحر إبداع زاخر، و فكر وقاد وثّاب و لو كنّا في بلد غير بلدي الجزائر لكان
له اليوم شأن آخر و يشار له بالأصابع بل و لتبوّء أرقى المراتب،و أشرف الرُّتب و
لكن نحن في زمن يشبه كثيرا زمن ابن تيمية رحمه الله حين قال:"قدر الحرّ في
زمن العبيد"..لا علينا فهذه قاعدة مطّردة لازمت و رافقت كلّ صاحب قلم و فكر و
نبوغ.
أخي محمّد رجل مخلص، و صادق و
لا نزكّي على الله أحد- يعمل في صمت و جدّ و مثابرة..يمتاز بخلق رفيع راق و صبر
قلّ من يمتلكه و يحوز عليه..ففي العشريّة السّوداء عندما تخلّف من تخلّف ، و أخلد
الكثيرون إلى البيوت من ضعاف الإيمان و القلوب و النّفوس و العزائم كان أخي محمد
كالطود العظيم، واجه ذلك الواقع الخطير بروح مؤمنة صابرة راضيّة بقضاء الله تعالى
،متصفا بكلّ صفات الجندية المخلصة و مواصفات قائد المرحلة الواثق بنصر الله و
وعده، متمسّكا بغايته الكبرى، و أهدافه النّبيلة و خاصة إذا علمنا بأنه يقطن في
حيّ شعبيّ "واد الحد" قسنطينة- أين ينتشر التّعصّب للولاءات و العصبيّات
و الإنتماءات السياسيّةو الاتجاهات السياسيّة بل و يضم في ثناياه بعضا من أفراد الحركة
السّلفية الجهادية المتشدّدين حيث كان على مرمى حجر منهم و لكنّ الله سلّم و حفظ ،
فكان يلج الحيّ و يغادره مرفوع الهام شامخ الجبين و لله الحمد و الشّكر..و
للتّاريخ أودّ أن اسجلّ له موقفا بطوليّا رجوليّا تمثّل في قبوله التّرشح في قوائم
حركة مجتمع السّلم التّشريعية ممثلا عن تلك المنطقة الحمراء و في ترشّحه ذاك حكم
بالإعدام و التّصفية الجسديّة و في حالة نجاته لم يكن ليسلم من الشّتم و السّب و
السّخرية و التّعيير و التّهديد و هلمّ جرا؛ و لكن أخي محمد البطل آثر ما عند الله
تعالى على ما عند البشر هذا إذا علمنا بأنّه كان أبا لأسرة متكوّنة من ستة أفراد
إضافة إلى أمّه ...ترشّحه عن تلك المنطقة يعني تعريض نفسه و أسرته لخطر أكيد و
لكنّه رضي بقضاء الله تعالى و أمن بالمنهج الذي ارتضاه و اختاره بحرية و اقتناع و
علم ، و اقتنع بأنّ ما عند الله أبقى و أنفعو أصلح و أخلد فكان الله تعالى له
ساترا و حافظا و معينا..
سأظلّ معتصما بحبل عقيدتي .. و
أموت مبتسما ليحيا ديني
ضع في يديّ القيد ألهب
أضلعي..ضع عنقي على السّكينِ
لن تستطيع حصاؤ فكريَ ساعة..أو
نزع نزر يقيني
فالنّور في قلبي و قلبي في
يدي..ربي و ربي حافظي و معيني
فحفظه الله تعالى للوطن و لحركة
و لأسرته و لإخوانه..و قد أكرمه الله تعالى فيما بعد جزاء صبره الأيوبي فارتقى
أرقى المناصب الجامعية و هو الآن دكتور و أستاذ في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم
الإسلامية و ما عند الله تعالى أبقى و
أسعد و لا نزكيذ على الله أحدا..و نسأل الله له و لنا الحفظ و السذلامة ما دامت في
الجسد روح تنبض بالحياة و تتنفّس..
أخي محمد من الإخوان القلائل
الذين تبنّوا النّهج و آثروا الاستمرار و الثّبات و البذل و التّضحية فكان يحضر
بشكل يوميّ رتيب إلى مقر جمعيّة الإرشاد و الإصلاح – قسنطينة – عندما تخلّف الكثير
تاركين فراغات رهيبة ..كان يسهر على العمل الاجتماعي ّ الخيريّ و يقوم بتسيير و
إدارة كلّ الجوانب الإدارية و التنظيمية و الخيرية رفقة إخوان له على رأسهم
الشّهيد نورالدين نايت رحمه الله صاحب القلب الرّحيم و العين الباكية و الوجه
الصّبيح الطّلق المبتسم، و الرّوح الخفيفة النّبيلة الفاضلة..لقد كانت أسرة أخي
محمّد وقتها في أمسّ الحاجة للإعانة و لكنّه كان عفيفا حريصا على إيثار غيره من
الفقراء و المساكين و المحتاجين و المعوزّين و بالأخص بعد مروره بسنوات عجاف أكلن
الأخضر و اليابس ..كنّا نغادر الجمعية ليلا و على الأقدام معرّضين أنفسنا
للخطر..خطر الطريقو الإرهاب و الإرهاب المضاد و لكن يعلم الله تعالى و يشهد بأن
الله تعالى كان لنا خير حافظ و لم نمسّ بأذى أو ضرّ طيلة عهدتنا القانونيّة بمكتب
الإرشاد الولائي و لله الحمد و الشذكر...أخي محمّد رغم أناقته المعهودة و خصوصيات
وظيفته التعليمية، و تربّعه على رئاسة المكتب الولائي للجمعية فقد كان زاهدا فيما
عند يدي النّاس يلبس و يأكل مما سنحت به الظروف و الأحوال ..كنت أراه دائما بعين
الرضى ..أراه أنيقا شامخا متألّقا ..و وسيما متخلّقا، و مهابا محترما..و كريما
جوادا ..
هذا عهدي بأخي محمد و شهادتي له في الدّنيا و الآخرة..و قد افترقنا و نحن محبذين لبعضنا البعض في الله و لله و بالله و لا نزال على ذلك الحبّ ثابتين إلى أن نلقى الله تعالى ..هذا قبس من أنوارو رشف من غيوم عن سيرة رجل و أخ مفضال و لنا معا من الذّكريات ما لا يفي سفرا كاملا حقّها ..و فيما أثبتّ غنى و كفاية و حسبي أنّي قد فعلت و الله من وراء القصد و هو يهدي السّبيل.

ما شاء الله أستاذ أنرتنا بمذكراتك المشوقه
ردحذفبارك الله فيكم بل أنا الذي نلت شرف قراءتكم الدقيقة ...
ردحذف