العلاّمة يوسف القرضاوي: من مذكّراتي: كشف الأستار عن بنات الأفكار ممن جمعتني بهم الأقدار : الحلقة السادسة

1- العلّامة يوسف القرضاوي :



الأعلام و المميّزون لا يحتاجون إلى تعريف أو زيادة بيان يكفي إشارات سريعة ليتبيّن الأصيل من الدّخيل و الصادق من الكاذب..

و هل يصحّ في الأذهان شيء ..إذا احتاج النّهار إلى دليلِ

منذ صغري و نعومة أظافري و زهرة شبابي و أنا من القرّاء الجيّدين لفكر و كتب العلامة يوسف القرضاوي رحمه الله تعالى ...قرأت جلّ كتاباته التي كانت تصل جزائرنا الحبيبة  الفكريّة منها و العقائديّة و حتى الحركية منها و الفقهية ...و قد شكلّ فكره المعتدل النيّر جزاء كبيرا من نفسيتي و توجّهاتي المستقبلية و مواقفي فيما بعد...فالشيخ رحمه الله تعالى كتاب مفتوح على علوم زاخرة و نجوم زاهرة ، و مدائن عامرة و كنوز معتبرة ..الكلمات لا و لن تفيَ حقّه و العجز عن ايفاء الشّكر تمام الشّكر و عذر السّالكين الأوفياء...

يعود أوّل لقاء لي بشيخنا العلامة يوسف القرضاوي رحمه الله في أواخر الثمانيات بمدينة تبسة بمناسبة انعقاد فعاليات ملتقى الفكر الإسلامي ..هذه المدينة الواسعة الفاهرة التي تميل تربتها إلى البياض فاستحقّت بأن تنعت "بالشّهباء" و"الصهباء" و"العذراء" و ما تعدد مسمّياتها إلاّ من شرف المسمّى ، و كم كنت محظوظا للغاية في هذا الملتقى إذ ناولني جار لمدينة قسنطينة  حي ساقية سيدي يوسف "لابوم" شعار صحافيّ كونه من عمّال الإذاعة و التلفزة الجزائرية ممّا مكّنني من الدخول و الخروج من و إلى كافة الأماكن المخصّصة للضيوف و العلماء بل و الحمد لله فلقد التقيت بأغلب العلماء و المفكّرين على غرار الشيخ محمد الغزالي و الدكتور سعيد رمضان البوطي و الدكتور الأصوليّ الدريني و غيرهم كثير..و التقيت من القادة السياسيين البارزين نجم الدين أربكان رئيس حزب الرّفاه التركي رحمه الله و وفده المرافق له..

في هذا الملتقى المبارك حدثت حوادث عجيبة و مواقف غريبة كان من ورائها إخوة ممن يعرفون بجماعة" الجزأرة" أمثال الدكتور عبادة و برغوت و غيرهم ..فقد أرادوا غفر الله لهم غمز حركة" الإخوان المسلمين" و التّقليل من شأنهم و جماعتهم و أفكارهم عن طريق نشر بعض الأفكار السّامة القاتلة  كعبقرية الشعب الجزائري و بأنّ عقول الجزائريين عقول خلاّقة بناءة مميّزة و بأنهم قادرين على خوض تجاربهم الدّعوية و الفكرية و الحركية بمنأى عن أيّ تجربة حركية و يقصدون بذلك حركة "الإخوان المسلمون" ..و للتّاريخ فإنّ هذا الملتقى العامر يسع كل تلك الأفكار و زيادة إذ أنّه يعدّ مجالا واسعا خصبا لتلاقح الأفكار و تفاعلها، و تبادل التجارب العالمية و المحلّيّة و مجمل الخبرات المكتسبة السياسية منها و التربوية و الخيرية و لكن في الملتقى بالذّات بلغ السيل الزّبى ، و تعمّد البعض الإساءة إلى رموز الإخوان و طال التجريح و التنقيص المفتقر إلى الأدلة و الحجج حتّى مؤسس حركة الإخوان نفسها الإمام حسن البنّا رحمه الله تعالى.

و لن أنسى أبدا و كيف أنسى دويّ صوت الشيخ القرضاوي و هو يملأ فضاءات قاعة الملتقى الواسعة، و يقرع آذان الحاضرين، و يغزو نفوس المغرضين المتستّرين بغير استئذان منهم و لا شفقة ..بصوت مدوّي جهوري صاح بين الجموع بعد أخذه للكلمة:" أنا من الإخوان المسلمون..أنا من جماعة الإخوان المسلمون و لا أزال " كلمة حقّ زلزل بها عروش أولئك المغرضون الذين أرادوا توجيه الملتقى و إخراجه عن أهدافه العلمية الفكرية المعلن عنها سابقا...كلمة حقّ عند مليك جائر، و بهذا الرّد غير المتوقّع القويّ اللهجة أخرس ألسنة جالت و صالت و أسكتت نفوسا ناورت من قبل و بهتت عقول طاشت و تفرعنت.. و نعم الحسم و الله فوافق الدواء الدّاء فحصلت العافية كما يقول ابن القيّم الجوزيه رحمه الله .

لقد أعاد الشيخ رحمة الله عليه بتصريحه هذا الأمور إلى نصابها و الضباء الجفولة إلى أوكارها و الخفافيش المتطايرة إلى سراديب أقبيتها المظلمة المعتمة..

و هذا موقف تاريخيّ يحسب إلى هذا الرّجل الصّادق الغيور في زمن كثير النسيان سريع الإجحاف و كم صدق الشّاعر حين قال:

و لكن عين السّخط تبدي المساويَ

زاد حبّي للشيخ أكثر ، و ألححت على تحيّن الفرصة للالتقاء به ودها بوجه و سعيت و اجتهدت و ترصّدت حتى وفق الله إلى اللقاء به على هامش الملتقى بعد محاضرة ألقيت و كان لقاء سريه لكنّه مثمر أوّله و مغدق آخره و سرمديّ أثره و متعد نفعه و بركاته..

نظرت إلى الشيخ مليّا و نظر إليّ و حدّقت بين ناظريه فلاحظت علامات استغراب و تعجب في ملامح الشيخ رحمه الله ثمّ سرعان ما بادرته بالحديث معه مسلّما عليه قائلا بحماسة الشباب المندفع :" يا شيخ، أنا من جماعة الإخوان و أريد منك توجيها أو نصيحة أو إرشادا" بقى الشيخ ينظر إليّ باستغراب كبير و حيرة بادية على محيّاه فجعلت أقرأ أحاديث نفسه من خلال تباريح و تقاسيم وجهه ..فكأنّني أسمع كلماته و هو يقول في قرارة نفسه: من هذا الشّخص الذي لا يعرفني و يتجرأ عليّ بمثل هذه الأقوال..هل يريد استمالتي ة إيقاعي في الخطأ؟ أترى هو من الإخوان أو مدسوس من المخابرات أو غيرهم؟ و تساؤلات كثيرة..لكن هذا الشّاب تبدو ملامحه وسيمة بريئة و مشرقة و لكن صراحته مستغربة في زمن القبضة الحديدية الأمنية ..و ما كان لمثل هذا الكلام أن يقال دون مقدمات معروفة معلومة..

لاحظت كلّ ذلك في بريق عيون الشيخ، في صمته و سمته الملفتين..في تردّده و إحجامه عن الجواب، في فسحة الصّمت التي طالت ..عذرت الشيخ رحمه الله تعالى و سرعان ما تفهّمت عدم إجابته و اكتفائه بابتسامة عريضة غريبة..و أدركت عنها من أنّني كنت متحمّسا أكثر من اللزوم لجماعة الإخوان المسلمون بعد تخرّجي من جامعة عنابة و التحقي بمكان عملي الجديد بجامعة منتوري قسنطينة في 20 ماي 1989..و للحقيقة فالشيخ يوسف القرضاوي و قبل أن أره بأمّ عيني  كنت قد رأيته بعوين قلبي من خلال توسّعي في قراءة مؤلفاته النّافعة التي اقتنيت بعضها من معارض الكتب المقامة هنا و هناك في ربوع جزائرنا البيضاء و قد عرضت بعضها في معرض سقوط الخلافة التي أقمناه في بهو مسرح قسنطينة الشامخ في بداية التّسعينيات و غيرها من المعارض و النّشاطات و التّجمعات...

أحببت الشيخ رحمه الله تعالى حب الابن البار لوالديه، حبّا مطهّرا من أدران حظوظ النّفس و متاع الدّنيا، و استمالات الهوى و أغراضه الفانية المدمّرة.. حبّا خالصا لله و بالله عسى أن يجعلنا من المتحابين في جلاله و جماله سبحانه و تعالى؛ فحبّ الصّالحين و مجالستهم إلحاق بهم يوم لا ينفع مال و لا بنون ..آمين و الحمد لله ربّ العالمين  

 

 

 

 

 

  

تعليقات