الأديب الداعية محمد عادل الهاشميّ السّوريّ : مذكراتي :كشف الأستار عن بنات الأفكار ممن جمعتني بهمُ الأقدار: الحلقة السّابعة

   الأديب محمد عادل الهاشمي رحمه الله :







من بركة الدّعوة الإسلامية التوريث بين الأجيال، و الشجرة الضّاربة جذورها في الأرض تهدي ثمارها النّاضجة الطيّبة في أطباق مرمولة بالذّهب و الفضة و الأحجار الكريمة إلى أفواه لاهثة مرتقبة، و نفوس جوعى و أرواح حائرة ..فكيف إذا كان من يهديك من النفوس المؤمنة ، المتشرّبة للعسل المصفى النّصوح، عسل  كلّ ما فيه حسن ..

و الدّاعية الأديب محمد عادل الهاشمي ، سليل الشام، و الحامل للواء تلك الشجرة المباركة ما برح يسيح بعقولنا و أرواحنا عبر  مجاني أطايب تلك الثّمار يلقمنا ببركة الله تعالى منها ما لذّ و طاب و جمُل..؛ ذلك و أنّه أثناء وجوده بمدينة قسنطينة بمناسبة انعقاد ملتقى دولي في الأدب الإسلامي بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية أتيحت لنا فرصة اللّقاء و النهل من معين علمه و التفكه بجماليات روائع أدبه الرائع السامي.كانت ملامحه ملامح رجل شاميّ سوريّ ..شعره أشقر ، ربعيّ القامة، وضاءة قسمات وجهه، تقطر عيناه بشرا و ابتسامة ، كثير الصّمت، دائم التفكير، طويل التّأمّل، هاديء إذا سار و إذا تحدّث..كلّ هذه المعاني المشرقة رأيناها فيه رأي العين فسبحان من ملك القلوب و شغافها، و قذف فيها حبّ أمثال هؤلاء الرّجال فصارت النّفوس لهم مأسورة، و القلوب مرتهنة عاشقة مولوهة..

و من عظيم و بركات هذا الدّاعية الأديب أنْ تزامن وجوده بحلول شهر رمضان المبارك ، و في هذا من البعد عن الأهل و الخلاّن من الجرح النفسيّ العميق، و العنت المعنوي المتراكم ما يلا يعلم حقيقته إلاّ الله تعالى..فلا يعلم حقيقة ألم الجراح إلا المجروح نفسه ..إنّه السرّ الإيماني الكبير الذي يقذفه الله تعالى في قلوب محبّيه، فيتعلمون من المشاق و المتاعب و المكاره و كلّهم حبّ و حماس و شوق و إخلاق و اجتهاد و مثابرة و صدق و إيمان و صبر و عزيمة و مضاء..كنت قد دعوته لتناول الفطور في بيتي الموجود في حي ساقية سيدي يوسف قسنطينة فلم نلمس منه إلاّ قبول الدعوة و الاستجابة بكل لطف و حبّ و أدب جمّ ..لم تأل عائلتي برعاية والدتي حفظها الله تعالى على عادة أهل قسنطينة في إكرام الضيف و العناية به حيث حوت مائدة رمضان يومها أصنافا شهية تقليدية مشتهرة، تسيل لعاب النّاظرين و لكنّه و الله يعلم ما تناول إلاّ لقيمات معدودات تاركا لعائلتي من بعد ذلك خيرا كثيرا و بركة عظيمة و زادا طيّبا مباركا..ثم دعا الله لنا بدعاء عريض فزاد في حجم فرحنا و سعادتنا و استبشرنا بضيافته و هو يردّد:"أكا طعامكم الأبرار و أفطر عندكم الصائمون و صّلت عليكم الملائكة و ذكركم الله فيمن عنده" دعاء مبارك لازم بيتنا سنينا و سنينا ، و من بركات ذلك الإفطار حضور لفيفا من الإخوان المباركين فأشرقت بهم جنبات الدّار و عمّت بحضورهم الفرحة و السّرور جنبات البيت....بعد الفراغ من الإفطار اتجهنا صوب مصلى النّساء"الرحمة" حيث كان ينتظرنا إخوان إذ و بعد صلاة العشاء و صلاة التراويح بما تيسّر التقى بالحضور و بكوكبة من خيرة الإخوان..و بأسلوبه الأدبيّ الهادئ الرّاقي طفق يسيح بنا سياحة مباركة ميمونة في رياض الدّعوة و بساتين الإيمان فخرجنا من بعد صلاة الفجر"الصّبح" و في ألستنا مذاق كلماته الحلوة البديعة و في قلوبنا قسطا وافرا منها ..فمثل هذا العمل الليليّ التّعبّديّ نسمّيه حركيا و تنظيميّا بالكتيبة إذ تبتدأ بالصيّام و الإفطار الجماعي ثم تنتهي بالدّروس الليلية و الدورات العلمية و قيام جزء من الليل و التبتّل إلى الله تعالى لتختم بصلاة الفجر و من بعدها يغادر الإخوان مسرعين نشطين لمخالطة أهاليهم و ذويهم و حياتهم العملية الخاصة أو العامة ..تلك المدرسة الليلية العامرة كانت بحقّ عملية غسل و تطهير للنفوس و فرصة كبيرة لتجديد عهد الحبّ و مواثيق الأخوة و خاصة بحضور عالم جليل أو داعية كبير أو وليّ من أولياء الله الصالحين..

أثناء دردشتنا معه سألناه عن علاقته بعادل الهاشمي صاحب قناة المستقلة ، و هل هي علاقة قرابة فأجاب بابتسامته المعهودة:" هو أخي بطريقة ما و فهمناها على أنّها الأخوةّ التنظيمية" هذا ما فهمناه منه آنذاك..أستقلنا سيارة أحد الإخوان المكلّف بنقله و السهر على إقامته و تنقلاته التي كانت بإقامة الأساتذة المخصّصة لهم و المحادية لمقرّ التلفزة الجزائرية الوطنية ..

بالحبّ التقيناه و على ميثاق الإخوة افترقنا شاكرين سعيه و جميل صنيعه، و كريم تضييفه ..غادرناه و ملامح الحسرة و التّأسف تملأ أسارير وجوهنا و كم كان ألم الفراق قاسيا و مؤلما لأنّ ذلك كان في بداية التذسعينات ..عشرية الدّم و الدمع و الموت و التقاتلفقد كنّا نعلم بأنّ زمن هذه اللقاءات قد ولّى إلا أن يشاء الله تعاى و يأذن..كانت الأخوة في الله هي الرابط بينه و بيننا و جلّ ما كنّا نعرفه عنه رحمه الله تعالى بأنّه أستاذ في اختصاص الأدب العربي عامة و الأدب الإسلامي خاصة، و بأنّه من جنسية سورية و مقيم بالمملكة العربية السعودية و أستاذ بإحدى جامعاتها العامرة و صاحب تآليف قيّمة بديعة ..

  و علمت مؤخرا بأنّه قد توفي عصر يوم الأربعاء في التاسع من شعبان 1439 المواف25٢٥ من أفريل 2018 م في مدينة الرياض أستاذنا الدكتور محمد عادل الهاشمي ( 1928- 2018) أي عاش  90 عاما ميلاديا، وهو شقيق الدكتور محمد علي الهاشمي ( 1925- 2015) الذي سبقه و ارتجل، ويصغره بثلاث سنوات حسب بعض الأخبار المتوفرة على النت أي الشبكة العنكبوتية الدّولية ؛فاللّهم كما أكرمتنا بلقائه في هذه الدّنيا فأكرمنا بلقائه يوم تعنو الوجوه للحيّ القيّوم و لا يسمع إلا همسا و ركزا فإنّنا نشهد بطيبته و تواضعه و أدبّه الجم و زهده ..اللهم آمين. 

تعليقات