الدكتور عبد الله حمادي: من مذكّراتي: كشف الأستار عن بنات الأفكار ممن جمعتني بهم الأقدار: الحلقة الثّامنة
الدكتور عبد الله حمادي:
ممّا نعرفه عن عائلة
"حمّادي" أنّها من نازحي تونس الخضراء ،دخلوا بلادنا فجر الاستقلال
الوطني فغدوا منّا و غدونا منهم إذ اختلطت الأنساب و الطبائع و العادات فلا تكاد
تفرّق بين لاجئ و مقيم ، و وافد و أصيل..عرفته رائدا من روّاد مسجد الخلفاء
الراشدين ، وجارا طيّبا خلوقا قبل أن أدرك فيما بعد بأنّه أستاذ من أساتذة الأدب
العربي بجامعة قسنطينة منتوري حاليا..رجل هادئ متّزن، تعلو محيّاه ابتسامات على
استحياء كبير و أدب جمّ..حديثه شيّق ثري و فيه الكثير من اللباقة الأدبية و
التواضع الكبير.. رجل حذر متيقظ و متحفّظ ، و قد أخبرني أبي رحمه الله تعالى بأنّه
كان زميلا له في الجامعة أي طالبا من طلبة الجامعة غير أنّ ظروف صحيّة قاهرة ألمّت
بأبي اضطرته عن التّخلي عن مواصلة دراسته الجامعيّة بينما واصل الدكتور عبد الله حماديدراسته
الجامعيّة محرزا أعلى و أرقى الشّهادات العلمية و هو الآن أستاذا جامعيا مرموقا، و
باحثا خبيرا و ترجمانا نحريرا نفعنا الله تعالى بعلمه الواسع(الآن قد تقاعد ).
لمّا اكتشفت بأنّه أستاذا
جامعيّا للأدب العربي و طمعا في كرمه و طيبته انتهزت الفرصة موازاة لحيازتي على
بعض المحاولات الأدبية و طلبت منه تصحيح ما كتبت و توجيهي وجهة صحيحة و إعطاء رأيه
بصراحة حول الأفكار التي أثبتها و سجلتها و الطريقة التي انتهجتها و كذا الأسلوب
الذي تقيّدت في كتابتها..و أصدقكم القول فقد فاجأني ردّه و كم كانت توجيهاته
حالرقة لاذعة، و عباراته قاسية شديدة حيث لم يتحمّلها قلبي الضعيف المرهف ولا قلمي
النحيف المبتدأ إلى درجة كدت فيه أن أكره ما كتبت و قيّدت فلقد كنت أعتقد بأنّ لي
قلما سيّالا لا يشقّ له غبار و هو في منأى عن شدّة هذا النقد بل و الاستهتار في بعض الأحايين...هذا ما كنت أظنّه و أنا في
مرحلة الشباب..مرحلة زهرة الحياة و الحماس الزّائد الفيّاض،و لكن مع مرور الوقت و
تقدّم السنّ تبيّن لي صحّة ما لفحني به أستاذنا الفاضل من سياط النقد البنّاء و
الإرشاد المناسب و علمت بأنّه أسدى إليّ بنصائئح غالية و أرشدني إلى الطريق الصحيح
و كان ذلك منه بعد نظر، و حسن إرشاد و عن سابق خبرة و تجربة..و إن أمدّ الله في
عمري فسأجّل في نص آخر أجزاء من هذه الانتقادات اللاذعة اللافحة تعميما للفائدة ،
و تبيانا للناشئة و المبتدئين بعض جوانب النّقد البنّاء الموجّه بإذن الله تعالى.
و الحقيقة التي يجب أن تقال
فلقد شكرته وقتها شكرا جزيلا و لم أفصح له بخيبتي و تأثري و استمرّ الود بيننا و
دامت أواصر حسن الجوار و زاد قدره في قلبي و نفسيّ و من كرمه الحاتمي فقد أهدى لي
كتابه القيّم الموسوم بـ:"أدب المغرب العربي" مشفوعا بكلمات ودّ و إشادة
و كنت قد قرأته عدّة مرات و استفدت منه فرصت بطانا بعد إن كنت أتيته خماصا...
و الأستاذ لا يزال يكتب و يألّف و ينشر الأبحاث و قد أهدى وطنه الجزائري و العربي مكتبة كاملة زاخرة جمع فيها بين الأدب و الشعر و النقد و التّاريخ و الفكر..أدام الله عطاءه و نفع الله الأمّة بما كتب و كان ذلك له أجرا مضاعفا يوم لا ينفع مال و لا بنون..

تعليقات
إرسال تعليق