العالم الرّبانيّ ابن الشيخ الحسين مرزوق : مذكراتي: كشف الأستار عن بنات الأفكار ممن جمعتني بهم الأقدار..الحلقة الخامسة
5- العالم الرّبانيّ ابن الشيخ الحسين مرزوق
:
كان لقاء قصيرا ، و يشاء الله
أن تمتدّ من بعده رحمه الله امتداد إشعاعات نبراس أضاء و لا يزال يضيء في سماء
قسنطينة خاصة و سماوات الجزائر و العالم الإنساني من بعد ..كان الشيخ شعلة من
العلم الوهّاج بل شمس مشرقة مضيئة لا تحبّ الآفلين ..أتمثّله بحرا زاخرا من العلم
الدّافق الفيّاض يجود بفيوضات عطائه على العامةّ و على تلاميذه خاصة الذين خصّهم
بالعلم الخالص و التّوجيه الراشد و الرّعاية المستمرّة سالكا في ذلك طريقة عالم قسنطينة الشيخ عبد
الحميد بن باديس رحمه الله تعالى و عاضّا عليها بالنواجذ ، واهبا لهم كلّ وقته و
زهرة حياته إلى أن التحق بالرفيق الأعلى و
قد أدّى الأمانة و نصح و رشد ،و ربّى فأحسن و علّم فأفاد ..آه لو أترك للقلم العنان
لذرفت منه دموع الحبّ أنهارا و بحارا.. و ممّا زاد في ألمه و نسيانه و إهماله و
إنتاجه و لا ضير يا شيخنا الربّاني عليك فإنّك قد صرت بين يدي ربّ رحيم كريم لا
يضيع عنده نقيرا و لا قمطريرا ..فإنْ لفّك النّسيان في دنيا النّاس هذه فإنّ لك
ذكرا في الملأ الأعلى فعذرا و ألف عذر في زمن أدار ظهره و ئأ بجانبه عن صروح للعلم
شامخة، و شموس نيّرة مضيئة ..بهذه الكلمات الحزينات أصدّر هذه الذّكرى المشحونة
المحزونة.
إنّه و أثناء تجوالي في مدينة
قسنطينة مدينة العلم و العلماء و بعد أداء الّصلاة خطر ببالي و ألحت عليّ خلجات
نفسي القيام بزيارة للعالم الرّباني الفقيه الشيخ مرزوق رحمه الله تعالى ..اتّجهت
صوب مقصورته بخطى وئيدة مطمئنّة فشعرت بقّات قلبي تزيد و تتسارع و كلّا اقتربت
أكثر من مقصورته كلّا ازداد نبض خفقانه حتّى سمعت أذنايّ خفقات ضرباته المنتظمة
فتساءلت و قلت لنفسي :"أليس الشيخ مرزوق رجل كمثل باقي الرّجال فلماذا تزداد
نبضات قلبي فما السّرّ المخبوء المكنون من وراء ذلك ؟.." تساؤلات متوالية
متزاحمة ملأت عليّ أجواء وجداني المشحون و لكن سرعان ما انجلى السرّ و أدركت
الإجابة الواضحة الشّافيّة...إنّها هيبة العلماء يقذفها الله في قلوب البشر..هيبة
ربّانية تسيطر على إحساس البشر تلزمك بالأدب الجمّ مع العلماء ثمّ هي لمن سابق
البشرى في هذه الدنيا الفانية ..أستأذنت بالدخول عليه فأذن لي بالدّخول ففتحت
الباب بهدوء و لطف فكانت المفاجأة..إنّني لا أبالغ في وصفي و تعبيراتي و الله يعلم
سرّي و ما أخفاه...مفاجأة كبيرة جعلتني أسير ملابساتها..كان يجلس جلسة متواضعة ،
تعلو وجهه إشراقة ربّانيّة تتقاسمها ابتسامات بريئة دافئة عريضة حانية...شيخ كبير
طاعن في السّنّ جالس بين كتبه و مخطوطاته في مقصورة ضيّقة أستغفر الله بل باحة قصر
واسعة رحبة بنور الله و بركاته...طلب منّي الجلوس بقربه فأسندت ركبتاي إلى ركبتيه
ثمّ استفسر عن سبب مجيئي و زيّارتي له...فبادرته بالإجابة:" أحببت زيارتك يا
شيخي، و رغبت بلقائك و النّظر إلى وجهك الصبيح" عندها ابتسم و اطمأنّ لأنّ
وقت زيارتي له كان بعد صلاة العصر بساعة أة وتزيد...و شرع بتذكيري و موعظتي
فأكرمني بما فتح الله عليه من فيض كلمه السّاحر، و جميل نصحه اللطيف و طفق يدعو
الله لي بالتوفيق و الصلاح و الستر..
إنّ ما حزّ في نفسي و آلمني
أشدّ الألم و أسأل الله أن يغفر لي أنّي كنت قد وعدته بتسليمه كتاب" التبيان
في أقسام القرآن" للعلامة ابن القيّم الجوزية و أخلفت وعدي خاصة و قد رأيت
منه حماس فيّاض و همّة وثابة لقراءة الكتاب ..هذا السفر الفاتن عن أقسام القرآن و
إنّي أدعو الله تعالى أن يغفر زلّتي فالكتاب لم يكن ملكي فقد كنت أعرته من صديق لي
..و من هذا المنطلق أدعو تلاميذه الكثيرين الذين خصّهم بكل فضل و شأن و أورثهم
عصارة فكره و خاصّة علمه أن ينتفضوا يوما ما و ينفضوا عن شيخهم أغبرة النّسيان و
يترجموا بعض مناقب حياته الحافلة العامرة بكلّ خير و إحسان ، و يستخرجوا لهذه
الأجيال من أعماق بحره المكنون الزّاخر بعضا من أصداف تآليفه إن وجدت، و جواهر
فتاويه ليمتدّ الوصال و ينتفع بميراث الأنبياء نفوس ظمآى و قلوب توّاقة لعلَم من
أعلام العلم و الصلاح ، علَم ثابت، عميق الأركان، جميل الجدران، يهدي الحيارى
بأعلامه المنصوبة إلى طريق الهداية و سنن النبوّة الطاهر الخالد..
فرحم الله شيخنا رحمته واسعة تكون له و لنا رضى و قبولا "يوم لا ينفع مال و لا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم" و حقّا يذهب الرجال و يترجّلون و يبقى النّهج و الأثر كما أنشد الشّتعر محمد تمار حفظه الله تعالى.

تعليقات
إرسال تعليق