العلامة محمد الغزالي رحمه الله: من مذكراتي: كشف الأستار عن بنات الأفكار الحلقة السّابعة

6-العلامة محمد الغزالي:




بعيون الحبّ و الرضا أسجلّ هذه الإنطباعات الواقعيّة الصادقة، المرهفة الحسّ، الإيمانية المنطلق و الوجهة و المآل..

إنّ النّظر إلى وجه الشيخ محمد الغزالي لنظر مبارك ميمون ،فعندما تنظر إليه بتلك العيون المؤمنة فسترى أمامك نفسا مؤمنة راضية مرضيّة..إشراقات نورانية تهبّ على صفحات نفسك..و فيوضات إيمانية تنزل ببرد و سلام عليك، و ابتسامات ملائكية تغزو مداخل قلبك..أتمثّل الشيخ رحمه الله جنّة بديعو زاهية ،ممتدّظ الظّلال ، قد أتت أكلها و لا تزال تؤتي أطايبها النّديّة، و خيراتها الزكيّة،و بركاتها البهيّة قرآنية و سنّية..كلّ ما في الشيخ رحمه الله تعالى مشرق زاهر..وجهه الملائكيّ الرّبانيّ الآمن الأزهر.. بريق عينيه الفيّاض بالحب، و الدفء، و الأمن ،و الحرص و الشفقة..جلسته المتواضعة المهيبة ذات السّمت الإيماني و السّلام الغامر الدّافق..يده الدّافئة الحانيّة بملمسها الليّن فتخالها وردة قسيمة يسري بردها الآسر عبر نواقل الروح و نبضات القلب فتغمرك ببردها و ألطافها و حنانه بل و يغلق عليك صدقه و إخلاصه جميع الأبواب و النوافذ  فلا ترى منه إلاّ كلّ جميل حسن..إنّني لو بقيت آلاف السّنين أعبّر و أكتب و أصف ما وفيت  نقيرا  أو قطميرا من حقّيقة واحدة من حقائق شيخنا رحمه الله تعالى..و من عظيم كرم الله تعالى عليه بأن استدعاه إلى بلده ا الحرّم ،وبيته المقدّس لتفيض روحع الطّاهرة الطيّبة و تلتحق بالرفيق الأعلى من أكرم بيت إلى أكرم ربّ و من أقدس بقعة إلى حمى و بركات الله تعالى..

و يعلم الله تعالى حبّي و شغفي بالأدب العربيّ منذ نعومة أظافري، و إنّي لمتيّم به حتى النّخاع ، أهيم بجماليات لغتنا العربية الساحرة الآسرة و أنتقل بين جنّاتها الوارفة المغدقة و تا الله إنّي كنت لأرى في كتابات الشيخ الدينية الأدبية استمرارا لمدرسة الصنعة الفنية ،فقد بلغ الشيخ فيها عنان السّماء حسن اختيار للألفاظ ذات الأجراس الرنّانة الشجيّة، توان بينها و بين معانيها ، و متوافقة تلج قلبك دون استئذان لتحرّك معانيها السامية الخلاّبة كلّ جميل في نفسك و مكنون من وجدانك..تلك المعاني التي تستمدّ وجودها و ديمومتها من أعماق بحار القرآن الكريم الطافحة بالمكنونان و الأسرار و الألماس و الجواهرو تنهل كم مجاني و جنّات السّنة النبويّة المغدقة المفتّحتة الناضجة، مستعينة بتجارب إنسانية تعجّ بأطايب الثمر، و جميل الخبر ، و خطوط الأثر، و حلقات ممتدة من وصال عطاءات البشر..كنت أقرأ كتبه و كلّي شوق و حبّ و وعيّ و تقدير و احترام و إعجاب؛فمؤلفاته تعلّمك الأدب و حبّ اللغة العربية قبل أن ترشدك لهديّ نبوي رفيع، أو إشارة بديعة بنّاءة، أو تصحيح مفهوم خاطيء مترسّب متلربّص، أو إحياء لأصل مهمل متروك، أو الظفر بخلق فاضل مبارك..كتاباته تشدّك إليها شدّا رحيما حانيا، فلا تترك إلا و تركتك أسير كلمها السّاحرفأضحيت من ندمائها المتيّمين المقيمين..و الحقّ أقول أنّ من شدّة حبيّ للشيخ و كلفي بمؤلفاته العامرة أنّني ذات ليلة رأيته في منامي و أرجو الله تعالى أن تكون رؤيا ملك حقّ لا لمّة شيطان ..رأيت الشيخ بأم عينه، بعمامته الحمراء، عمامة مشيخة الأزهرو بعباءته المصرية الدّاكنة بمسجد الخلفاء الراشدين المؤقت و قد جلسنا معه في إحدى زوايا المصلّى في حلقة ذكر زاخرة، و كان من إخوتي الجالسين أخي نورالدين بريحي – و هو حاليا أستاذ جامعي و باحث في الفيزياء- و كان الشيخ يتحّث إلينا ثم يخصّ أخي نورالدين بابتسامة خاصة مائزة و عند إنهائه لحلقة الذّكر نزع عمامته من على رأسه و وضعها على رأسي الحاسر..فكانت تلك الرّؤيا من عاجل البشريات في هذه الدّنيا الفانية العابرة..تلك الابتسامات التي خصّ بها أخي نورالدين قد أتت أُكلها إذ تربّع أخي نورالدين بجدارة و استحقاق على مقعد الأستاذية في إحدى الجامعات الجزائرية الحبيبة في مجال العلوم الفيزيائية و لا يزال يثري البحث العلمي بمقالات و أبحاث نشرها في كبرى المجلاّت العالمية العلمية المتخصّصة..طبعا بعد مرور عقد من الزّمن من رؤية هذه الرؤيا .و أسأل الله تعالى تحقّقها كاملة غير منقوصة فنفوز بذلك في الدّارين..آمين.

إلتقيت يالشيخ رحمه الله عدّة مرات بعد ذلك و لكنّني لم أتحدّث إليه رغم اقترابي منه كثيرا في ملتفى الفكر الإسلامي المنعقد في تبسة الشهباء.و ما ذكرته من وصف سابق إنّما هو وحيّ تلك الذكريات و سحرتلك النّظرات.

في هذا الملتقى و أنّه عندما حانت محاضر الشيخ و بدأ يتحدّث بأسلوبه الهاديء عقلانيّ الطرح، موضوعيّ الهدف قال كلمته للتّاريخ أسجلّ نزرا منها في هذه المذكرات و كانت بعد أعقاب محاضرة للسياسي التركي نجم الدين أبركان و الشيخ الصوفي الزّاهد محمد سعيد رمضان البوطي رحمهم الله قال:" تأملوا معي..لو جمعنا بين محاضرتي الأستاذ و الشيخ في شقهما الاقتصادي السياسي الاجتماعي و الإيماني الصّوفي لاختصرنا فيهما عظمة الدين الإسلامي و لخرجنا بميثاق عملي إسلامي واقعي و موضوعيّ صالحا لأن يكون منهج حياة و كفيلا بأن يخرج النّاس و أنفسنا من الظلمات إلى نولا الإسلام و هديه" [طبعا فيما معناه]..

فالشيخ محمد الغزالي رحمه الله برغم مظهره الهادئ المسالم الوديع المهيب إذا ما كشّرت الأحداث و المواقف عن أنيابها سطع نجمه و ظهر للعيان كأسد منيع هزور و ليس هذا بغريب على عالم جليل من أمثال و طينة شيخنا رحمه الله و قد أمضى سنسن في مدرسة يوسف عليه السلام نصرة للحق و صدعا بمبادئه و قناعاته..فلقد كان في أوان شبابه و زهرة عطائه يقود المظاهرات الضخمة و يؤطّر المسيرات و يسيّر الألوف و مءات الآلاف ، و قد ابتليَ في الله ابتلاءات شديدة و السجون المصريّة تعرفه و يعرفهها كما سبق التنويه إلى ذلك..و أكثر من ذلك فقد كان جنديّا متطوّعا كباقي شباب الإخوان المسلمين و خاض معارك ضاريّة ضد الكيان الصهيوني الظالم المغتصب و تحقّق على يده و أيدي إخوانه من الجنود البواسل المغاوير فتوحات كثيرة مشهودة سجلّ بعضها في كتابة القيّم " قذائف الحقّ" و غيره.

و قد تشرّفت الجزائر عقدا من الزّمن بإشرافه المحكم و إدارته الحكيمة لجامع الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية..هذا المعلم المعماري و الصرع العلمي و المنارة العالية الهادية ..و كم تخرّج عللى أيديه الطاهرتين ثلّة من خيرة أبناء الجزائر و من خارجها على اختلاف توجهاتهم الفكرية و التنظيمية..

  

 

  

تعليقات