مؤذن الجامع الكبير يوسف مشحوذ: مذكّراتي كشف الأستار عن بنات الأفكار ممن جمعتني بهم الأقدار الحلقة 14
مؤذن الجامع الكبير يوسف مشحوذ:
من جالس العلماء و زاحم رُكب أهل العلم صار منهم و بعث
معهم فهم الجلساء الذين لا يشقى جليسهم..و كم كنت أسعد و أفرح حين ألتقي الحاج
يوسف و كم كانت فرحتي و سعادتي تبلغ أودّها حين ينظر إليّ بوجه طلق كمثل البدر
الزاهر و هو يبتسم مردّدا في كلّ مرّة قوله:" من منّا لا يعرف عمّي
يوسف"[1]..كانت
لتلك الكلمات البسيطة وقعها الشّديد على نفسيته و لها حلاوة خاصة في قلبه و لا
يملّ بتردادها كلّما جمعتنا الأقدار.كان يذكرني موقفه هذا بقول الشاعر بشار بن برد
في ربابة:
ربابــــةُ ربّة
البيت .. تصبّ الماء في الزّيتِ
لها سبع دجاجات..و ديك حسنُ
الصّوتِ
فأقول بيني و بين نفسي هذه و الله حقيقة البلاغة التي
تحكي و تعكس اقتضاء المخاطب ..البلاغة التي وافقت الشخص و السّياق و المقام و
الظروف..فليست الألفاظ المنمّقة هي وحدها من تصيب المقتل بل حتى الكلمات البسيطة
التي توافق حالة من سيقت له و صيغت من أجله..إنّها لكلمات بسيطة معدودات غير أنّها
أدخلت السرور و الفرح في قلب شيخ كبير أدرك عمق معانيها و سحر دلالاتها...و لتمام
الفائدة أنشر تلك الدردشة الطريفة معه كما نشرت:
على هامش إعداد هذه اللمحة التّاريخية عن المسجد الكبير
التقت الأصيل مؤذم الجامع الكبير الحاج يوسف مشحوذ و من منّا لا يعرف عمّي مسعود
مؤذن المسجد الكبير..و من منّا لا يعرف تلك الإبتسامة التي تملأ قسمات وجهه، و من
منّا لا يعرف تلك النبرات الرّخيمة الجهورية التي تنبعث من فيه كأنّها الأحجار المرصّعة الكريمة التي تسلب عقل
و قلب عاشقها...و من منّا لا يعرف تاريخا حيّا متحرّكا ينبض بالحياة و الحيوية ، و
ذاكرة تحوي بين أقبيتها تجارب و أحداث و ذكريات...
و من منّا لا يعرف فضل عمّي يوسف و ينكره..و بعد فقد
التقته "الأصيل" ز كان هذا الحديث الشيّق الطريف عن مسجد الجامع
الكبير..
·
من هو عمّي مسعود؟
- إنّه يوسف مشحوذ مؤذن بالجامع الكبير منذ أوائل شهر سبتمبر 1966 م.
·
إلى أيّ سنة يعود بناء المسجد الأثري
العظيم؟
- إلى سنة 530 هدرية كما هو مكتوب بالخطّ الكوفي حول المحراب.
·
من هم العلماء الذين تداولوا
على التّدريس و التّعليم بالمسجد؟
- لا أعرف إلاّ عالما واحدا جليلا في قدره،غزير في علمه و هو عندي وحيد عصره
دون منازع..إنّه المرحوم المغفور العلامة
مرزوق ابن الشيخ الحسين الذي كان إمام الفتوى حيث كانت تشدّ له الرذحال من جميع
نواحي الوطن، غربه و شرقه و حتى من الخارج يسألونه في أمر دينهم إن في العبادات أو
في المعاملات...
·
هل تحفظ للسيخ حدثا بارزا أو
موقفا لم تستطع نسيانه؟
- نعم، و في يوم من الأيّام دخل عليه مستشرقون ألمان أو غير ألمان لست أدري
بالضبط..المهم سألوه عن سبب منع الإسلام للإختلاط بين الردال و النّساء فأجاب
الشيخ مرزوق إجابة مختصرة كافية شافية فقال:" و هل تلتقي النّار
بالبنزين" ..و كم كانت هذه الإجابة طريفة و مقنعة في آن واحد ثم خرج أولئك
المستشرقون الأجانب جدّ مسرورين مبهورين بشدّة ذكاء و غزارة علم و معارف الشيخ
الجليل.
·
و هل أخرج الشيخ مرزوق تلاميذ؟
- نعم هم كُثّر و الحمد لله من بينهم الأساتذة رشيد كويرة و حنصالي و كمال
قرقوري و كمال بوخضرة و غيرهم..
·
لماذا سُمي بالمسجد الكبير
بالكبير في رأيكم؟
- سميَ بالمسجد الأعظم لأنّه عظيم في بنائه، عظيم في عطائه و يقال أن مرافق
كثيرة منه قد هدّمت كانت تابعة له..
·
ألا تظنّ أنّ سبب التّسمية يعود
إلى الاستمداد من فقه الإمام مالك القائل بفكرة المسجد الجامع؟
- نعم فهذا الاعتقاد صحيح، حيث كان المصلّون لا يدخلون مساجد أخرى كمسجد سيدي
لخضر أو سيدي عبد المؤمن حتى تمتلأ جميع صحون و مرافق المسجد الكبير.
·
كلمة أخيرة:
- نسأل الله العليّ العظيم لجميع أبنائنا التوفيق..
·
جزاك الله خيرا عمّي
يوسف...أجرى الحوار عبد المالك بولمدايس..
كان حوارا ممتعا تناول بصفة مجلمة و مختصرة أهمّ
المحطّات التّاريخية للمسجد و ظروفه و رجاله و تلامذته و عدّت هذه الدّردشة مدخلا
إلى حوارات أخرى نُشرت في حينها..أراني و الله أعلم قد وفيت و لو نزرا من سيرة
هطذا الرجل الطيّب المرابط و بذلك تأخذ هذه التراجم منحى آخر جديد و أسأل الله
تعالى التوفيق و السّداد ..
[1] للأسف الشّديد لم أعثر على تلك القصاصة التي كنت نشرتها في جريجة الأصيل العربية فمعذرة لك الحاج مسعود و للقرّاء..لكنّني وجدت دردشة معه سأثبتها هنا بإذن الله تعالى منشورة في نفس الجريدة..
.webp)
تعليقات
إرسال تعليق