الشيخ محفوظ النحناح صاحب القلب الكبير :

 


2-             الشيخ محفوظ النحناح صاحب القلب الكبير :



يعتبر الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله من روّاد الحركة الإسلامية في الجزائر المحروسة و من مؤسسي التنظيمات الإسلامية في الجزائر و لا فخر..كان منظّرا للحركة الإسلامية و من الطّرتز العالي، و يعدّ من أوائل العاملين فيها بل و من عوامل استمرارها و رافدا ثريّا من روافدها ..أتاه الله بسطة في الجسم و الوعي ..حباه الله تعالى بمواهب كثيرة متنوّعة قلّما تجتمع في رجل واحد..داعية إلى الله ..محنّك سياسيّ قولا و عملا..مفكر إسلامي قدير ألمعيّ..خبير تخطيط، و مهندس استراتيجي بارع و واضع لخطط مستقبلية فاعلة ،و بامتياز و اقتدار..رزقه الله تعالى فراسة ينظر بها لا تكاد تخطئ ..ذلك نور يأتيه الله من يشاء من عباده الصّالحين...

هذه كلمات ما كنت لأقولها و أسجلّها لو لم يزل حيّا يرزق و أمّا و قد التحق بصاحبه و أخيه في الدعوة و الدرب و الجهاد الشهيد الذبيح بوسليماني فكان لزاما عليّ أن أدليَ بهذه الشهادة التي بعون الله و توفيقه ستخترق حجب الغيب و الملكوت لتلامس روحه الطّاهرة في عالم البرزخ و الأرواح..شهادتي اليوم و غدا بين يدي أرحم الرّاحمين..

ما كان يعجبني في الشيخ النّحناح فصاحة لسانه و حسن اختياره للألفاظ المناسبة ،وغزارة المعاني و تعدد الإيحاءات و التأويلات ...كانت كلماته بمثابة إشارات مرور لأبناء الحركة الإسلامية بل أنوار كاشفات مشرقات أنارت و لا تزال تنير ظلمات العقول و الصدور و العيون ..فكم أنارت دروبا كانت معتمة، و آفاقا بدت بعيدة المنال، حلّت ألغاز حقائق لفها الكثير من اللبس و الغموض و الغرابة ...

كانت خطبه الرّنانة تُحفا فنّية غزيرة البيان ،و فائقة الجمال و البهاء تلامس شغاف القلوب و تداعب أوتار النّفوس فكانت بحقّ بردا و سلاما ..

أوّل خطبة و حديث أو قل محاضرة حضرتها له كانت في مدينة عنابة ، بمسجد الحيّ الجامعي الجسر الأبيض "le pont blanc"   و قد أبدع رحمه الله في استعمال الصّور البيانية البديعة و ببراعة فائقة لافتة استطاع أن يشرح طبيعة أفكاره و منهجه الدعوي و طريقة عمله في الإصلاح و التّغيير و الدّعوة إلى الله تعالى ...كان ذلك في آواخر الثمانينات يومها كنت طالبا جامعيّا بجامعة بونة العتيقة المباركة..

و مما علق في الذّهن و ثبت بالفؤاد قوله فيما معناه: "لسنا مستعجلين فأمامنا الكثير من الوقت  ، إنّنا لا نريد قطف الثّمار قبل نضوجها ..من رزقه الله سيارة فخمة سريعة مثل BMW   فما عليه إلاّ تجاوزنا فسيارتنا من نزع السلحفاة "حصانين"  تسير ببطء كبير ،أمّا الذي نرفضه و نأباه هو محاولة تعطيل سيارتنا بإزاحتنا عن وسط الطريق أو إرغامنا على زيادة معدل السرعة أو إحداث عطب ما في سيارتنا أو إزاحتنا جانبا فهذا الذي نرفضه و لا نسمح به أبدا " كانت لهذه التّعابير الرّاقية و النظرات البعيدة المشفوعة بدفء ابتساماته و نبرات صوته وقع السّحر في قلبي و قلوب الحاضرين..و الحقّ أقول أنّ شيخنا في هذا الميدان الخطابي لا يجارى و لا يُشقّ له غبار ..ثمّ شاء الله تعالى أن نلتقي معه عدّة مرات بعد تخرّجي من جامعة عنابة في ميدان الحقل الدّعوي كمناضل في حركة الإخوان المسلمون .

أذكر للشيخ في هذه الومضة مواقف نُقشت في جداريّة جداني :

-       من نكثه ثلاثة مشاهد.

-       من صالح دعائه و بركته.

-       من حسمه الشّديد و موقفه العتيد .

·                   من نكته:

-       زار مدينة العلم قسنطينة ..مدينة الهواء و الهوى محاضرا و منظما لدواليب الحركة فانتهزنا الفرصة لدعوته لمقر جمعية الإرشاد و الإصلاح بحي الجزارين بإشراف الدكتور شرفي الرّفاعي رحمه الله ..و بعد تتمّة اللقاء و همّ بالانصراف و الخروج من الجمعية طلب منّي إحضار حذائه فقلت له: يا شيخ و كيف لي أن أعرفه من بين عشرات الأحذية ..نظر إليّ بابتسامة عريضة قائلا: أكبر الأحذية و أضخمها هو حذائي و لا أظنّك ستجد صعوبة في الاهتداء إليه" ابتسمت ابتسامة عريضة و أتيت له بحذائه الضخم ..هذا من خفّة إحساسه و لباقة أسلوبه و حسن مزاحه ..رحمه الله تعالى.

-       زارنا مرّة ثانية فاستديناه مجددا إلى مقر الجمعية و كان ذلك في بداية التّسعينيات أي في قمّة الصّراع الدعوي المحتدم بين الفصائل الإسلامية و زعمائها و رؤسائها آنذاك و الذي كانت تمرّ به دولتنا الحبيبة الجزائريّة و كان الشيخ شديد الملاحظة ، خفيف الظلّ ‘ذ و بمجرّد خروجه من مرحاض المائضة لاحظ اختفاء الصّابون فقال لي:" هل ذهاب الشيخ الرفاعي هو سبب اختفاء الصابون" قالها و الابتسامة تعلو محيّاه ففهمنا الرّسالة  بوضوح و بقوة ..رسالة قوية ترشدنا إلى عدم إهمال صغائر الأمور إذ أن معظم النّار من مستصغر الشرر و مما فهمناه أيضا بأن العمل المؤسساتي لا يقوم على الأفراد إذا لأشخاص لاعبون متغيّرون و متنقلون بينما المؤسسة و الفكر و الثوابت من الأساسيات و الأبجديات التي يجب إلا نغفل عنها ما حيينا...

-       النّكتة الثالثة: أقمنا في مدينة قسنطينة احتفالية كبيرة دعونا لها شيوخا و دعاة كبارا...و كان من بين المدعوين شيخنا النحناح و شاعر الأقصى يوسف العظم رحمهما الله تعالى ..و أثناء الاستراحة في مقر الإرشاد جرى حديثا شيّقا و طريفا و ممتعا بين الرّجلين.. بادرهُ الشيخ محفوظ بقوله:" يا يوسف ألا تشنّف أسماعنا بشي من شعرك؟"" ابتسم الشاعر يوسع العظم رحمه الله معتذرا:" المؤسف أنّني أكتب الشّعر و لا أحفظه " قال الشيخ: و لو بيتين" ، عندها قال الشاعر يوسف العظم :" أتذكّر بيتين قلتهما في أمير دولتنا الأردن ..و ذكر البيتين الجميلين فابتسم الشيخ ابتسامة عريضة و أكملا حيثهما الشيّق و تنفس الحاضرون الصعداء...كان رحمه الله تعالى ذواقا للشعر و حساسا بمعانيه ..يسمعه بكل آذان روحه و يتفاعل مع كلّ بيت من أبيات الشّعر و كان يحفظ اكثير منه ذلك ما كنّا نلتمسه منه من كثرة استشهاداته بالشعر و تا الله ما حفظت بعض الأبيات الشعرية إلا منه رحمه الله، فعندما تحدّث عن حبّه للجزائر و شغفه بها قال: أنا حالي مع الجزائر حال الشّاعر مع حبيبته حين أنشد:

أحبّها و تحبّني.. و يحبّ بعيري ناقتها

و هذا من أعذب الشعر و أرقّه مما سمعته منه رحمه الله.

·                   من صالح دعائه: في حفل بهيج أقيم في التسعينيات في كلية الشعب بقسنطينة من تنظيم حركة مجتمع السّلم و أثناء خروجه التقيت به فكان لقاء حارا مفعما بالمحبّة و أحاسيس ..لقاء تلميذ بمعلّمه أو قل لقاء ابن بأبيه بعد افتراق طويل.. و من جميل القدر أنّ ابنة أحد الإخوان الصغيرة كانت بيدي فانتهزت الفرصة و طلبت منه الدعاء لها و طفق يدعو الله لها بالصلاح و الشفاء ثمّ حملها بيديه و قبّل جبينها البريء و لسانه يلهج بالدعاء العريض..و تتوالى الأحداث و تمرّ السنين و يدور الزّمان دورته فتصاب تلك البنت بمرض قاتل فتاك ألزمه الفراش مدّة عامين كاملين و خضعت لعلاج إشعاعي و كيميائي و يشاء الله تعالى أن تشفى و يحفظها الله من موت محقق أكيد ..فتذكر ذلك الأخ دعاء شيخنا قائلا في نفسه : الحمد لله الذي دعا لها الشيخ نحناح دعاء مستجابا فكان حصنا منيعا لابنتي فاللهم ارحمه برحمتك الواسعة فأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما..

·                   من مواقفه الحاسمة :عقد الشيخ نحناح لقاء تنظيميا خاصا في مقر الجمعية أثناء زياراتها العملية لمدينة قسنطينة و ذلك بعد انهائه لمحاضرات و لقاءات عديدة على مستوى عدّة أماكن و مقاطعات و مساجد..و كان لقاء مميّزا اتسم بالجدّة و الوضوح والصّرامة و الحسم.

في هذا اللقاء تبيّن أنّه لا مجال للعواطف و النّكت ..لقاء تنظيميّ فاصل بين موقفين لا ثالث لهما و ما على أبناء الحركة إلا أن يكونوا منتبهين يقظين كأشد ما يكون الانتباه و اليقظة.. عرفت الحركة في بداية تأسيس جناحها السياسيّ سقوطا مروّعا لبعض الإخوان المنضوين تحت لواء الحركة نتيجة عدم فهمهم لطبيعة الانتقال من الحقل الدعويّ الخالص إلى الحقل السياسيّ المحتدم، هذا التّساقط أدخل الحركة في نزيف داخلي مؤسساتي طال حتى كبار و شيوخ الإخوان على غرار شيخنا شرفي الرفاعي رحمه الله تعالى و آخرين لا داعي لذكر أسمائهم.. فكان الموقف يقتضي الحسم و الجّد و الصّراحة إذ قال رحمه الله تعالى: "نحن نعلم بأنّ اختيارنا للعمل السيّاسي سيدفع ببعض أفراد الحركة إلى التّأخر و التّقهقر إلى الوراء.. نحن نعلم ذلك جيّدا ..إنّنا نطلب من إخواننا الذين يريدون التّأخر أو المتردّدين منهم أو المتشككين من سلامة اختياراتنا للخط السياسي أحد أمرين:

-       الانسحاب من الحركة و الإخلاد إلى مساكنهم و الرّاحة.

-       اتخاذ لافتة غير لافتة الإخوان في حالة قراره الخروج من حضن حركتنا.." ثمّ سأل الله تعالى التوفيق و السّداد للفريقين ..

ثمّ شرع في بسط و شرح هذا التغيير الجديد و طبيعة المتاريس و الفتن و الصّعوبات التي سنواجهها في هذا الطريق  و خاصة من إخواننا في الطريق ممن سبقونا للعمل السياسي أو حتى من أجهزة الأمن مصرّحا بوضوح بأنّ اختيارنا هذا سيتسبب حتما في استشهاد لفيف من إخواننا و قد يتسبب في ضيق أرزاق بعضهم و نعتهم بمختلف الاتهامات الخطيرة كالدياتة و الخيانة و النفاق [كتبت بحثا مفصلا عن طبيعة تلك الشبهات و الاتهامات في ورقة أخرى] ثمّ قال رحمه الله:" هذا طريقنا، فمن أراد الاستمرار و المضي معنا فعلى بركة الله تعالى، و من أراد التوقف أو التّأخر أو الخلود إلى الرّاحة فله ذلك و نسأل له و لنا السلامة و النّجاح." كان هذا اللقاء إبان تأسيس الحركة لجناحها السياسي ..حديث واضح بيّن لا لبس فيه و لا مهادنة ..بيّن فيه المنهج المتبع في هذه المرحلة السياسية الحرجة و الطريق المختار و النتيجة المحتومة و للأخ و المناضل كامل حرية الاختيار و التّفكير و التقرير..فرحم الله شيخنا و ألحقنا به غير مبدّلين و لا مغيّرين..

أذكر للشيخ موقفا لا يقلّ نصاعة و إشراقا و بهاء من سابقيه..في أحد التّجمعات و هو يخطب ضربه بعض المتعصّبين المدسوسين المتعنتين بحجرة فأدخل الشيخ يده إلى جيبه و أخرج قطعا من الحلوى ثم بابتسامة عريضة و اشفاق ساحر و بصدر رحب واثق قام برميه بتلك القطع ..‘نّه مثال عمليّ لما تربى عليه و نشأ من مبادئ الدعوة الإسلامية الربانية السمحة مجسدا قول من سبقوه: "كونوا كالشّجر يرونها بالحجر فترميهم بأطايب الثّمر"...مواقف مشهودة للشيخ النحناح الشجرة الممراح ذي الأثر الفوّاح و القلب النّصاح ...قطرة ماء في بحر زاخر و شهقة شكر و عرفان من قلب محبّ وسنان  في زمن كثُر فيه الجحد و النّكران و قلّ فيه البر و الإحسان ..أسأل الله تعالى الستر و الحفظ في الدّين و الدّنيا و الآخرة...

 

تعليقات