الشيخ مختار مراح: من مذكراتي كشف الأستار عن بنات الأفكار ممن ساقتهمُ الأقدار:الحلقة الثالثة عشر

   الشيخ مختار مراح:



أبي و الشيخ مختار رحمهما الله 

الشيخ مختار مراح داعية إلى بالحكمة و الموعظة الحسنة إذ و منذ انتقال عائلتي إلى مقرّ سكناه الجديد الكائن بحي لابوم "ساقية سيدي يوسف " قسنطينة –أواخر سنة 1982 و الشيخ يثابر و يجتهد و يدعو إلى الله تعالى ..لا يعرف الملل إليه سبيلا، و لا يكلّ إذا ما كلّ المتعجّلون و أصحاب النّفوس المهتزّة الضعيفة..كنّا شبابا يافعين نعدّه قدوة حسنة لنا، و أخا كبيرا مبجّلا بل رأينا فيه حنان و حرص الأب و شفقة الأم ..لم يحظ بحنان الأب و عطفه فهو ابن شهيد من شهداء ثورة الجزائر المباركة و لكن لقد وجد ذلك الحنان المفقود في شباب يعجّ بالحركة و القوّة و الاندفاع يفيض بالأمل المنشود لغد مشرق مزهر، و نصر قريب منتظر..كان ينظر إلينا نظرة رؤوم نقرأ فيها كتابا من الحبّ مفتوحا، و بحرا من الإشفاق لو وزّع على أهل قسنطينة لكفاهم و زيادة..و ذلك فضل من الله يِتيه من يشاء..كلّ من كان يراه يحبّه و يفتن بسمته و يقع في شراكه..ابتساماته العريضة الهادئة الدافئة تهدّ كيان الحزن و الخوف في نفوسنا و تزيح كثيرا من الهموم و الغموم التي كنّا نحملها في صدورنا و نجتهد في إخفائها..و كان ما يشدّنا إليه: حسن اختياره للكلمات البسيطة العميقة يأسر بها جنان الحاضرين السّامعين و يسدّ بها عليك منافذ التردّد و الشك و الارتباك...حواراته الهادئة الهادفة و لعلّ مهتنه في التعليم الطويلة نسبيا كأستاذ في الريّاضيات علّمته كيف يخطو الخطوات المنهجية المنطقية الصّحيحة في مخاطبة النفوس و و إقناع العقول المتردّدة و القلوب المهتزّة  المتشكّكة..

كنّا عندما ننظر إليه رحمه الله نبصر هالة من النّور تغطّي وجهه ، و إذا ما ابتسم توزّع ذلك النّور بين تقاسيم وجهه حتى يكاد يخطف بصرنا و من قبل قد خطف أرواحنا و قلوبنا..

كنّا فريقا من الشّباب الذي آمن بضرورة الحركة الإيجابية،و الدّعوة إلى الله فكان لنا نعم القائد المناسبو المربّي المتيقظ الصبور،و المعلّم النّصوح الوقور و الأخ الكبير الحريص..كنّا في ستة أفراد أقرنا و متقاربي السّن و المستوى ..متحمّسين نفيض غيرة و اندفاعا فأسّس بنا حلقة تربوية مباركة تعقد كلّ يوم جمعة في بيته العامر بعد صلاة الفجر – الصّبح – مباشرة ؛ فكان لتوجيهاته الرّشيدة و نصائحه القيّمة النفيسة الأثر الحسن في فهمنا لديننا الحنين و واقع حياتنا المعيش..و استمرّ ذلك المحضن التّربويّ لسنوات فصنع منّا رجالا مميّزين،و مؤمنين أعزاء على الكافرين الظالمين ،رحماء فيما بيننا و بين النّاس..كان لحلقته البسيطة و لكلماته العميقة المختارة أعظم الأثر في نفوسنا بل كان لها وقع السذحر فكنّا بحمد الله و توفيقه شبابا فاعلين و عاملين و منتجين..

مع بداية التّسعينيّات دخلت مستجدات جديدة كالسماح بالعمل السياسي و تشكيل الأحزاب و المنظمات و التكتلات فبدأت معه الهوّة بين القلوب تتسع ، و قلّت اللقاءات التربويّة و خاصة و قد اختار كلّ منّا طريقه و منهاجه أو قل حزبه المفضّل ..و تحت الضغط الجماهيري الكبير و الحصار الشّعبي الذي فرضته الجبهة الإسلامية للإنقاذ اضطر الشيخ محتار مراح إلى الانضمام إلى الجبهة فكان توجّهه هذا بداية النهاية للعمل الذي كان بيننا أقصد الشيخ و باقي أفراد المجموعة..و ذات يوم ذهبت إليه بعد انقضاء صلاة العصر و أخبرته بأنّني اخترت طريقي عن قناعة و دراية و تريّث فكان ردّه جميلا رحيما ثمّ دعا الله لي بالتّفيق و افترقنا على حبّ الله تعالى كما التقينا أوّل مرّة...

و هكذا ازدادت لقاءاتنا بعدا و شقّ كلّ منّا طريقه نحو أهدافه المنشودة و غاياته المرامة ..و كان للشيخ رحمه الله يدا كبيرة في استتباب الأمن هو و لفيف من إخوانه منهم من مات و منهم من لا يزال حيّا و ننتظر منهم نشر تلك الحقائق التي لا تزال رهن الاعتقال و السريّة..

و في يوم من الأيّام بلغنا خبر موته بسبب حادث مرور مؤلم و أليم فكانت جنازته هي آخر عهد بيننا ..فكانت جنازة جماهرية مشهودة ..آلاف المشيّعين..علماء و قادة و رسميون كلهم اجتمعوا على نزاهة الشيخ رحمه الله و استقامته و حبّه للوطن..و إلى حين اجتماع الشّمل من جديد عند مليك مقتدر في عالم الخلود أرفع أكفّ يديّ سائلا المولى أن يتقبّله عنده من الشهداء المخلصين الصّادقين الذي باعوا أنفسهم لله ربّ العالمين فاللّهم تقبله عندك من الشّهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا..

فإلى اللّقاء و إلى الموعد إن شاء الله تعالى..تلميذك و ابنك ب.ع. 

تعليقات