في فلسفة الشعر و جمالياته (06)
النّص الشعري بين تحرّر الشاعر و التزام النّاقد ...
بوجد اختلاف شاسع و بيّن بين قراءة الشّاعر لنصّ
شعريّ ما و قراءته من طرف النّاقد ؛ ذلك أنّ هذا الأخير سيولي اهتمامه أكثر لنقاط
القوّة و الضعف فيه ملتزما بمنهج نقديّ محدد و صارم ..غارقا بذلك في التفاصيل من نحو و
لغة و بلاغة و أساليب و دلالات ..و
نراه حاسما و متشدد حتّى في إعطائه لأحكام قراءته
و نتائجها ، ممتطيا متن الموضوعية و العلمية و الجديّة و التّجرد و
النّزاهة ...
بينما تسقط كلّ هذه الحدود و الفواصل و التعقيدات
من ذهنية قراءة الشاعر.. فالشاعر جلّ اهتمامه نقطة واحدة و وحيدة و هي تجلية مكامن
الجمال في نص الشّاعر و بيان تجليّاته و آثاره على النفس والعمل على إخراجه في أبهى الصّور و أجمل الحُلل و أنقى
الألفاظ و أشرف المعاني... فقراءة الشاعر
قراءة جمالية بحتة تقف على مواقع الجمال
موقف المعجب المغرم ..
بينما قراءة النّاقد قراءة موضوعية منهجية ملتزمة
تهتم بالبيئة التفصيلية للشاعر و النص الشعري و مختلف تأثيراتها .. بمصادر معلوماته و ثقافته.. بتجربته الشعرية
السابقة ..ما لها و ما عليها..
بيد أنّ قراءة الشاعر تسقط كلّ هذه الاعتبارات و
القيود و لا تولي أهمية لتلك التفاصيل الملهية و المبعدة عن بلوغ تذوق الجمال
النّقيّ الكامن بين كلمات و حروف الشعر...
قراءة الشاعر تهتم أصلا بالكيفية التي أخرج بها الشاعر المعنى ..و تعنى بقوة
الألفاظ و أجراسها و تناغمها و انسجامها فيما بين بعضها البعض و مختلف التقاطعات المولّدة بعد
ذلك.. هي قراءة لها آذان مرهفة تسمع بها ترانيم و أنغام تلك الموسيقى الداخلية
التي أحدثتها تلك الألفاظ المختارة بعناية و دقّة و إحساس و هي تعانق معانيها
الحالمة المتراقصة و تتّحد معها صانعة في نفس الشاعر القارئ المتلقي الدّهشة و
المتعة و كثيرا من الرضى و الفرح.. قراءة الشاعر قراءة متحررة لا تلتزم بمنهج تحليليّ معيّن و لا بقيود تحدّ من الانطلاق و
الانعتاق و لا تؤسس نظرتها على خلفيات مسبقة و أحكام مقولبة و قوالب جاهزة...
هي قراءة اللحظة بكل جمالياتها و أبعادها و
دلالاتها...مجرّدة إلاّ من حبّ اللفظ و المعنى و الأسلوب و الفكرة ...

تعليقات
إرسال تعليق