في فلسفة الشعر و جمالياته (07)
النّص الشعر بين تحرّر الشاعر و التزام النّاقد ...
بوجد اختلاف شاسع و بيّن بين قراءة الشّاعر لنصّ
شعريّ ما و قراءته من طرف النّاقد ؛ ذلك أنّ هذا الأخير سيولي اهتمامه أكثر لنقاط القوّة
و الضعف فيه ملتزما بمنهج نقديّ محدد و
صارم ..غارقا بذلك في التفاصيل من نحو و لغة و بلاغة و أساليب و دلالات ..و
نراه حاسما و متشدد حتّى في إعطائه لأحكام قراءته
و نتائجها ، ممتطيا متن الموضوعية و العلمية و الجديّة و التّجرد و
النّزاهة ...
بينما تسقط كلّ هذه الحدود و الفواصل و التعقيدات
من ذهنية قراءة الشاعر.. فالشاعر جلّ اهتمامه نقطة واحدة و وحيدة و هي تجلية مكامن
الجمال في نص الشّاعر و بيان تجليّاته و آثاره على النفس والعمل على إخراجه في أبهى الصّور و أجمل الحُلل و أنقى
الألفاظ و أشرف المعاني... فقراءة الشاعر
قراءة جمالية بحتة تقف على مواقع الجمال
موقف المعجب المغرم ..
بينما قراءة النّاقد قراءة موضوعية منهجية ملتزمة
تهتم بالبيئة التفصيلية للشاعر و النص الشعري و مختلف تأثيراتها .. بمصادر معلوماته و ثقافته.. بتجربته الشعرية
السابقة ..ما لها و ما عليها..
بيد أنّ قراءة الشاعر تسقط كلّ هذه الاعتبارات و
القيود و لا تولي أهمية لتلك التفاصيل الملهية و المبعدة عن بلوغ تذوق الجمال النّقيّ
الكامن بين كلمات و حروف الشعر... قراءة الشاعر
تهتم أصلا بالكيفية التي أخرج بها الشاعر المعنى ..و تعنى بقوة الألفاظ و
أجراسها و تناغمها و انسجامها فيما بين
بعضها البعض و مختلف التقاطعات المولّدة بعد ذلك.. هي قراءة لها آذان مرهفة تسمع
بها ترانيم و أنغام تلك الموسيقى الداخلية التي أحدثتها تلك الألفاظ المختارة
بعناية و دقّة و إحساس و هي تعانق معانيها الحالمة المتراقصة و تتّحد معها صانعة
في نفس الشاعر القارئ المتلقي الدّهشة و المتعة و كثيرا من الرضى و الفرح.. قراءة
الشاعر قراءة متحررة لا تلتزم بمنهج تحليليّ معيّن و لا بقيود تحدّ من الانطلاق و الانعتاق
و لا تؤسس نظرتها على خلفيات مسبقة و أحكام مقولبة و قوالب جاهزة...
هي قراءة اللحظة بكل جمالياتها و أبعادها و دلالاتها...مجرّدة
إلاّ من حبّ اللفظ و المعنى و الأسلوب و الفكرة ...
بولمدايس عبد المالك
27/05/2020

تعليقات
إرسال تعليق