إقامة سيدي عمّار - عنابة – 1984- 1985
·
مذكّرات
طالب02
-
إقامة
سيدي عمّار- عنابة – 1984- 1985
"سيدي
عمّار" توحي التّسمية بأن هذا الحيّ أو البلديّة تسري فيه بركات هذا الوليّ
الصالح "عمار" ..لم أفكّر يوما و أجتهد لمعرفة حقيقة هذا الشّخص بل و لم
أكلّف نفسي و لو لحظة عابرة عناء فكّ شفرة هذا الاسم المبارك ..اسم يدلّ على عمارة
الأرض و التعمير أي الزيادة في الخيرات و البركات .."سيدي عمّار" حيّ من
أحياء مدينة عنّابة أو "بونة" كما يحلو للكثير تسميتها ..عندما شاءت
الأقدار و أتيت إلى هذا الحيّ أتيته و أنا طالب جامعيّ بعد نجاحي في مسابقة
الالتحاق بتخصص اقتصاد المكتبات ، و قبل أن أسوّي وضعيتي الإداريّة و الالتحاق
بالإقامة الجامعيّة "سيدي عمّار" سأقصّ لكم موقفا طريفا حدث لي ..
في
بادئ الأمر يممت نحو جامعة عنابة و ذلك بمجمّع 19 ماي بمفردي و كان الوقت عصرا
فلفت انتباهي صوت أحد الطلبة و هو يقرأ القرآن بطريقة جميلة خاشعة – مقاطع من سورة
فصلت - ؛ فتتبعت ذلك الصوت الشّجي فقادني مباشرة إلى مسجد الطلبة ..توضأت و دخلت
باحة المسجد و قاعته و أخذت لي مكانا بين جموع الطلبة حيث كانت تقام ندوة فكريّة
..عند الفراغ منها كان الوقت قد تأخّر قليلا فهام فكري في تفكير عميق و شرود طويل
و تهافتت عليّ هواجس جمّة ، و تداعيات كثيرة كأن : أين أبيت الليلة و مع من؟ هل
أتجرّأ و أطلب من إمام مسجد الطلبة السّماح لي المبيت في المسجد أو تدبّر مكان لي
للمبيت فيه ريثما أتدبّر حالي؟ أم هل أتشّع و أطلب ذلك من أحد الطلبة الموجودين
بباحة المسجد؟ أسئلة متسارعة متقطّعة ملأت فكري و إحساسي تبحث لها عن مرفأ أمان...
ثمّ
طفقتُ أدعو الله تعالى و ألحّ في الطّلب
إلى أن لاحتْ في الأفق فكرة عجيبة و هي أن أنظر في وجوه الطلبة الموجودين
فمن أطمأنّ له قلبي و ارتاحت له نفسي قصدته دون تردد ..فجعلتُ أنظر في ملامح
الوجوه و تقاسيمها و أتفرّس و فجأة لاحت في قلبي ملامح الوجه المنشود ..شاب صبيح
الوجه مشرق الجبين غير كثيف اللحية ، تغزو تقاسم محيّاه ابتسامات و إشراقات
..تقدّمت إليه برفق و أدب ثمّ بادرته بالتحيّة و حكيت له وضعيتي بالتفصيل و هو ينصت
إليّ باهتمام و تركيز كبيرين و لا تكاد تفلت كلمة منه إلاّ و تأمّلها ..عندما فرغت
و أنهيت حديثي إليه ابتسم ابتسامة عريضة و كأنّ وجهه البدر ليلة التّمام – قائلا:
ابشرْ أُخيَ طالبا منّي أن أرافقه إلى
غرفة جناح إقامته و كم كانت المفاجأة ..غرفة كبيرة نسبيا تتسع لأكثر من عشرة طالب
وثمّ قام بتعريفي ببقيّة الطلبة القاطنين بالغرفة و كان أغلبهم من مدينة قالمة و
ضواحيها ثمّ اختار لي سريرا ..
كم
كانت فرحتي شديدة و أنا أشعر بالأمان و السلام بين إخوة طيّبين ..وجوههم كالنجوم
في الإشراق قد تفرّغ كلّ واحد منهم للمطالعة و المراجعة و التحصيل العلمي ..بتّ
تلك الليلة كما تبيت العروس في خدرها ليلة زفافها ..إنّها سكينة و برهان يقذفهما
الله في قلب عباده فيهدؤون و يطمئنون و يَأمنون و يُأتمنون... تلكم هي أوّل ليلة
لي في بجامعة عنّابة .
بولمدايس
عبد المالك
الجزائر في 05.08.2021

تعليقات
إرسال تعليق