حبّ الوطن و تجاذبات الفتنة و الأمل في قصيدة الشاعرة التونسية المغتربة منجية مرابط
حبّ الوطن و تجاذبات الفتنة و
الأمل في قصيدة الشاعرة التونسية المغتربة منجية مرابط
الفتنة نائمة و يا ويل من أوقظها ! ..و الشاعرة
تشبّه الفتنة التّي ألمّت بوطنها بجدلية راسخة مفادها: هل النّار هي من أشعلت
الحطب أم أنّ الحطب هو من أشعل النّار؟ جدلية قديمة بيزنطية تقوم على أساس من هي
أسبق الدجاجة أم البيضة ..جدلية بيزنطينية لا تنبني عليها أيّ قضية عملية في حالة
معرفة الإجابة .
هي فكرة قديمة أيضا ذكرها أبو
حامد الغزالي في إحيائه مفاده هو أنه بدل الاهتمام بنوع الأفعى التي اختفت في ثيابك
و جنسها و طولها و مدى خطورتها و معرفة الكثير من التفاصيل علينا أوّلا التخلّص من
الأفعى أثلا لإزالة خطر موت محدق و مؤكد ؛ثمّ بعد ذلك لابأس من الاعتمام بتلك
التفاصيل الثانوية.. فالشاعرة لا يهمّها و الوطن يحترق معرفة المتسبب في إشعال
النيران و إضرامها بل كلّ همّها هو إطفاء نيران الفتنة و عودة الهدوء و الاستقرار
و الشرعية أولا ثمّ بعد ذلك للحديث بقية ..و بلغة شعرية جياشة تؤكد و تقرر بضمير
الغائب المنفصل "هي" تلك الحقيقة أو الجدلية البيزنطية إذ تقول:
" هي تُهمة النّار للحطب
أَأَنتَ أشعلت عود الثّقاب !
.. بل هو من أشعله ..
لنسأل علبة الكبريت !
هي تُهمة النّار للحطب .."
إنّ الاستمرار بتراشق التّهم بين الإخوة الأعداء لا
يزيد الوطن إلا احتراقا على احتراق ، فما أكثر المواقد المشتعلة التي تطبخ
الإشاعات و التهم ، و تقذف برسائل الفتنة و السّلبية و كثير من خبز الأسئلة الموجّهة إلى ضعاف القلوب
و النفوس و العقل ،و تكيد لها كيدا في السرّ و العلن ... و تأمّل أيّها القارئ حال
لسانها و هي توجّه الأنظار إلى تلك المواقد و الأجساد و الأٍرض و القرى ...لتعكس
بألم شديد و حرقة كبيرة تلك المواجع التي صدرتها بالأداة التّوظيفية "ياهْ" التّي عبّرت بها عن عظيم
حيرتها و هي ترى وطنها يحترق و بني وطنها يتجادلون غير آبهين بالنّار التّي تشتدّ و تكبر حتى إذا انتشرت لن
تترك لا يابسا و لا أخضر ...
للمواقد رسائل تعجّ بالأسئلة
للأجسادِ الّتي أدمنت غواية الاحتراق !
للأرض الملقاة على أرصفة الشّتاء
وحيدة ترتعش !
و هاهي توجّه الأنظار ثانية إلى حقيقة الواقع المزري الذي تعيشه القرى
المنكوبة و المتروكة و المهملة ، و كيف أنّ الأمهات و الآباء لم يجدوا رغيف خبز
ليطعموا به صغارهم الجياع ..هؤلاء الولدان الصغار تشبّهم بحملان خراف تحوم حول
حماهم الذئاب ليلا ..لتصوّر بذلك مدى
الخوف الجاثم على قلوب الكبار و الصغار على حدّ سواء جراء الفتنة و الإهمال و
الاهتمام بتوافه الأمور على كبرى القضايا و عظائمها..و تصدير مقاطعها كما سبق
بــ"ياه" مشهد تراجيدي و مأسوي عمّا وصل إليه الوضع ..
"ياهٍ .. من القُرى لا تُرضع صغارها
ليلا خوفاً من الذّئب !"
و تعكس ثانية حبرتها فتقول:
" ياهٍ .. من الشّمس تعضّ بالنّواجذ
على أشّعتها، فالثّلج لصّ محترف ..
الشّمس آية من آيات الله تعالى لا تتخلّف أبدا و لا
تتأثر بأي حدث كان و لكنها من شدّة ما ترى من ويلات و احتراقات و فتنة خافت على
أشعتها و طفقت تعض عليها بالنواجذ و هذا تشبيه بليغ جدا يصوّر تقرحات وطن ينزف
..بل و أصبح الثّلج رمز النماء و الخصب و العطاء لصّا محترفا يسرق المزيد من بسمات
و أحلام و أفراح الأطفال و ها نحن نرى
الطفل البريء يحتمي بريش عصفوره المسجون في قفصه كناية على تعرّضه للبرد القارس و
أنيابه القاطعة إذ لم يجد ما يستتر به و يدفئ به حسده المرهف المرتعش الذي أرصد له
الموت كلّ مرصد .. و قد أدرك المسكين حقائق مؤلمة و هو لم يزل طيرا رهيفا ..أدرك
لعبة الكبار و السّاسة و وعودهم الكاذبة و شعاراتهم الرنّانة و فأدرك أيضا من أشعل
نار الفتنة و لما أشعلها ...و ما عباءة الأمّ هنا إلاّ ذلك الوطن المحترق ..
والطّفل الّذي يحتمي بريش عصفوره
أدرك رهافة الموت !
أدرك كذب الكبار تحت المطر ..
أدرك من أشعل عود الثّقاب
في عباءة أُمّهِ ..!
و في ظلّ هذا الاحتراق المركب المتراكم تستدرك الشاعرة
لتضع نقطة و تبدأ سطرا جديدا فاتحة صفحة
جديدة للأمل المرتقب المنشود المتواري وراء الياسمين المختبئ في شَعره و هذا من باب ذكر الجزء لدلالة على الكلّ و ما
الكلّ هنا إلاّ عقله و نفسه و بدنه كناية على تمكنّ وصية أمّه من روحه و هي محفوظة
هناك و سينشأ على هديها وطنه الذي كان يحلم به و خبّا تفاصيلها في روعه و وجدانه و
ستهيج أزهار الياسمين يوما و تقوم تلك الأرض الموعودة التّي لن يطأ تربها إلا هو بطهارته و براءته و
أحلامه و أرثه ...
و استعملت الفعل المضارع "سينشأ" لتقرّر بأن
المستقبل في نهاية المطاف سيكون من نصيبه و أكدّت ذلك بــ حرف السين التي تفيد
المستقبل و اليقين زيادة في نسبة جرعة الأمل مهما طال الزّمن و امتدّ..
لكنّ الياسمين المختبئ في شَعره
يحفظ وصيّتها ..
سينشأ له أرضاً لن يطأها أحد غيره !!
فإيمان هذا الطفل بمصيره المنشود و إصراره على
العناية بالياسمين و سقايته سيأهله في المستقبل من تحقيق حلمه ، و الاستمتاع بحقّه
المشروع في حياة كريمة سعيدة..
الجزائر في 12.08.2021
بولمدايس عبد المالك

تعليقات
إرسال تعليق