قراءة متأنّية لقصيدة " مناجاة" للشاعرة المغربية نبيلة الوزاني
قراءة متأنيّة لقصيدة " مناجاة" للشاعرة المغربية نبيلة الوزاني
المناجاة تحيل دياجي الليل و عتماته إلى نور كاشف يبصر به العبد
عبوديته الممزوجة بغاية الحب و بغاية الذّل
ليحلّق بعدها بجناحين من طهر قدسي يخترق
بهما حجب الغيب و أستار الملكوت العلويّ فيعبّ من كاسات الرشد اللدنّي غرفات و
غرفات فلا يظمأ بعدها أبدا و إنْ عزّ الماء و غار في باطن الأرض دهورا و آمادا..
لذلك فقد اختارت شاعرتنا
عنوان قصيدتها " مناجاة " لخصوصية تلك اللحظات التي يختلي فيها الشخص
بربّه حيث لا وسيط إلا الدّعاء و الجؤار و الذل و الافتقار و الدّموع و الزّفرات.. لغة خاصة
الخصوص و لعلّ هذا ما جعلها تتخلّى عن التعريف و تكتفي بتنكير عنوانها...
مُناجاة...
ثلاث محطّات أساسية
صدّرت بها شاعرتنا قصيدتها لترصد لنا أحوالها النفسية مع المناجاة و قد استغرقت
كلّ كبيرة و صغيرة منها...
ما بين الهدب و الهدب
ما بين شهيق و زفير
ما بين تلوّن الأيام و اختلاج
المشاعر...
أحوال عظيمة حصلت و حوادث أعظم برزت و مواقف حاسمة أسست و أخرى نًسفت...
ما بين الهدب والهدب
الهدب معروف و هو شعر
أشفار العين و لا توجد مسافات كبيرة بين الهدب و
الهدب ..و الهدب من أجزاء العين عير أنّها أرادت القول أنّ بين بلّ دمعة الهدب و أخرى توجد مسافات للبوح و الإقرار ..و هذا
من باب التعبير بالجزء للدلالة على الكلّ أي العين و لكنّها عبرت بجزء من العين
للدلالة على حيثية أدقّ و أخص و هي الدموع و العبرات.. و بذلك فالشاعرة أرادت القول أنّ بين تناثر دمعة و دمعة تتغيّر أحوال وتحدث
أشياء... و هي حالة الشهود و التفكر و الاتعاظ...
وما بين
كلّ شهيقٍ يملؤني ضوءاً
وزفيرٍ يلفظُ غبارَ العتَم
و ما أجمل توظيفها الدقيق لعمليتي الشهيق و الزفير و إعطائها
لحركتهما أبعادا إيمانية حافلة مدهشة ..فهذا الشهيق و قد انقلب إلى مصدر للضوء يمدّها
بالأنوار الكاشفات الهاجيات..نور معرفة
الله تعالى..نور معرفة حقائق الأشياء و الوجود ..نورمعرفة حقيقة النفس..تور معرفة
حقيقة العبودية..و أنوار لا تعدّ و لا تحصر.. و ماذا عن الزفير ..الذي ارتدى لباس
الطهر و طفق يزيل عن النفس غبار الحُجَب العازلة و أتربة الشهوات المتراكمة و
أدران المعاصي المترسّبة..
وما بينَ
تموّجات ألوان الأيام
واختلاجِ
مشاعر نفسي الوجْله
ونبضٍ يوشوش وتيني
وآخرَ يحتويني
و ها هي شاعرتنا تستحضر
حوادث الماضي و الحاضر و تعاقب الأيام و تلونها بين الشدة و الرخاء و السراء و
الضراء و الفرح و الحزن و المنحة و المحنة..و تقارنها بين مشاعر نفسها الوجلة من
لقاء ربها و كيف تسارعت نبضات قلبها عاكسة حوفها الشديد و قلقها الحرج و اضطرابها
المتصاعد..و في ظلّ هذا الشعور الرالض و الجاثم الذي سدّ آفاق الرءية عليها تتذكر
الله تعالى حبن تقول "تأتي أنت"
فتتغيّر أحوال نفسها و تسكن عواصف وجلها من النقيض إلى النقيض ..
تكونُ أنت
في سناء روحي
تُسبغُ خلجاتي برَوْحك
هنا وهناك
هناك وهنا
أنت تكون
في الشدّة وابتسامِ الزّمن
وحينَ
جبروت الدُّجى
في جنوني وخطئي
وعندَ طاعتي البيضاء
في تقوايَ وخشيتي
سريرتي تهديها
إلى عالم النجاة
...
و يسطع النور في خلجات
نفسها و يتوزع هنا و هناك.. و هناك و هنا كناية على شغله لجميع حيّز كل مكان منها
و فيها ...فتتوضّح الرؤية و تنكشف الحقائق و يعم النور جميع الأرجاء...و تتحولّ
الشدة و القسوة إلى فرح ممتد و ابتسامة دافئة حانية و تهوي عروش جبروت الدياجي
تباعا ...و نراها تقف بين يدي ربّها
معترفة بأخطائها و جنون تصرفاتها
..و تقرّ له سبحانه بخشيتها و طاعتها الخالصة النقيّة و تقواها لعل الله برحمته
الواسعة يأخذ بيدها إلى بر الأمان حيث الهدوء و السلامة و السعادة و الراحة... ثم تختتم هذا المهرجان
الإيماني الحافل باللجوء إلى الدعاء الذي يمصل مخ العبادة و هو النتيجة الطبيعية
لتلك المقدمات و الإرهاصات و الاحتراقات ...
مولاي يا مَلك النّور
أعلم بأن الخطايا
في الذات عمَّتْ
والفقرُ إلى رحمتكَ
طويلُ الأمد
متشاسع الأمل
في عفوكَ
أطمع وأطمع
ولا أملّ
ورحمتك تبقى
تشمل الكونَ
يوم تلتفُّ
السّاقُ بالساقِ
يا مالكَ الغفران
اسكبْ وِرْدَ العفوِ
في وريدي
في هذا المقطع الإيماني بامتياز
تنجلي عبودية المؤمن في أبهى صورها و أروع تجلياتها ...تدعوه بـ"مولاي" حيث
أسقطت يا المنادي دلالة على انتفاء كلّ الوسائط بينها و بين الله تعالى راجية منه
سبحانه أن يمدّ روحها بالنور لأنه هو النور و من يملك النور...و لو قمنا بترتيب
أجزاء دعائها لانكشفت لنا روحها الطاهرة المتوضئة و هذا نزر منها:
-
إقرارها
بالضعف أمام جحافل الخطايا و الذنوب.
-
الافتقار
إلى رحمة الله الواسعة.
-
الثقة
الكبيرة بالله و عفوه و كرمه التي لا يحدها مدى ة لا يحتويها أمل.
-
الطمع
في عفة الله و غفرانه.
-
حتمية
الوقوف يوما بين يدي الله تعالى .
-
طلب
المغفرة من الله و العفو و الرضى.
و قد اقتبست من قرآن الكريم جملة "الساق بالساق"
إشارة إلى يوم المعاد و الوقوق حتما بين يدي الله...
فيا لها من مناجاة حبلى و مثقلة بحبّ الخالق تفيض إيمانا
و افتقارا و ذلا و يقينا و بركة و
توفيقا...
تونس 29/05/2020

تعليقات
إرسال تعليق