منطلقات الفكر الاقتصادي عند مالك بن نبي : المسلم في عالم الاقتصاد أنموذجا

 

 

 

منطلقات الفكر الاقتصادي عند مالك بن نبي

 

المسلم في عالم الاقتصاد أنموذجا

 

 


 

إعداد: بولمدايس عبد المالك

 

 

 

 

                                        لا نقول بأفواهنا إنّ اثنين و اثنين أربعة

ثمّ في التّطبيق نتصرف كأنّما تساوي ثلاثة..

                             مالك بن نبي

 

 

 

 

 

 

                                       قسنطينة 2021

 

 

 

المقدمة:

 

بسم الله و كفى و الصّلاة و السلام على المصطفى و بعد:

                فعلى غير عادة التأليف و أبجديات التصنيف انتهجت الرّسالة في فهم منطلقات الفكر الاقتصادي عند مالك بن نبي رحمه الله تعالى منهجا مغايرا و طريقة جديدة و ذلك من خلال جمع و رصد و ترتيب المصطلحات الاقتصادية و مفاهيمها عند مالك بن نبي  الواردة في كتابة النّفيس الموسوم بـ:""المسلم في عالم الاقتصاد" المنشور عن دار الفكر الدّمشقية – سوريا – بتاريخ 1986 مع قليل من التّصرف غير المخلّ بالمعنى اقتضته ضرورة الكتابة و الحاجة إلى التنظيم لا غير...

و هذه الطريقة الجديدة  تعرّف نفسها بنفسها لتلج بنا إلى فكر رجل ثاقب النّظر، واسع الاطلاع، غزير الثقافة ، مدركا لتطور الحضارات و نمو الأمم، متمسّكا بدينه و قيّمه، متفتحا على أفكار الغير، معتزّا بانتمائه و حاملا لهموم وطنه الكبير الذي لا يعترف بالدود المكانية و الظروف الإنسانية و تعاقب الأزمنة...

و من خلال تتبعنا للمصطلحات المستعملة في كتابه نلحظ بأنه رُعي فيها بثّ روح الثقة  و زرع شعلة التحدّي و إحياء فسائل الخير المكنونة في نفسية الإنسان عموما  و المسلم بصفة أخص و انظر مثلا دلالاته لمصطلحات التخلف و تقسيمه للعوالم  الاقتصادية – العالم النامي-الراكض- المنهار فهو دائما يرجعها لأسباب معروفة سلفا بعكس التقسيمات الغربية  العالم المتخلف و السائر نحو التنمية و غيرها من المصطلحات التي تشعرك بالاحتقار و الإهانة و التصغير و هلمّ جرا..

و في حقيقة الأمر فإننا نعد أنفسنا عيالا أمام فكر مالك بن نبي رحمه الله و إنّما واجب أداء الشكر و العرفان هو الذي حتّم علينا الخوض في بحار منطلقاته فكره المتبصر اليقظ ؛ فإن وُفقت فمن الله تعالى وحده و ذلك ما رجوناه و إن أخطأت     أو قصّرت فمن نفسي و الشيطان و حسبي أنّي حاولت و اجتهدت و أستغفر الله لي     و أسأله ستره و عافيته في الدّنيا و الآخرة...

 

 

   

المصطلحات الاقتصادية الواردة حسب تسلسل ترقيم صفحاتها :

 

01 – المنفعة: "مبدأ تجاري و احتكاري قائم على أساس التّوازن بين الطلب         و العرض"[ص.23].

2 – الحاجة: "مبدأ تجاري و احتكاري قائم على التّوازن بين الإنتاج و الاستهلاك"[ص.23،16]"و تعني من الناحية الاقتصادية الحاجة التي يغطيها المال[من جهة]و الحاجة التي تغطيها إرادة حضارية[من جهة ثانية] "[ص.81].

3 – الزّهد: "حقيقة نفسية خاصة بالمجتمع الشرقي تمتّ بصلة بمفهومي المنفعة الخاصّة بالرأسمالية، و الحاجة الخاصّة بالماركسية" [ص.16].بتصرف.

4 – الزّمن[ص.17]:

4-1- الزّمن المادي.

4-2-الزّمن الميتافيزيقي.

5 - نطاق الأبدية[ص.17].

6 – المعادلة الاجتماعية:

[ تنشأ ]" في الظروف النّفسية و الزّمنية لوسط" [معين بحيث]" لا تعارض عناصره "[أي الوسط] "الشخصيّة السّائدة مع المبدأ الاقتصادي الذي يراد تطبيقه في ذلك الوسط "[ص.18].

7 – المقدرة الاجتماعية : [لا تقوم]" إلاّ على تجربة اجتماعية معينة"[ص18] بمعنى أنها "لا تصدر [فقط]عن ظروف اقتصادية محضة"[ص.18].

8 – الضمير: [و هو عنده] "وعي الطبقات"[ص.19][وفقا للمعادلة التّالية]"العلم+الضمير=الاقتصاد".

9 – الطفرة الإنتاجية: ورد ذكرها دون شرح و بيان في الصفحات 22،29.

10 – الاقتصاد الاستعماري:[يقوم حسبه عند]"مطابقة واقع التكوينات الشخصية للمُستعمِر مع التكوينات الاقتصادية الجديدة للمستعمَر"[ص20] .

11 – الوعي الاقتصادي:"عنصر من عناصر التقدّم و السلام"[ص.35،33] [و من عناصره الأساسية ]"الاستعداد العقلي"و [توفر]"الوسيلة المادية"[ص.29،22] ،

[و من مستلزماته]"التّكوين الشخصي للفرد"[داخل]" الوسط".[ص.22].

12 – الوجهة الاقتصادية :[محاولة]" التخلّص من المعامل الذي يهبط بمقدرة وسائل الإنسان التأثيرية "[ص.23]"بانتقاله غير المشروط من المرحلة النباتية إلى الوضع الإيجابي الفعال"[ص.23].

13- الطفرة الاقتصادية :[أنظر المصطلح رقم09].

14 – نفسية القوّة(عنصر):[و تعني عنده]" محور واشنطن-موسكو" [الذي يمثل]"محور الصناعة"[ص.24].

15 – البقاء(عنصر): [و هو عنده]"محور طنجة-جاكرتا"[الذي يمثل]"محور المواد الأولية"[ص.24].

16- الإتحاد الاقتصادي=الإتحاد الصناعي= "اتحاد يتشكل من أكثر من قومية"[أو هو عبارة عن] " اقتصاد جماعي يوجد الحاجات و الوسائل في عدّة بلاد"[ص.26] .

17 – الاقتصاد الموحّد: [و هو معروف و وردت الإشارة إليه في الصفحات:27،18،10].

18- الإقتصاد الإسلامي: [و هو معروف و وردت الإشارة إليه في الصفحات: 33،29].

19 – الصبيانية الاقتصادية :"اعتقاد إنسان العالم الثالث أو الإنسان المسلم أنّ الاقتصاد"[الجديد]"حجر جديد للفلاسفة يملك أن يجعل الفقر غنى برمشة عين"[بمعنى أوضح]"دواء جديد يشفيهما من كل ّداء"[ص.37،36].

20 – الإقتصادانية =L’Economisme=المعاشية: [عبارة عن]" استبداد أو تغيير جديد لحريّة التّصرّف [و هو من المبادئ] "التّي تلتهم القيّم الأخلاقية                 و المدنية"[ص.37].

21- النّهوض الاقتصادي:"جهد زائد أو تضحيات نبيلة [تحاول] إيجاد أُطر أو ملكات صناعية فنّية ضرورية هنا و هناك"[بهدف]"نهوض اقتصادي ما"[ص.39].  

22 – التّخلف :"نقص في الوسائل على الصعيد الاقتصادي" [من جهة] و سوء الانتفاع بالوسائل[المتاحة من جهة ثانية][ص.39]"[أو هوعبارة ]عن كساد الطاقات الإجتماعية لمجتمع ما[ص.82].

23 – السلطان:

23-1- السلطان الاجتماعي:"منطلق اجتماعي يمثّله الإنسان و الأرض

 و الزّمان"[ص39].

23-2-السلطان المالي:" خضوع خطط التنمية" [في مجتمع ما ]لإلى إرادة المال"[ص.80،39].

24 – الحصر الاقتصادي=L’OBSESSION  [هو]"ألاّ يكون[ للإنسان] "إلاّ سبيلا واحدا للتفتح [و بتعبير آخر هو حتمية]"كونه بشرا اقتصاديا لا غير "HOMOECONOMICUS"[ص.40].

25 – الديناميكا الاقتصادية: "منطلق أو مبدأ يقوم على أساس استثمار المال كوسيلة وحيدة لدفع عجلة الاقتصاد"[ص.42][و تمثل أيضا]"حركة تفاعل بين المنتجين       و المستهلكين"[عن طريق]"عملية التوزيع"[ص.81 بتصرف].

"ومن شروط الديناميكا الاقتصادية:

1- لقمة عيش حقّ لكلّ فم.

2- العمل واجب على كلّ ساعد"[ص.82].

26 – الطاقة الإنتاجية=أنظر المقدرة الإنتاجية[ص.42].

27 – الاجتهاد الاقتصادي: [يتمثّل في] "عدم تعطيل نمو الفكر الاقتصادي في العالم المعاصر بالدّعوة إلى تجميده أو التّشدد في الاعتراض على الاجتهاد الاقتصادي" [ص.44] .

28 - الاقتصاد:[يتمثل في] "تجسيم لحضارة تحددها مجموعة شروط معنوية و مادية تتيح لمجتمع ما أن يقدم جميع الضمانات لكلّ فرد يعيش فيه" [بالاعتماد على التمديد الوظيفي] [ص.63]، [و هو أيضا]"العلاقة السببية بين الإمكان الحضاري و الإرادة الحضارية بحيث يتقهقر عالم الكميات و عالم الأرقام إلى المرتبة الثانية قبل المحرك الحقيقي و المتمثل في الإرادة الحضارة"[ص.64 بتصرّف].

29 – متوسط الدخل الفردي السنوي:" مجرد تعبير عن الإمكان الحضاري أو على الضمانات الاجتماعية بطريقة الأرقام" [ص.64].

30 – عالم الاقتصاد(*):[تعبير عن]"إرادة حضارية تبعث فيه الحركة و الحياة،       و تجعل عالمي الأرقام و الكميات في الرتبة الثانية"[ص.64] "إذ هما[يعدّان] أكثر التصاقا بانطلاق عمليات الإنجاز-الإمكان- و بافتقاد لتلك الإرادة الحضارية        لا يتحقق النجاح المضمون للاقتصاد المنشود"[ص.65].

31 – الطاقات الاجتماعية : [ تتمثل في تعبئة]" الإنسان و التراب و الوقت"[ص.72] "في مشروع ما تحرّكه إرادة حضارية لا تتوقف على حقن مالية أو على عرق معين من البشر"[ص.73 بتصرف]. ؟؟؟

32 – استقلالية العمل: [عبارة عن]"استقلال العمل بصورة مبدئية عن المال "[أوهو عنده ]"التحرر النّهائي للعمل عن سجن المال و عودة الفائدة إلى صاحب العمل لا إلى صاحب سجن المال" [ص.73].

33 – الاستثمار المالي[ص.77،75] .؟؟؟

34 – مبدأ الاستثمار الاجتماعي: "مبدأ" [يقوم]"على الاتكال على الذات [باجتماع] أطراف ثلاثة: الإنسان و التراب و الزمن المتوفر في كلّ أرض"[ص. 75،78].

35 – مبدأ الاستفادة : [عبارة عن]"استغلال تجارب الغير و حسن الاستفادة من المعلومات الفنّية لتلك التجارب و الغير"[ص.78 بتصرف].

------------------------

(*)= و هو جزء من عنوان الكتاب المعتمد في هذه الرسالة.                                                                   

 

 

36 – النهضة الاقتصادية: "هي التي من الإنسان القيمة الاقتصادية الأولى كوسيلة لتحقق به خطة التنمية ، و تجعل منه نقطة تلاقي تلتقي عندها كلّ الخطوط الرئيسية في البرامج المعروضة للإنتاج"[ص.75]  .

37 – الإقلاع الاقتصادي: [عبارة عن] "استيعاب الشروط النفسيّة والتّقنية الضرورية لتحقيق عملية الانطلاق في البلاد التي تعاني كساد طاقتها الاجتماعية"[ص.85،82].

38 – الإنتاج: هو ما يعطى لمجتمع في شكل حق"[ص.89].

39 - الاستهلاك:ما تأخذه من المجتمع في شكل واجب"[ص.89].

40 – المجتمع النّامي :مجتمع تكون معادلته الاقتصادية إيجابية [بزيادة] فائض الإنتاج على الاستهلاك"[ص.90].

41 – المجتمع الراكض: مجتمع تكون معادلته الاقتصادية متعادلة بحيث يستوي فيه طرفا المعادلة الإنتاج و الاستهلاك "[ص.90].

42 – المجتمع المنهار:" مجتمع تكون معادلته الاقتصادية بحيث ترجح فيه كفة الاستهلاك على كفة الإنتاج"[ص.90].

43 – المعادلة الاقتصادية: "تتكون من طرفين اثنين أو معلومين  هما الإنتاج

 و الاستهلاك و ما ينتج منهما من نتائج في حالات التوازن"[ص.90 بتصرف كبير].

44 – القارة الاقتصادية الشمالية:" محور موسكو-واشنطن"[ص.94].

45 – القارة الاقتصادية الجنوبية: "محور طنجة-جاكرتا"[ص.94].

46 – السيطرة الاقتصادية: "طريقة تعويض للسيطرة العسكرية، تخوّل [للمستعمَر القديم ]البقاء في مناطق نفوذه السّابقة ، و بسط نفوذ جديد لا يقابل بالرفض" [و إنّما يحظى] "بالقبول و الرضا و التّعاقد"[ص.101].

47 – الزّحف الاقتصادي: "تكتل أوروبي جديد"[هدفه الزّحف] "على مناطق الحضور الأوروبي" [السابقة لإرساء]"دعائم وجود أوروبي جديد بوسائل الاقتصاد"[ص.102].

 

48 – الاقتصاد التكاملي: " اتجاه اقتصادي يهدف نحو مواجهة ضرورات داخلية

 و خارجية جديدة"[ص.104] .

49 – الاكتفاء الذاتي: "حلقة اقتصادية تستطيع الانغلاق على نفسها إذا ما اقتضت الضرورات الداخلية و الخارجية لذلك"[ص.107].

50- الإمكان الاجتماعي: "مبدأ يقرر مصير الشعوب و المجتمعات والدّول"[ص.76].

بعد الفراغ من تحديد هذه المصطلحات الاقتصادية الدقيقة و الخاصة بقاموس المفكر مالك بن نبي رحمه الله تعالى يمكن لنا ترتيبها ترتيبا ألف بائيا أو تركها على حسب ورودها و إعطاء المجال و الوقت الكافيين لفك شفراتها  و الانطلاق مع مدلولات مفاهيمها لإبراز المنطلقات الفكرية لاقتصاد إسلامي بناء ، ينطلق من مقومات الدين الإسلامي الحنيف دون إغفال روح العصر الذي يحياه بل و يهمن عليه و يزيد أيضا و ذلك قمّة الإبداع و الاجتهاد و الإضافة... هذه ملاحظة عامة أوليّة.

أمّا الملاحظة الثانية فإنّه قد تمّ الإغفال عن بعض المصطلحات وردت في الكتاب ذاته قصدا و ذلك لكثرة شيوعها و انتشارها و تناولها في عالم الاقتصاد..

و الملاحظة الجديرة بالذكر هي قدرة المفكر مالك رحمه الله تعالى على فهم المصطلحات الاقتصادية الوافدة و هضمها هضما علميا دقيقا بل و تطويعها بما يتناسب و الأسس العقدية للأمة الاسلامية و أكثر من ذلك قدرته الفائقة           على الاستنباط و الاجتهاد و التّكييف-التطويع- و تخليق مصطلحات جديدة تستند      إلى المرجعية الدينية التي آمن بها و عمل لها طيلة حياته الحافلة لإلى أن انتقل     إلى الرفيق الأعلى..

و نشرع الآن بحول الله تعالى ثمّ من خلال القراءة المتأنية لكتاب "المسلم في عالم الاقتصاد" و اعتمادا على مفاهيم و مدلولات المصطلحات المثبتة في هذه الرسالة

 في بيان المنطلقات الفكرية الاقتصادية عند مالك بن نبي رحمه الله و هي من الكثرة بمكان:

* الاهتمام بشروط الانطلاق قبل الاهتمام بشروط الاستمرار ،و هو مبدأ تعبّدي عام في العبادة و الفقه و العقيدة في ديننا الحنيف.

* عدم تضييق مجال الاجتهاد الاقتصادي بالوقوع في شراك البدائل المتاحة رأسمالية كانت أو ماركسية بل التحليق فوقهما من خلال ضرورة تحرر الفكر الاقتصادي عامة و الإسلامي خاصة من قيدين اثنين:

1-     حتمية الاختيار بين النظرية الرأسمالية و النظرية الماركسية بالاعتقاد بأنه   لا يوجد بديل ثالث.

2-     عدم التسليم المطلق بكون النشاط الاقتصادي يعتمد فقط و أساسا على المال. 

و الخلاصة المستفادة من هذا المنطلق الفكري هو ضرورة تحديد موقف المسلم بدقة بالنظر إلى طبيعة الأشياء ذاتها و إتاحة الفرصة للفكر من التحليق في عوالم جديدة   و هذه عقلية النّاقد البناء و ليس عقلية المبهور المسلوب.

* الفكر الاقتصادي من حيث الأصل يستند إلى منظومة اجتماعية و نفسية و ثقافية قبل  بعكس النظرية القائلة بأنّ المال هو الأصل الركين و الوحيد في المنظومة الاقتصادية.

و هذه نظرة كلية للاقتصاد الناجح بجعلها للمال آلية من الآليات قد سبقته للوجود منظومة متكاملة جامعة ثلاثية الأبعاد: اجتماعية-نفسية-ثقافية.

* فقدان الصناعة لا يفسّر كلّ شيء في عالم الاقتصاد ؛ فمخطط شاخت مثلا       و المطبق في كلّ من ألمانيا و أندونيسيا خير مثال؛إذ نجده ناجحا في ألمانيا و مخيّبا للآمال في أندونيسيا .

و عليه فالقيمة الحقيقية في نجاح أيّ مشروع اقتصادي إنّما هو الإنسان ذاته.

* الفكرة إذا لم تجد لها خططا عملية تلاشت و ماتت و هذه سنة كونية خالدة        و غالبة.

* ضرورة التّفريق في عالم الاقتصاد بين ما له علاقة مباشرة بالاعتقاد و بما كونه وسيلة فنّية لا علاقة له بالمعتقدات.

و عليه فليس كلّ ما يفد علينا من الغرب مرفوضا جملة و تفصيلا بل على المسلم الواعي غربلته و نخله " فأماّ ما ينفع الناس فيمكث في الأرض و أما الزّبد فيذهب جفاء" و من أصدق من الله قيلا..

* لا يمكن قيام عالم اقتصادي رائد بمعزل عن القيّم الحضارية بمعنى أكثر وضوحا فإنّه لا يمكن نجاح خطة اقتصادية قائمة فقط على لغة الأرقام و الإحصاءات        و الأدوات المادية ما لم تؤخذ بعين الاعتبار قيمة الإنسان ذاته.

* المعارك الاقتصادية في الحقيقة يقوم قطب رحاها على القيّم الأخلاقية و أصل القيم الأخلاقية إنما هو ثقافي؛ فالمعركة ثقافية فكرية قبل أن تكون اقتصادية مادية.

* تصرّف الفرد في المجتمع مقيّد بشروط اجتماعية سبقته إلى الوجود تفرض عليه نوعا من الحتمية بحيث لا يستطيع التخلص منها إلا بعملية تغيير في معادلته الاجتماعية.

فالرأسمالية و المار كيسية ليستا قدرا محتوما على الإنسان المسلم لأنهما فاقدتان لشرط أساسي ليس من اختصاص الاقتصاد و لا داخلا في مجاله ألا و هو الإنسان ذاته.

* النتائج في الحقل الاقتصادي تتحقق على أساس عوامل اجتماعية صرفة تضفى على الأفكار الاقتصادية المطبقة صلاحية أكثر أو أقل تضمن لها الاستمرار من عدمه.

* تنبؤات تحقّقت :

تنبأ مالك بن نبي  رجمه الله تعالى في كتابه "المسلم في عالم الاقتصاد":

-         ظهور التكتلات الكبرى و هيمنتها على الاقتصاد إذ يقول"فالاقتصاد يتطور شيئا فشيئا نحو صور "الاتحاد الاقتصادي" و ما "البول Pool" و هو الاتحاد الذي يشكلّ من أكثر من قومية ،"و الاتحاد الصناعي"إلاّ معالم جوهرية لهذا التّطور نحو اقتصاد جماعي ، يوحّد الحاجات و  الوسائل في عدّة بلاد"[ص.26].

-         أدرك بفكره الثاقب لفكرة"العولمة الاقتصادية" و إن لم يسمّها باسمها و ذلك أثناء شرحه إلى مفهوم السيطرة الاقتصادية [ص.101] ، و للزحف الاقتصادي[ص.102] و هي تعبيرات بالمعنى لمفهوم العولمة الاقتصادية   إذ لا نكاد نلحظ الفرق بين العولمة الاقتصادية حاليا بالمصطلحين الذين أوردهما "السيطرة الاقتصادية"أو "الزحف الاقتصادي".

-         أشار إلى مفهوم اليقظة =la veille   بمفهومها الاقتصادي  معبرا عنه بـمبدأ الاستفادة  و الذي يعني عنده استغلال تجارب الغير و حسن الاستفادة من المعلومات الفنّية لتلك التجارب و الغير"[ص.78 بتصرف].

-         تنبأ بسقوط و شيك و حتمي للمعسكر الشيوعي مستشهدا بانتهاء مجتمع القرامطة في مصر[ص.44]،و قد رأينا بأمّ أعيننا انهيار المجتمع الشيوعي   و بأي شكل و بأيّ سرعة ...

            و بعد فخلاصة أفكار مالك بن نبي رحمه الله تتمثل في ضرورة تحرر الفكر الإنساني و الإسلامي من حتمية النظريتين الاقتصاديتين المهيمنتين - الرأسمالية و المار كيسية – بتفعيل آليات أخرى و تشغيل طاقات اجتماعية جديدة متحررة و واعية يمكنها من مواجهة ظروف  التّخلف و الإنسلاب من جهة و الالتزام بضرورات روح العصر ضمن  الحدود الشّرعية التي ينصّ عليها  كتاب الله   و سنّة رسوله.

إنها دعوة صريحة و جريئة و رائده تطالب الفكر الإسلامي الحديث و المعاصر من ضرورة خوض هذه المعركة  الكبرى و الحاسمة كرجل حرّ قبل بالتّحدي لعالم اقتصادي قائم على أساس المال وحده و تفرض على الإنسان المسلم ضرورة الاعتداد بإرثه و حضارته و حتمية تفعيله باقتحام باب الاجتهاد الاقتصادي و الله من وراء القصد.

 

     

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات