بورتريه عن المبدعة الجزائرية حليمة بريهوم ثلاثية الفنّ و الشّعر و الرّواية
بورتريه عن المبدعة
الجزائرية حليمة بريهوم
ثلاثية الفنّ و الشّعر
و الرّواية
1. النّص عند
حليمة ثلاثيّ الأبعاد .. أشعار حالمة حلملمية ..روايات تبسط أيديها بالليل و النّهار..و ألوان راقصة
كامرأة باليه جميلة القدّ رشيقة الحركة .. فضاءات رحبة تعجّ بالجمال الصّاخب و
السّحر الأخاذ و الفوضى المرتّبة ..من أراد إزاحة الستار عن عوالمها كان عليه
لزاما الانغماس بكله و جزئه في هذا العالم الثلاثيّ الأبعاد .. و ما النّصوص في
عوالمها إلاّ بحار هادرة تقذف بأمواج حروفها الثّائرة عرض ورقات بيضاء لفّ صفحاتها
أكفانٌ من النّسيان المتراكمة .. هي بارعة في ملاحقة الأطياف و أشباح الخيال و
مروّضة بارعة حيث تنقاد لها همسات الخاطر انقيادا لتنهي مأساة و حيرة الحروف
المهاجرة و المترددة في نص شعريّ بديع أو لوحة فنية جميلة أو رواية عميقة راصدة
كاشفة ...
" كلما تمادت أمواج الحروف في عرض النص
امتصت
الورقة دم الكلمات
و ابتلع المداد روح النسيان
لينتصب
القلم منتصرا
فليحيا همس الخاطر
حين يجبر كسور الأطياف
وتنتهي المأساة "
2. الجمال
الفنّي سمة بارزة في ألواح حليمة الفنيّة
و للألوان عوالمها الخاصة في نفسيتها الحلملمية كما يحلو لها التعبير عنها ...هي تبحث لها
عن مرفأ آمن هادئ يأويها و يدّر عليها من فيض حنانه و يقطع حبل تشرّها الذي طال و
تمدد... و بصيغة المتكلم تنسب لها
تلك الألوان المشرّدة لتعلن للوجود و للناس انتماء تلك الألوان المشرّدة إلى
عالمها الخاص ..ربّما شعرت في نفسها بالتقصير إزاءها و التفريط في حقوقها و بأنّ
احتضانها لتلك الألوان سبب تشرّدها فراحت تبحث عن مرافئ جديدة آمنة مستقرة ...
"ألواني مشرّدة
تحتاج مرسما يأويها "
3. و على نهج
أبي حامد الغزالي و ديكاترت تركب متن الشّك و الجدل فتخلق عالما من التساؤلات
المرهقة فتميل تارة مع منْ و كيف و تارة مع لماذا و متى و أين ..
أسئلة حائرة شاردة تبحث عن مرسى لها في عالم مفتوح على كلّ الاحتمالات
... و في زخم الأسئلة الحائرة تمعن في السؤال و تجيب عن سؤال بتساؤل جديد فنراها
تلجأ إلى التأكد من صحة الطريق الذي انتهجته بعد قطعها لمشوار طويل ..تكافح الضعف
بمزيد من الصمود و التحدّي ..تجابه الشكوك بالحقيقة و تبقى نهاية الرحلة تشوبها
تساؤلات أكثر غموض و أسرار .... و ما هذه الزّخّات من الأسئلة الحائرة و تنهداتها
و تأوهاتها إلاّ علامة نبوغ و تميّز و حياة ...
" أرهقتني الأسئلة
تأكد من أننا في الطريق الصحيح
ونحن نواصل سيتأكد التواصل
متى نصل؟"
" أين نذهب؟ ألا ترى أننا نواصل !
لا تسألني.. الطريق طويل.."
"هل هناك منفذ ؟
إنها لحظة عدم
لكن العدم لا زمن له
إذن هو ليس لحظة"
و تبقى الإجابات معلقة على مشجب الغيب ...فهل من مجيب و منقذ ؟ ..
4. شاعرتنا
متيّمة بالكتابة معشوقتها السّرمدية إلى درجة الهلوسة و التناغم و الاتحاد ...و
الكتابة في أبجديتها لحظة فارقة و تستحيل فيها الحروف إلى زبد بحار طامية و وحدها
كلماتها تتحوّل بقدرة قادر و فجأة إلى موج هادر حالم أين يختفي الزبد و العالم
الدنوي و الأشخاص و الزمن و المكان و تبقى هي وحدها تستمتع ببرّ مرفأ النّص الذي
يستمع بحب و توق إلى أصوات روحها العذبة المنطلقة ...
" حين تصيبني لحظة الكتابة
يصبح كل ما قرأته زبدا..
و كلمتي وحدها موج يأخذني
إلى برّ النص لا يسمع إلا لروحي
الحلملمية "
5. حليمة
ابنة الخريف و المساءات الناعسة و الشفق الوردي الحالم تنظرخبرا سارا من وراء تلك
الغيوم المتلبّدة التي جلبتها رياح الشوق الهائجة العاصفة ... قد يكون حبيبا طال
غيابه..و قد تكون رسالة فارقة ..و قد تكون بشرى تعيد للأمل بسمته و نضارته ...
"غيوم تلبدت من ثمان اشهر او اكثر
جلبتها رياح الشوق اكثر "
فقد تعلّمت من سنين
العمر الماضية أشياء كثيرة ، و ما شدة المخاضات التي كابدتها إلى علامات هادية و
نقاط ضوء مشرقة في عتمة مطحنة العمر المجعجعة ...فشدة المخاض ولدت لها تأملا
متبصرا لحقائق الأشياء و أكسبها خبرة كاشفة هادية أكثر فأكثر ...و عبر تقلبات
عسيرة و تلاطمات و استدراجات خاضت تجربتها الحياتية و خاضت غمارها لتولد من رحم
الخريف أقوى عودا و أصلب عزما و أكثر إرادة و تحدّيا ....و هي لا تنكر غرورها و نزوة
شبابها و زهرة حياتها مثلها مثل الشباب الحالم الطامح لكنّها و هي على عتبة فصل
آخر و مدار زمني جديد تجمع غلال تجاربها لتوظفها فيم هو آت ...
" جذبني ذاك التحول الفصلي اكثر
يحمل روائح العمر لتنتشر أكثر
لحظات دافئة من عمر السنين واكثر
شعرت فيها بمخاض الأرض اكثر
اتجهت نحو الشاطئ لأقترب من نفسي أكثر
استدرجتني لغة البحر الصارمة اكثر
وشبق الموج يتلاطم نحوى مرسى الذكرى
اكثر فأكثر
وعرق السماء يتصبب اكثر بكثير من الاكثر
قطرات ندى بللت خد البائسة أكثر
ورحم الطبيعة يتقلص اكثر فأكثر
لينجبني الخريف ... "
6. و كعادة
الأبطال المنتشين الذي لا يبالون بالشدائد و لا يكترثون بالأهوال ترقص رقصة الموت
معلنة استعدادها الكامل لاستقبال هذا الضيف الثقيل المرعب الذي ترتعد لقدومه و
هوله قلوب الأكاسرة و الجبابرة و الملوك ... و عبر حوارية جدّ خاصة تخاطب روحها و
تحدّثها بلغة فصيحة بليغة ...
" لا تتصنّع الصبر ….
يكفيك
جلداً لروحي.
نفسي،
كسرها الصمت
و
جبرها يحتاج ثورة.
جئت
لترفع عنها الحجر.. الآن !
عجبا
.. وقد ماتت سبعون مرة
وراية الاستسلام
في يدها."
لا ندري هل يئست من
الحياة دفعة واحدة و رمت بالنشفة على طريقة الفن النبيل أم بلغت بها الشجاعة درجة
تحدّي الموت الذي أذل أقوى الأقوياء فرعون و نمرود و الدكتاتوريين القدامى و الجدد
و مسحهم عن بكرة أبيهم ..أم هو جنون في لحظة هيستيرية أم هو نرجسية على عادة
"معزة و لو طارت" ...تلكم أسئلة تفرضها لحظة القصيدة نفسها و سياقها و
حيثياتها و حتى مقاطع تشكيلها الحداثي الذي يلجأ إلى تقطيع أوصال القصيدة تماشيا
مع تشتت روح كاتبها و من بعده قارئها ...
7. لكنها لا
تترك القارئ في حيرة من أمره بل تهديه بمبرراتها المنطقية عبر انقيادها لسطوة
الفعل المضارع الجديد المتجدد ...و إليك نزر من رقصة الموت التي رقصتها على أنغام
و إيقاع الدبكة الجزائرية الصحراوية ...
في كل
مرة تعاود النسيان
تنشره
أعراساً في مدافن العشاق
تنتظر
لقاءاً تبوح فيه العيون
في
عالم كفيف لا يرى سوى لساناً عفيفاً
تهزمه
الكلمات.. وبين الأوطان عتاب"
فالعبرة ليست بخصوص
السبب و لكن بعموم اللفط لذا نراها في هذا المقطع الإنساني تنعي إنسانية الإنسان و
توصمه بالانحلال و العري عن مقوّمات الضمير الحيّ و تبكي آخر قطرة حبّ في عالم ألف
عيش المدافن و لغة الدم و النجيع ...
الجزائر في
22.02.2021

تعليقات
إرسال تعليق