سلسلة حلّق بفكرك ...

  

سلسلة حلّق بفكرك ...



بولمدايبس عبد المالك

2021

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

فهرس السلسلة:

 (01) ساعة الحقيقة....

 (02) البؤساء المساكين....

(03) حياة بعدها موت ...

 (04) الأحكام المسبقة سيف ذو حدّين ...

(05) زيارة غير مرغوب بها....

(06) حقيقة الجهل...

(07) بين المعلومات والبيانات

(08) كلمة في الميزان...

(09) مسلسل الهروب...

(10) الكتابة في زمن الرّداءة

(11) الرّداءة في زمن الكتابة...

(12) الحبّ و ما أدراك ما الحبّ ...

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 سلسلة حلّق بفكرك... (01)

ساعة الحقيقة....

لما تأتي ساعة الحقيقة تظهر أخلاق الرجال و تتغير صور عديدة من المشهد....

وعندما تشتد و تكشف عن انيابها بجلب خيولها و حشد أنصارها تصبح المبادئ في تأرجح سريع و حركة أسرع.....

في هذه اللحظة تنتقل ساعة الحقيقة من الواقع المعيش المفروض إلى أغوار النفس البشرية لأولئك الرجال....

فحقيقة النصر و الهزيمة إذن يتحدد مصيرها داخل النفس البشرية نفسها...أي أن النفس هي مصدر النصر أو الهزيمة...

فالكثير قد يخدعك بالتزامه و تفانيه في خدمة المبادئ التي يؤمن بها غير أنه لما تكشّر ضغوط الحقيقة عن انيابها يتبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض من حقيقة النفس.....

ضغط الرزق طوفان جارف و التضييق فيه من أشد الابتلاءات..... ضغط الأهل سيف قاطع لا يقطع الرقاب و إنما يقطع الأكباد....ضغط اللاأمن كابوس مزعج و الاستمرار في عوالمه تشويش للفكر و الرِؤية و الحركة....

ما أكثر اللوبيات الضاغطة حين تأتي ساعة الحقيقة ...

كم من أناس من تغنى بالمبادئ السامية و لما ابتلى في نفسه أو ماله أو أهله أو وظيفته طلقها طلاقا بائنا لا رجعة فيه .....

و كم من الأفواه التي تشدقت بالمبادئ الخالدة و لما هبت عليه رياح الرفاهية و اليسار أدبرت و سخرت من ماضيها .... بل لقد وُجد منهم من قال الآن و فقط بدأت أدرك معنى الحياة و من قبل كنت لاعبا صغيرا و لكن خارج الميدان ....

ساعة الحقيقة سيف ذو حدين . حد اليسر و الرفاه و حد العسر و التضييق ...من ابتلى بأحدهما أو كليهما و صبر يكون قد وضع قدما راسخة في مدارج النجاح و معارج العز    و السؤدد ......

كم من رقاب قطعها هذا السيف العجيب و تهاوت تحت ضرباته بطولات وتحديات ....    و كم من ألسن قُطعت من شدّة حدّة هذا السيف البتار و سكتت إلى الابد ....

عجبا من قوة ساعة الحقيقة حين تهجم إنّ وقعها لشديد .... نسأل الله القوي العزيز العافية  و الثبات عند قدوم البلاء ...

 

 (02) سلسة حلق يفكرك.

البؤساء المساكين

مساكين وبؤساء أولئك الذين يفقدون في كلّ مرّة أصدقاء لهم لأنهم ببساطة لم يحسنوا الحفاظ عليهم و لا الوفاء   لتلك العلاقة القدسية...

في كلّ مرة يؤذونهم بتصرف متهوّر غير مدروس أو بكلمة نابية جارحة.. و في كلّ مرّة يكون ردّ فعل أصدقائهم لزوم الصمت و الاحتراق الداخلي و الانسحاب ببطء مراعاة لحرمة الصداقة و قدسية من نحب...

و لكن للأسف الشديد أولئك البؤساء المساكين من الأصدقاء لا يقدّرون عواقب الأمور      و يمضون في طريقهم غير آبهين و في بعض الأحايين يثخنون جراحات أصدقائهم بمزيد من السلوكات غير المحسوبة... لا أدري هل حقيقة لا يعلمون ما يفعلون أم هم قد تعمّدوا الإيذاء أم أنّ وراء الأمر شيء آخر...فإن كانوا يعلمون فالخطب أعظم و إن كانوا لا يعلمون فصداقتهم على كفّ عفريت و متى يأتي اليوم الذي يتعلمون فيه ...معنى الصداقة في أبهى صوّرها ... أعرف صديقا جامعيا ميسور الحال و صديقه موظف عادي بسيط يعاني من مشاكل مادية صعبة و هو  على علم بذلك بل و الأدهى و الأمر فإن صديقه يشير له في كلّ مرّة بحاجته المادية الحرجة إلى اقتراض مبلغ مالي و لكنّ صديقه الميسور يتجاهل مشاعره و يغلّف كلامه و أحاديثه بكلمات مغرية و معان إيمانية كبيرة و جمل كالياقوت و اللؤلؤ  والزبرجد ..

ما فائدة صديق لا يشعر بحال صديقه، و لا يقدم يدّ له المعونة و لو بداعي المروءة.. مثل هذا الصديق البائس المسكين سيتعرّض لا محالة إلى نزيف عنيف و حادّ  في الصداقة..

و أعرف صديقا آخر حباه الله بعلم غزير لا يترك الفرصة لصديقه للتعبير عن أفكاره       و وجهات نظره...يقاطعه في كلّ مرّة بل و بلغ به حد الاستهتار أن يجرح مشاعر صديقه في لقاءات عامة دون أن يكترث بقدسية الصداقة التي تربطهما ببعض..مثل هذا الصديق البائس المسكين سينال نصيبه حتما من عزوف الأصدقاء لأنه ليس كلّ صديق يملك القدرة على الصبر و التحمّل و التضحية..

و أعرف ثالثا من الأصدقاء يشعرك بالأبوية ليس بمفهومها الإيجابي كلاّ بل بمفهومها السلبي أي من باب السلطة و الاستعلاء و الفوقية ..و ما ذلك إلا لاعتقاده بأنه مثلا أكبر منك سنا أو أكثر منك تجربة و من باب معرفة الفضل لأهل الفضل و السبق و نسي أو تناسى بأنّه قد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر"ففهمناها سليمان " فليس عيبا أن يفهم التلميذ مسألة و يحلّها حلا صحيحا و يعجز معلّمه في فكّ  عقدها... و لكن يبقى سليمان نبي الله تعالى ّو صفيّه  و الهدهد طائرا و من جنوده الأوفياء...

سقت هذه الأمثلة الثلاثة و ما أكثرها لأربط بين الفكرة و تطبيقاتها العملية حتى لا يظن البعض بأن هذا الكلام للاستهلاك و الترف الفكري لا غير..

و عندما وصفت هذا الصنف من الأصدقاء بالبؤساء و المساكين فلأنه ينطبق عليهم تماما..فليس البؤس من طالته الحاجة والعوز و الفاقة، و أظلمت في وجهه الدنيا و ضاقت عليه الأرض بما رحبت..و ليس المسكين من فقد والديه أو أحدهما فعاش و تدرّج في منازل الحرمان الأبوي و الفقر المعنوي من حبّ و حنان و عطف... و لكن الصنف الذي وصفته هو أشدّ بؤسا و مسكنة و غبنا من البائس و المسكين على الحقيقة..

و حري بالصديق العاقل المحب و الوفيّ أن يحافظ على قدسية الصداقة و يعض عليها و لا يدع للشيطان سبيلا و لا لحظوظ النفس طريقا...إن كثيرا من الأصدقاء ممن آثروا الانسحاب ببطيء و هدوء حتى اكتشف أولئك البؤساء المساكين بأنهم أصبحوا بعد فترة من الزمن يعيشون عزلة قاتلة وفراغا رهيبا و غربة قاسية.. ذلك لأنهم تعرضوا لنزيف مروّع للأصدقاء.. و حتى لا نقع في هذا المصير المعتم علينا أن نقدّر الصداقة حقّ قدرها و نحفها بروابط قدسية و نشدّ من أزرها و بهذا فقط ننجو من وصف البؤساء المساكين...


 
سلسلة حلّق بفكرك (03)

حياة بعدها موت ...

أثناء قراءتي لكتاب في التدريب القيادي استوقفتني جملة سلسة بل فكرة بناءة مفادها أنه فرق كبير بين زيادة غرفة في بيت و بناء بيت جديد.....

تحت ظلال هذه الفكرة الوارفة يتضح الخط الفاصل بين المصلحة الخاصة و المصلحة العامة ....

و فيها أيضا يتضح جليا البعد الإنساني في أداء خدمة ما من جهة و الاستعداد للدٌوس على الأنانية المقيتة والذاتية الآسرة في النفس البشرية من جهة ثانية.....

و تحت هذه الفكرة النورانية تندرج معان جليلة و فيوضات ظليلة .....

فأنبياء الله و رسله خير شاهد عمليّ عن هذه الفكرة و من بعدهم يأتي العلماء و العباقرة و كل صاحب عقل كبير و فكر منير...

ما نراه اليوم من نظريات رائدة و أفكار ساحرة و إنجازات عظيمة و فتوحات علمية بديعة كل هذا إنما هو ثمرة لتلك الفكرة أي فكرة البيت و الغرفة ...

و من الغبن الكبيرأن يخرج المرء من هذه الدنيا الفانية كـأنه لم يدخلها يوما .... لا إضافة، لا أثر ، لا ذ كر.... إنه حقّ  لغبن لا يساويه غبن...

و بعد و قد اتضحت الفكرة فماذا أنا و أنت و هو فاعلون .... أننسحب من هذه الحياة و أيدينا خالية الوفاض أم ستكون لنا بصمة تعيد لنا الحياة بعد رحيلنا...أين تمتد أعمارنا من جديد تحفها البركة  و الذكر الجميل.......

طلب يسير لكن دونه عقبات كِؤودة و متاريس منتصبة و أبواب مؤصدة ....فمن يتقدم لنيل شرف الحياة بعد الموت ....؟

لا شك أنه واحد مناو من بيننا...


 
سلسلة حلّق بفكرك (04)

الأحكام المسبقة سيف ذو حدّين ...

الحكم المسبق إن لم يستند إلى وقائع عملية أو إلى براهين دامغة لا اعتبار له في ميزان الحقيقة...و حامل لوائه لا يعدو كونه مخادعا لنفسه ، ضاحكا من عقله . 

الأحكام المسبقة بيانات خام أو مادة أوليّة تحتاج الى انصهار و تكرير لترتقي الى مستوى معلومات حقيقية يمكن اعتمادها في إعطاء حكم نهائي أو اتخاذ قرار ما أو وضع ملامح خطة ناجح أو بديلا مؤقتا وعلى عجل ...

في كثير من الأحيان يكتفي الشخص بإعطاء حكم ما في شخص ما اعتمادا على أحكام مسبقة بثّتها  وسائل إعلام معينة أو أبواق أشخاص مغرضين ، أو وجهات نظر وليدة حسّ عابر أو هاجس خطر على بال....

و من الحكمة التريث في إثبات الأحكام المسبقة ، و وضعها في بوتقة النّقد ، و إعطائها الفرصة الكافية و الوقت المناسب و التأمل العميق المتأني .... 

هذا ما يفرضه العقل الواعي الناضج الذي يريد البناء و التأسيس لا غير...

أعرف مسؤولين كثيرين ظلموا أشخاصا مخلصين أكفاء من خلال حكم سابق دسّه ُشخص كاذب تسربل بأثواب النصيحة و الحرص الشديدين فضحّوا بهم و عزلوهم ....فكانوا  بعد مدّة هم أوّل الضحايا و خسروا مناصبهم العليا و رُتبهم الراقية..ذلك بأنهم

ألغوا عقولهم و عَوّلوا على ادعاءات كاذبة و أحكام مسبقة خاطئة ....

و لنا في العلامة جابر بن حيان رحمه الله عبرة لمن أراد أن يعتبر نظر في الكتب المنشورة في وقته فوجد قراطيس منها كثيرا و نظر الى النظريات المدرجة و التجارب التي يدعي أصحابها بأنهم جربوها قبل أن يخرجوا بنتائج تجاربهم فوجد منها زخما كبيرا، فقرر بعبقرية العالم الخبير و همة الناقد البصير ألا يثبت تجربة أو حكما او نظرية إلا بعد القيام بتجربة في مخبره الّذي أعده خصيصا لذلك، فما أكّدته التّجارب أثبته و قيّده في كتبه و ما لم تأكّده التجربة رماه في سلّة المهملات التاريخية...

و جدير بمن تولى مسؤولية ما أو قيادة عمل معين أن يقتفي أثر هذا العالم الجليل و يضع الاحكام المسبقة موضع التجربة و التمحيص و الاختبار، جاعلا من  الزمن جزء من الحقيقة و العلاج و معتمدا على  الاحكام الصحيحة التي بنيت على وقائع حدثت لا سُمعت أو كُتبت أو هكذا قيلت ...


 
سلسلة حلّق بفكرك (05)

زيارة غير مرغوب بها.....

الزيارات العملية الميدانية طريقة ناجحة في ترسيخ العمل المِؤسساتي بهدف تحسين الإنتاج من جهة و تطوير الذات البشرية أي المورد البشري من جهة ثانية .... و مثل هذه الزيارات الهادفة تحتاج الى تخطيط مسبق أو فنقل إلى خطة عملية واضحة المعالم بينة الأهداف و المراحل، محددة من حيث الزّمن و الهدف و البرنامج..

هذه مقدمة أسوقها بين يدي قصة واقعية كثيرا ما تحدث .....

زار مسؤول رفيع المستوى إحدى مؤسساته الثقافية دون سابق إنذار أو إشعار، لم يراع ظروف المؤسسة ولا نفسية مرؤوسيه و لا جدولا زمنيا أو برنامجا عمليا ..هكذا فجأة قام بزيارة عمل و لم يكن لوحده بل اصطحب معه بعض المسؤولين رفيعي الرُّتب...

لحد هذه اللحظة الأمر يبدو عاديا جدا..

مسؤول تلك المؤسسة الثقافية حين رآه أعدّ ما يستطيع إعداده بهدف توفير جو يليق بمقام هذا المسؤول الرفيع....

و المفاجأة أن هذا المسؤول بدأ و على مرأى من مسؤوليه و مرؤوسيه و حتى رواد تلك المؤسسة الثقافية التي لا يربطهم بها إلا استغلال و استعمال أرصددتها بانتقاد كل ما يصادفه بدءا بحاجب المؤسسة وصولا إلى مدير تلك المؤسسة و كأنه في محاكمة  علنية يترأس جلستها هو شخصيا و كل من أمامه متهمون... بدأ يرفع صوته لم يراع حرمة تلك المؤسسة و لا روادها....

أسئلة بوليسية مباشرة و محرجة ... ألفاظ متدنية غير حضارية ...

تصرفات طائشة غير مدروسة ثم يخرج من تلك المؤسسة غاضبا او هكذا يبدو و لا يعود إليها إلا بعد سنة مضت أو أكثر ...

قارئي العزيز ... ألم تلاحظ معي أن هذا المسؤول أفسد العمل كله و أكثر..

ألم تلاحظ بأن هذه الزيارة سياسية محضة أو قل مسرحية محبكة هدفه منها حاجة في نفس يعقوب.

لا جدول عمل مسبق و لا برنامج محدد و لا أهداف مرجوة.. ...

إني أسوق هذه القصة لأبين من خلال أحداثها و صورها و أشخاصها و عقدها ابتعاد كثير من المسؤولين عن مواصفات المدير الناجح ....

فليس العنف وسيلة للتغير البنّاء ... و ليست المسرحيات أسلوبا حضاريا للنقد  ...

في الغرب مثل هذه الزيارات يخطط لها .... توضع لها خطة مفصلة تحدد فيها الأهداف المرجوة ببرنامج زمني محدد و بأسلوب حضاري بناء يراعى فيه كل أخلاقيات المهنة     و ظروف الزمان و المكان و الإنسان ....

كيف يُطلب من الموظفين ضرورة احترام هذا النوع من المسؤولين ؛ فتكشير الذئب عن أنيابه لا يعني أبدا بأنه يبتسم ...

إن الرضا المظهري الذي يبديه المرؤوسون لمسؤوليهم لا يعني حتما بانهم محل احترام و تقدير في نفوسهم و قلوبهم و لكن للضرورة أحكام وفي المداراة مندوحة ليس إلا....فمتى نرتقي إلى مستوى الفعل الحضاري المنتج...

سلسلة حلّق بفكرك  (06)

حقيقة الجهل... 

لو فكر أحدنا في المثل المشهور والسائر القائل: "يفعل الجهل بصاحبه ما لا يفعل العدوّ بعدوّه" لأدرك ما لا يدركه الآخرون ؟ !..

فما حقيقة الجهل؟

 يخطئ من يعتقد أن الجهل قصور أو ضعف أو انعدام للجانب المعرفي لدى الشخص، فهذا المفهوم لا يعدو  كونه تجني على حقيقة الجهل نفسه.. و يمكن إدراج هذا الفهم  ضمن دائرة حقيقة الأمية منه إلى مفهوم الجهل...

الجهل فكرة أو مجموع أفكار خاطئة لا تستند إلى أصل أصيل و لا إلى ركن ركين اقتنع بها الشخص في لحظة من التيه الفكري أو الشرود العقلي أو تحت طائل العاطفة المتأججة ثمّ راح يلفها أي الأفكار – بأثواب من القداسة و أوجد لها صورا واقعية في حياته النفسية و العقلية و اليومية أيضا... بل و أكبر من ذلك أسس لها مناهج و مدارس و أتبعها بحثا وأدلة في زعمه.. و هو على استعداد للتضحية بأعزّ ما يملك حتى نفسه التي بين جنبيه.. من أجلها ...

و كم من جاهل ارتفعت روحه و لقى مصيره و حتفه  و هو على ما هو عليه..

و بعد، أليس الجهل يفعل بصاحبه ما لا يفعله العدوّ بعدوّه...

العدوّ قد يشفي غليله بإلحاق الهزيمة و الهوان بعدوّه و يترك المهزوم و حاله، أو قد يشبعه هوانا و ذلا ثم ينصرف لتحقيق نصر جديد في معركة أكبر ابتغاء مجد جديد ..

أما الجهل فلا يدع صاحبه حتى يذره جثة هامدة لا حراك فيها.. إذن فشتان شتان بين فعل الجهل و أثر العدو... أو لا يقال في الحكم و الأمثال: "عدوّ عاقل خير من صديق جاهل !..."

و بعد، أليس الجهل من أعدى أعداء الإنسان و أشده هتكا و فتكا به..

ثم إنك إذا ما أردت معالجة الجاهل و مداواته ألزمك ذلك إفراغا ثم إملاء.. و لا شك أن هذه العملية التربوية عملية شاقة متعبة تتطلب مربيا حكيما صبرا أو معلما محنكا خبيرا أو داعية عارفا مجربا أو مفكرا واعيا مسؤولا ....

فالجاهل كالأرض البور  يتطلب إصلاحها تنقية الشوائب و الآفات ثم بعد ذلك غرس ما شئت من أشجار و نباتات كما قال مالك بن نبي رحمه الله تعالى... عندها ستحصد إن شاء الله تعالى ما بذرته من بذور..

و في الختام فقد صدق من قال: "يفعل الجهل بصاحبه ما لا يفعل العدّو بعدوّه"


سلسلة خلّق بفكرك ..(07)

 بين المعلومات و البيانات..

الخلط في تحديد معاني المصطلحات يولّد التشويش العقلي؛ ونتيجة التشويش مجانبة الصواب في إعطاء الأحكام و الدخول في معارك كلامية بيزنطية لا فائدة ترجى منها أو اتخاذ قرارات لا تغني و لا تسمت من جوع ...
و من المصطلحات الأكثر ظلما و هضما مصطلحا:" المعلوماتوالبيانات" !!
ففي كثير من الكتابات المنتشرة في بطون الكتب و المجلات و الجرائد و الحوارات المتنوعة في الإذاعة و التلفزيون يلاحظ القارئ أو المستمع الخلط الكبير بين مفهومي المعلومات و البيانات و لا نكاد نعثر على أيّ وجه من وجوه الاختلاف
و كأن المصطلحين لهما نفسُ المفهوم ....
و الحقيقة و من وجهة نظر مكتبية و إعلامية متخصّصة فكلاهما يشتركان
في الشكل و الصورة و يختلفان في المعنى و الدّلالة ...
فالبيانات من حيث الشكل والنوع تشترك مع المعلومات في كونهما بيانات حرفية و رقمية أو حرفية رقمية أو بيانات هندسية أو بيانات في شكل صور متحركة غير أنهما من حيث المعنى الدلالي و النتائج المترتبة عليهما يختلفان اختلافا بيّنا... فالبيانات هي معلومات خام أي معلومات غير منظمة وفق برامج علميّة معينّة و موضوعات محددة، ولم تخضع أصلا للدراسة و التحليل و التصنيف و الترتيب..
والبيانات أيضا معلومات مجمعة تجميعا فوضويا لا يؤهلنا لإعطاء حكم معين أو اتخاذ قرار محدد في قضية ما؛ بينما المعلومات هي بيانات منظمة وفق برامج علمية دقيقة و قد خضعت للتحليل و الدراسة و تمّ إخراجها بطريقة منطقية و منظمة يمكن اعتمادها في إعطاء أحكام ما أو اتخاذ قرارات مناسبة و حاسمة في مسألة ما ...
فالبيانات مثلا في علم المكتبات و المعلومات هي مجموع المعلومات المستقاة من مصادرها الأولى و الموزعة بين طيّات الوعاء المادي –الكتاب، المجلة، الشريط- ...
و أمّا المعلومات فهي بيانات مادية و موضوعية منظمة و مثبتة في بطاقة وصفية فنية وفق قواعد الفهرسة الوصفية و الموضوعية المتواضع عليها...
و مجموع هذه البطاقات الوصفية يشكّل نوعا من أنواع الفهارس (فهرس العناوين، فهرس الموضوعات، فهرس المؤلفين ...) مهيئا للاستفادة من معلوماته للوصول إلى الكتاب

المنشود في أسرع وقت و أقل جهد ممكنين ...
و البيانات مثلا في مؤسسة اقتصادية هي مجموع المعلومات المنتقاة
من السوق و استبيانات المستهلكين و حاجياتهم و قوة نفوذ المنتجين الآخرين و ورواج المنتجات و البضاعة المسوقة و قوانين الطلب و العرض و مختلف الآليات المتحكمة في قطاع السوق...
و أمّا المعلومات فتتمثل في الدراسة الواعية للجهاز الإداري المسيّر لذلك الكم الهائل للبيانات المستقاة ، و اتخاذ القرار المناسب و في اللحظة المناسبة لدخول السوق أو عدم الدّخول أو الدفع بمنتوج معين قصد تسويقه وجني الأرباح الطائلة من ورائه أو تأجيله إن تطلّبت ظروف السوق ذلك ...
و من خلال هذين المثاليين السابقين و على ضوء المقدمات السالفة الذكر يتضح جليّا الفرق الواسع بين المعلومات و البيانات و حجم الخلط بينهما و عواقب النتائج المترتبة على تلك الأحكام الخاطئة.(سلسلة حلّق بفكرك   

(06) الشيئية في القرآن الكريم

و مصطلح " الشيئية " ببساطة ينحصر بين آيتيْن كريمتيْن عظيمتيْن و هما قول الله تعالى: " ليس كمثله شيء و هو السّميع العليم " [الشورى-11-] و قوله تعالى:" ولقد صرفنا في هذا القرآن من كلّ مثل و كان الإنسان أكثر شيء جدلا " [الكهف-53-]...

وقد ذكر لفظ " الشيء "في القرآن الكريم 202 مرّة على اختلاف صِيّغ تركيباتها و أحوال إعرابها رفعا و نصبا وجرّا، ولم تأت بصيغة الجمع إلا أربع مرات ، نوردها على الترتيب:

1." ولا تسألوا عن أشياءٍ إِن تبدُ لكم تسؤْكم "[المائدة-101-]

2." فأوفوا الكيْل و الميزان و لا تبخسوا الناس أشياءهم "[الأعراف- 85-]

3." و لا تبخسوا الناس أشياءهم و لا تعثوا في الأرض مفسدين "[هود-85-]

4." و لا تبخسوا الناس أشياءهم "[الشعراء-183-]

و كلّ هذه الآيات الكريمة مكّية النزول ما عدا الآية الأولى فهي مدنية النزول...

وبتتبع آيات القرآن الكريم التي ورد فيها ذكر" الشّيء "يتأكد للقارئ أصلا عظيما من أصول التوحيد ، و الذي مفاده أن لا طمع من إدراك صفات الله و أسمائه ، و لا يسع الحليم إلا التسليم و الإيمان بها كما جاءت في الشرع بلا تكييف و لا تمثيل ولا تشبيه ؛ ذلك أن الشيء في القرآن الكريم خصيصة لازمة بالمحدثات التي يعتريها النقص ، و يطالها التغيير وتنتقل من حال إلى حال ، و مثل هذه الصفات لا تليق إلا بالمخلوقات إذ أن ثبوت صفات الكمال لله الكبير المتعال يستلزم نفي اتصاف الله تعالى بأضدادها كما يقرر علماء التوحيد والعقائد...

لا شيء يشبه ذاته و صفاته سبحانه عن إفك ذا البهتان

وهذا بيان ما أجمل:

بداية نورد نزْرا من آيات الله تعالى على غير ترتيب تبرز بوضوح مصطلح" الشيئية "نجعلها مقدمة لما يراد بيانه:

" إن الله على كلّ شيء قدير " (البقرة:20 )

" إن الله على كلّ شيء شهيد " (البقرة:29 )

" و كان الله على كلّ شيء مقيتا " (النساء:33 )، (الحج: 17 )

" إن الله على كلّ شيء حسيب " (النساء 86 )

" و كان الله بكلّ شيء محيطا " (النساء: 126 )

" و هو على كلّ شيء وكيل " ( الأنعام: 102 )

" و هو رب كلّ شيء " (الأنعام: 164 )

" و رحمتي وسعت كلّ شيء " (الأعراف : 156 )

" و لا تضرونه شيئا إن ربي على كلّ شيء حفيظ " (هود: 57 )، (سبأ: 21 )

" و كلّ شيء عنده بمقدار " (الرعد: 13 )

" و كان الله على كلّ شيء مقتدرا " (الكهف : 23 )

" لا إله إلا هو كلّ شيء هالك إلا وجهه " (القصص: 88 )

" و كان الله على كلّ شيء رقيبا " (الأحزاب: 52 )

" إنه بكلّ شيء بصير " (الملك: 19 )

" و ما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات و لا في الأرض " (فاطر: 44 )

" و كلّ شيء أحصيناه في إمام مبين " (يسن: 12)

" فسبحان الذي بيده ملكوت كلّ شيء و إليه ترجعون " (يسن: 36 )

" و من كلّ شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون " (الذاريات : 51 )

" أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون " (الطور: 35 )

" إنا كلّ شيء خلقناه بقدر " (القمر: 49 )

" و كلّ شيء فعلوه في الزبر " (القمر: 52 )

" إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكلّ شيء قدرا " (الطلاق: 03)

" و كلّ شيء أحصيناه كتابا " (النبأ: 29 )

" و أحاط بما لديهم و أحصى كلّ شيء عددا " (الجن: 28 )

 

من خلال القراءة الأولى و المتأنية لهذه الكوكبة المباركة من الآيات البيّنات تتراءى أمامنا حقائق ضخمة ، مقتحمة ساحات النفس البشرية ، قارعة آفاق عقل الإنسان المستنير و محلقة به في رحاب روحه الشاسعة...

إنها حقائق يمكن تصنيفها و تقسيمها على هذا النحو:

1- القسم الأكبر: آيات يدور رحاها حول اسمين جليلين حسنيين هما العليم و القدير

أو المقتدر...

2-القسم الثاني: آيات تنحصر و تتوزّع بين أسماء الله الحسنى التالية:البصير، المحيط، المقيت، الحسيب، الحفيظ، الوكيل، السميع، الرقيب...

3-القسم الثالث: آيات تناولت ثبوت صفات الكمال لله تعالى من جهة، و نفي أضداد صفات الكمال عن الله تعالى من جهة ثانية.

-القسم الرابع: آيات كلّها تنزيه مطلق لله الواحد الأمجد.

5-القسم الأخير: آيات تثبت أن الشيء في القرآن الكريم هو المحدَث أو المخلوق بغض النظر عن حقيقته و ماهيته و جنسه و نوعه و صفاته، و اتصاف هذا " الشيء " بأضداد صفات الكمال من نقص و ضعف و عجز و هوى و تغير و ظلم و فقر...

و أغلب الآيات التي عنيت بتبيان هذا القسم وردت غير مقرونة بإسم من أسماء الله تعالى أو بصفة من صفاته الجليلة...

و الجدير بالذكر أن هذه الأسماء الحسنى إنّما هي أسماء مشتقة من صفات الكمال

و الجلال، و معظمها من قبل صفات الذاّت المقدسة كالعلم و القدرة و البصر فليلاحظ هذا...

و هذا جدول إحصائي لورود بعض أسماء الله الحسنى مقرونة بلفظة الشيء:

 

القدير

35

الوكيل

03

العليم

20

الحفيظ

02

الشهيد

09

المقتدر

01

المقيت

01

الرقيب

01

الحسيب

01

البصير

01

المحيط

02

المجموع

76مرة

( جدول مرتب حسب ظهور اسم الله في القرآن الكريم )

 

و اعتمادا على:

1. التقسيم الخماسي السابق؛

2. الجدول الإحصائي؛

3. معاني هذه الأسماء الحسنى كما وردت في مظانها*.

فإنه يمكن الخروج بنتيجة عظيمة و بتصنيف بديع قديم لكلّ الآيات التي وردت فيها لفظة " الشيء "مقرونة باسم من أسماء الله الحسنى أو بصفة من صفات الذات العليّة

و صفات الفعل ألا وهي:

01-آيات تثبت صفات الله الواحد المتعال...

02-آيات تنفي أضداد صفات الكمال و الجلال عن الله تعالى و هي النقائص.

03-آيات تنزه الله عن التمثيل و التشبيه و التكييف.

و بعد فهذه إطلالة مختصرة عن بديع ما في القرآن الكريم من كنوز و أسرار تعضد ما ذهب إليه جمهور السنة من علمائنا الأكارم ، و تنحو نحوهم و تقتفي أثرهم في توحيد الألوهية و الربوبية و توحيد الصفات و الأسماء...و بالله التّوفيق

اللهم أنفع بهذه الوريقات صاحبها و كلّ من قرأها وفقهها...

"  و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون "

 

.................................................. .........................

*أنظر مثلا:-1-تفسير السعدي الموسوم بـ"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان.ط.1.[بيروت:دار ابن حزم، 2003. - ص.901-904.].

-2-الثمرات الذكية في العقائد/أحمد فريد.[الجزائر:دار مالك، 1417هـ . - .ص.2/2.04.أو ص.75-78 ]

 سلسلة حلق بفكر (07)

·       عندما تتحدث العبرات...

لغة الّدموع عجيبة من عجائب خلق الله ، و سرّ من أسراره أودعه في روح

من أحسن خلقه ثمّ هدى...

الدّموع آية تنمّ عن حقيقة صاحبها ، و هي أثر يدلّ على الهيئة النفسية الباطنية للإنسان.....

الدّموع كالزئبق لا يستطيع المرء أن يتحكم فيها ، فإن شاءت فاضت ، و إن شاءت انحصرت....

و الدّموع بعد ذلك مراتب....

و أعلى هذه المراتب و أجلها دمعة سقطت من خشية الله تعالى لحظة تأمل أو فكر

أو ذكر، أو موعظة أو حبّ...و أقل هذه الدّمعة رأس ذبابة ....

إنّها دمعة يحبّها الله تعالى بل هي نور يقذفه الله تعالى في روع أحبائه فترى هالاته عبر سراديب الذّات البشرية ، فتشع و تزهر و تخرج ثمارها بإذن الله تعالى دمعة حانية حارّة ، حبلى بالحبّ و الرّجاء و الخوف و الشّوق....

إنّها دمعة أولياء الله تعالى لا ينقطع نورها حتى يرث الله الأرض و من عليها ....

و لنا في قصص الأنبياء و الصالحين شفاء العليل ... و لنا في رسول الله تعالى خاصة برد اليقين و قوة الدّليل إذ كان يُسمع لبكائه أزيزا كأزيز المرجل ...و يلي هذه الدّمعة النّورانية دمعتين صادقتين لا ينفكّ عنهما إنسان ، ذو كبدرطب ...

دمعة حزن و دمعة فرح ....

دمعة حزن سقطت من مصاب جلل ألمّ بساحات القلب ....

إنها دمعة صدق ذرفت فأصابت عصفورين في آن واحد ... عجبا من فعلها ... فهي برهان

عن استحكام العلاقة و أنّ الأرواح جنود مجنّدة تعارفت فتآلفت ...

و هي ثانيا متسع و ملاذ تلجأ إليه الرّوح الحزينة الكئيبة خوفا من الوقوع فيما فيه بأس شديد من كبت أو ضرر يصيب البدن و الرّوح ....

و لسنا أقوى عودا من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، و لا أجلد نفسا من حبيب الله تعالى حين وافى الأجل ابنه وفلذة كبده ... فإذا الدّموع تنهل و تنصبّ و تردّد كلماته الضاربة آباد النفس البشرية ... '' إنّ العين لتدمع ، و إنّ القلب ليحزن و لا نقول إلا ما يرضي ربّنا ... إنّا لله و إنّا إليه راجعون ..

شكوت و ما الشكوى بعادة لي  ...  و لكن الكأس تفيض حين امتلائها

و دمعة فرح غمرت أسرار الرّوح فكانت كالمزنة التي أطلت من بعد سنين عجاف ... عجبا لسحرها و قديما تعجبت عائشة ر ضي الله تعالى منها و من فعلها حين رأت أباها الصدّيق يبكي لاختيار الله تعالى له كثاني اثنين...

و كم من أمّ هطلت دموعها للقاء عزيز ... و كم من صديق عبرت عيناه لرؤية حبيب.. و كم من رجل دمعت عيونه لربح كبير لم يتوقّعه...

و من الدموع دمعة خوف هجمت في لحظة ضعف أحاطت بالنّفس من كلّ حدب وصوب ... دمعة هي للشجاعة أحوج ،و رحاب الأمل أدعى..

دمعة تسدّ على النّفس آفاقا و تغرس فيها رماح الكآبة و النّكد فتضيق على النّفس الأرض بما رحُبت و تنسى في لحظات الضعف المشين حصون القوّة و قلاع العزّة و أنوار الرّجاء...

إنها دمعة سالت لقدوم هوْل جارف صادف قلبا خاليا فتمكّن و فعل فيه أفاعيله ...

و حريّ بالنفس المؤمنة المطمئنة أن تحبّس هذه الدمعة ، و تسجنها في أوعية

التّوكل على الله تعالى و آبار حسن الثّقة بقضائه و قدره...

إن مثل هذه الدّمعة مثل المعول يعمل فسادا في البناء الضخم المتراص و ذوو الّنفوس الكبيرة منها في حذر...

و لهذه الدّمعة مع ماضيها شجون إذا حلّت بصاحبها ... ومن جنس هذه الدّمعة السّالفة دمعة هجمت من شرّ هول قادم أو مستقبل متوقع ...

إنّها الوجه الآخر لدموع الخوف ، و إذا ما سقطت الرّوح في شراكهما كن الضرر أكيدا و الموت شنيعا ...

و سادس هذه الدّموع دمعة المحاكاة ... دمعت عين الحبيب ، فدمعت عيون الأحبة لدموع الحبيب ...

إنّها دمعة خطّ نورها صحابة رسول الله صلّى الله عليه و سلّم ... بكى الحبيب مرّة فبكى الصحابة لبكائه ...

ليس لهذه الدّمعة تفسير إلا اتحاد أرواح الأحبة و توافقها و تناغمها ...

و أقلّ الدّموع شأنا و أحطها مرتبة بل دركة ثلاثة دموع ... دمعة مداهنة ... و دمعة تمثيل ... و أخيرا دمعة نفاق ...

أمّا دمعة النفاق فلا خير فيها و لا خير في صاحبها ... مقطوعة البركة، قصيرة الشأو ... سقطت من رحم عين نتنة ميتة لا حراك فيها ... أراد صاحبها تحقيق مصلحة ضيقة أو مأرب زائل غير شريف ...

و أما دمعة المداهنة فهي دمعة تضرّ من أُريقت لأجله و لا تنفع صاحبها ...

إنّها دمعة توحي بالحبّ و الحرص و الصّدق فقط ... إنّما و هم و توهم إن كانت حقيقة موجودة مرئية ...

و أمّا دمعة التمثيل ففي الأفلام الدرامية التراجيدية الشيء الكثير منها ... إنّها دمعة بلاستيكية مصنعة بماركات عالمية ... و بعد فهده الدّموع و لا تزال أخرى ... و تلك النّفوس فما توافق منها نفع و ما تناكر منها أضرّ و لله الأمر من قبل و من بعد ...

 

سلسلة حلّق بفكرك (08)

 كلمة في الميزان...

كثر اللغط في أحاديثنا ,,, و أكثر كتاباتنا و أصبح مُودة هذا العصر بامتياز ..

فعندما تفتح الفايسبوك مثلا يكاد يغمى عليك من تفاهة ما ينشر إلا قليل القليل

وكل يدعي وصلا بليلى === و ليلى لا تقر لهم بذلك

و العجب العجاب أن البعض نصب نفسه منظرا كبيرا للدعوة و آخر للفن و ثالثا للأدب و رابعا للشعر و هو لا يكاد يفرق بين حرفي الضاد و الظاء و يتعلل بالأخطاء المطبعية و صدق فيه المثل رب عذر أقبح من ذنب .

الفايسبوك مثلا يرتاده حتى جبناء القوم ممن يخافون من المواجهة و يختفون وراء ستر كثيفة و تراهم فرسانا متكلمين لا يشق لهم غبار و في أرض الواقع لا يستطيعون تأليف جملة واحدة من فرط جبنهم و هوانهم بين الناس . و ترى آخرين ينظرون للدعوة و يتجرؤون على أكل لحوم العلماء و الدعاة و المفكرين حتى يخيل لك أنك أمام جهبذ من جهابذة العلماء و هذا من قلة الأدب و سوء التربية اذ كيف يطلق لنفسه العنان فيصف من أفنوا ربيع أعمارهم و لا يزالون في سبيل العلم بالجاهلين و الوقحين أو بالذين يهرفون بما لا يعرفون أو بالذين يخرفون و أوصاف أخرى خسيسة يندى جبين الحر من ذكرها و ما بهم من علة إلا سقم في العقل و خبل فيه و اضطراب في النفس

و كم من عائب قولا صيحا و آفته من الفهم السقيم

و تجد صنفا آخر قد سن سيف لسانه السليط و أعيى وداد قلمه فتراه يتحدث في كا شيء و يزعم أن ذلك من ثقافته الواسعة و اطلاعه الكبير :أليس الثقافة الأخذ من كل علم من طرف منه و هذا قد حاز أطراف العلوم كلها , فإذا تحدث عن السياسة أسكت بصوته المجلجل أساطين هذا العلم و قادته, و إذا ما عرج إلى علم الاجتماع أخرس ابن خلدون في قبره و عد و لا فخر أبو العمران البشري لا شيء يذكر أمامه ... و اذا ما تحدث في الفن بدا لك ذلك البطل الأسطوري الذي لا يموت ة لا يشيخ و لا يهرم بالرغم من سقوطه تارة من شاهق أم جسر أو تعرضه لوابل من الطلقات ... و هكذا ففي أي وجهة نحوت به وجدت الخبير و الفيلسوف الآمر و الناهي ..

أما آن لنا أن نضع أنفسنا في الحيز الطبيعي الذي يسعها ... أما آن لنا أن نجعل ما لفلان لفلان و ما لعلان لعلان و نحذف بسلوكنا هذا الحضاري , و تصرفنا النبيل ثلاثة أرباع أو أكثر من لغطنا الفارغ الذي لا يسمن و لا يغني من جوع ...

نصيحة أتوجه بها لنفسي و لكل قارئ يحترم نفسه و علمه و أدبه و تاريخه و وطنه و الناس أجمعين ...

 

سلسلة حلّق بفكرك (09)

 مسلسل الهروب...

في وطني الأخضر و وسط صخب عابث وسحابة غبار عابرة يمشي السّلام مشيته العرجاء ، طارقا أبواب مدينتنا ضحى... فتلاحقه لعنات الكبار و الشيوخ و العجائز ..  و يصدّ بدنَه النّحيف  المرتعش أحجارُ الأطفال و الرّعاع و السّدّج و المشرّدين ..

ينظر من طرف خفيّ. .ثمّ يمتطي بساطا من الريح .. يكلّم الأشجار و الجدران ..يعانق حبّات الرّمل الباكية ، و يقبّل نسمات الهواء المخنوقة... و ها هو المسكين ينام في مرابض الكلاب المسعورة  و القطط المتشّردة.. ثم يصرخ و يصرخ في وجه طوفان جارف قد غمرت سيوله مفاتيح مدينتنا الخضراء التي استحالت إلى  حمراء ... سيله الجارف العاتي يغتال أوراقا صفراء آمنة و أخرى خضراء مسالمة ،و يحاصر أنقاض الأمل النازح الرابض في سراديب مظلمة من الإسمنت المسلّح المشبّع بأشعة ما فوق الحمراء ...وحين  يستيقظ أهل المدينة ظهرا يُقطّع نياط قلوبهم هديرُ المياه المنتفضة ، و صرخات المتاحف المتعبة و عويل العمارات المتهاوية و أطنان من أرشيف الذاكرة الهاربة ...و آهات القبور الغارقة في نومها العميق...و فجأة تنطلق صفارات الإنذار الشاحبة ليبدأ مسلسل الهروب نحو اللاّمكان و اللازمان...و تنطفأ مصابيح مدينتنا و يدخل السلام و أهله في ظلمات مطبقة لا صباحات لها...

سلسلة حلّق بفكرك (11)

 الرّداءة في زمن الكتابة...

سبق لي و أن كتبت خاطرة بعنوان الكتابة في زمن الرّداءة فماذا عن الرداءة في زمن الكتابة ؟ إن ممّا تعلمّته منذ صغري أنّ الأشياء تتمايز بأضدادها، بل ففي ميراثنا الفقهي الأصولي ضابط موسوم بدليل الخطاب أو دليل المخالفة .. فقوله تعالى : "وكان يوما على الكافرين عسيرا" دلّ من طريق المخالفة بأنه سيكون يوما على المؤمنين يسيرا.

الرّداءة في زمن الكتابة أن تتجرد من كل معنى أصيل, و خلق رصين و فكر منير...أن تذوب في الآخر ... وليس أي آخر.؟

الرداءة في زمن الكتابة أن تقول للمسيء يا محسنا ؟

أن تبيع حروفك و كلماتك و مروءتك و أخلاقك في سوق النّخاسة السياسية ... و بثمن بخس دراهم معدودات...

الرّداءة في زمن الكتابة أن تزيّف الباطل و أفعال الباطل بألفاظ قوية و أجراس رنانة و معان مصطنعات تليق بجلالة من بعْت له نفسك...

الرّداءة في زمن الكتابة أنه إذا قال الصنم :أنا يقول الإتباع :لبيك و سعديك .. الفكر أفيون الشعوب و مدمّر للإبداع و الطاقات... بل إن الرداءة يفكر الصنم بدلك فأشغل نفسك بطاعة الصنم و ارض بما حكم القضاء...

الرّداءة في زمن الكتابة أن تتبرأ القصائد من حولها وقوتها و تسلْم قيادتها و زمام أمورها لولي أمرها صاحب الجلالة المبجّل "الصنم "...

الرّداءة في زمن الكتابة أن تصنع من اللاشيء أسطورة يطوف بكعبتها الفاسدون و المادحون و المزمّرون و المطبلون تحيتهم فيها يحيى الصنم و آخر دعواهم فيها يحيى الصنم...

الرّداءة في زمن الكتابة أن تبيع آخر ما تبقى من أشلاء الأمل لحضرة الصنم؛ ليتم تحطينها و وضعها في متحف الرداءة الذي موّله و بناه و استفتحه فضيلة الصنم...

الرّداءة في زمن الكتابة هي الرّداءة في كل شيء أّنى اتجهت و تيممت رأيت أبواقا تزمّر و طبولا تقُرع و رايات تعلق كلها من صنع الصنم وكلّها تعلى الصنم ... فالرداءة منه و إليه...

سلسلة حلّق فكرك (10)

الكتابة في زمن الرّداءة

الكتابة في زمن الرّداء ة متعبة حقّا و مكلفة ... هي كالنار الملتهبة ، الشديدة السعار التي تأكل أعصابك ، و بقايا أفكارك أو قل هي اعصار مدمّر لا يُبقي و لا يدر...فالذين تكتب لهم لا يفهمون لغتك و لا تهمّهم أطروحات أفكارك بل لا يؤمنون حتى بالحروف و الكلمات التي وظّفتها في كتاباتك و بعض أساليبك... أنت تكتبُ لنفسك ليس إلاّ ، و تجتهد لإقناع نفسك بأنّك تكتب و لا تنتظر أو تتوقع ردة فعل أو استجابة فطرية أو عكسية من أناس كالأصنام لا تؤثّر فيهم أعاصير الفكر الهائجة و لا سيول الدموع المنصبّة ، ولا براكين الدم القانية ، و لا صرخات المعذّبين فوق الأرض و تحت الأرض ... لغة زمن الرّداءة الوحيدة هي ضمير المتكلم "أنا"...

كم مرّة يتعثّر القلم و هو في أوجّ عطائه و في بدايات ربيعه لتنقلب الكلمات و الحروف مآثم حزن و كآبة و ترى الأفكار تموت عند أوّل شهقة هواء....

حالة نفسيّة قاسية، مرعبة و محبطة تُقحم الكاتب عنوة للدخول في براثنها القاتلة لتطحنه طحنا و تأتي على آخر أنفاس الأمل ...أمل الإنسانية الذي يمثّله الفكر الحر و الكتابة المنطلقة...

زمن الرداءة يلزمك بأن تسلك طريقا واحدا لا ثاني له ، يعيّنه في بداية الانطلاق و يشيد على جنباته أسوار من الإغراء و أخرى من التخويف، و لا يترك لك فرصة اختيار سبيلا آخر ...زمن الرّداءة ينظر إلى كتابتك كألواح إشهار تزيّن واجهات مصالحة الخاصة ...زمن الرّداءة قناعته الرّاسخة أن كلّ شيء يباع و يشترى: الحروف والكلمات و الأفكار و الأشخاص و الأنفاس و البسمات ...

زمن الرداءة هذا تجرّد من كلّ مشاعر الإنسانية من حبّ و حنان و رحمة و عطف.. تلك مصطلحات ميّتة في بنود دساتيره و في فصول أعرافه... و لا يستعملها إلاّ الضعفاء و الجبناء و التافهين و المهمّشين... قواعد اللعبة عنده هي نفس قواعد قوانين الغاب... زمن الرداءة يجبرك على اختيار الكلمات و عدد الحروف و السطور و أنواع الخطوط .. زمن الرداءة يدفعك دفعا عنيفا لقتل المعاني و هي في مهادها ... مدح مطلق أو موت محتّم.. معادلته في الاستمرار أمّا ضيق الرزق و لعبة القط و الفأر ففنّ يتقنه جيّدا زمن الرداءة...

قسنطينة في 16. 04. 2014

          سلسلة حلّق بفكرك (12)

بين سطوة العقل و هفوة القلب...

 للعقل أحكامه و لا يسع القلب إلا الاذعان و الا تباع له ..فلما يحاول البعض حشر قلبه في مكان لا يسعه بل و يرفضه...أوهام القلوب كأحلام العقول و لكن ضغوط القلب و كثرة دواعيه قد تقتل صاحبه و قد يجن و قد يتوهم بأنه ربما تصلح الأمور و لكن هيهات هيهات فالعقل مجرد من العاطفة و هو غير مستعد لمغامرات قد تفسد حياته و حياة من هم في بيضته....فما لبعض العقول تحاول عبثا ....أما آن لها أن ترتاح و تريح....

من احتراق النار و توهجها ينتج الذهب الخالص و تذوب المعادن المزيفة...وحدها النار الملتهبة من تعطيك الجواب اليقين...من يخشى دخول النار فلن يكون ذهبا أبدا. هو يحلم و فقط...و الأحلام الوردية لعب الأطفال الأبرياء...

و اتوا الحبّ من أبوابه ...فبيوتنا لا نوافد لها...للعلم فلا سراديب لها أيضا..

سلسلة حلّق بفكرك (12)

الحبّ و ما أدراك ما الحبّ ...

بعض الأصدقاء يلومونني عن إكثاري من الكتابة في موضوع "الحب" و مفرداته الكثيرة بطرق مختلفة و أساليب متعددة ز أجناس أدبية متنوّعة و كأنّني قد ولجت إلى المنطقة الحمراء المحرّمة ..و ما أدركوا بأنّ الحب كمفهوم إنسانيّ كبير يعدّ أكسير الحياة ، وروحها و حلاوتها ..لا أدري هل سبب لومهم أو استهجانهم راجع إلى كلمة "حبّ" ..و هل هي مخيفة و مرعبة لهذه الدرجة ؟ لست أدري ؟ .. أم أنّ ارتباط هذه الكلمة "حب" بتصورات و خيالات مترسبة في عقولهم و ذاكرتهم       و ذواتهم جعلتهم يطلقون عليها أحكاما جائرة باطلة ؟؟ و بذلك يحاربون أنفس ما في الوجود الإنساني برمته .إنّ ارتباط كلمة "حبّ" في أذهانهم و مخيلاتهم بالجنس و لياليه الحمراء و بالشهوات الصاخبة من النزوة و الشبق و غيرها جعلهم يتوجسون منهم خيفة و يتخذون منه مواقف صارمة هي أقرب للظلم منها إلى العدل و الحق.

"الحبّ" كلمة قرآنية و نبويّة ..و كلمة "أحبّك" بالفتح أو الكسر من أشرف الألفاظ و أنبل المعاني ..تأمّل قوله تعالى :"يحبّهم و يحبّونه " و قف على توجيه حبيب الله للمؤمنين " إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ " ..أأنتم أعلم أم الله  و رسوله .

كلمة "الحبّ" تتحدّد قيمتها و أهميّتها بحسب إضافتها أي المضاف إليه و طبيعة استخداماتها و أصل كلمة الحبّ هي من الصفاء أي بياض الأسنان من حبب الأسنان... و قد خصّص ابن القيّم الجوزية في كتابه "روضة المحبّين و نزهة المشتاقين" بابا كاملا "في أنّ العالم العلوي و السفلي إنّما وجد بالمحبة و لأجلها ، و أنّ حركات الأفلاك و الشمس و القمر و النّجوم ، و حركات الملائكة     الحيوانات  ،  و حركة كلّ متحرّك إنّما وجدت بسبب الحبّ "[ص54،مكتبة الفاء،ط1، 2002]فتأمّل و افهم و يعدّ هذا الكتاب من أروع ما كتب في موضوع الحبّ و المحبة و مفرداتها و مشتقاتها مستخدما فيه منهجا نقديا نزيها حيث يرد الأمور إلى نصابها و قد نجح في ذلك نجاحا باهرا و وفق توفيقا كبيرا ، و أنصح بقراءته و التبحر في أبوابه و تأمّل مباحثه القيّمة.

و قد سبق لي أن كتبت في مراتب الحبّ مما أغنى عن إعادتها فأعلى المراتب حبّ الله و رسوله و أدناها حبّ مخلوقات  الله عموما .

و ختاما لا أستطيع أن أتصوّر حياة خالية من أكسير الحبّ فمتى نُزع الحبّ من الحياة نُزعت روحها و لا خير في حياة مادية صلدة لا روح فيها و لا إحساس.

و أؤكد على أنّ عظمة الحبّ تتحدد بحسب المضاف إليه و الإخلاص فيه   و التضحية من أجله و الوفاء إليه في المظهر و المخبر و المنشط و المكره  و السرّاء و الضراء.

 

 

 

 

 

 

 







 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات