خواطر نقدية ....

 

خواطر نقدية ....

 


الكتابة الشّعرية...

 الكتابة نور يحرق وهجه المتلألئ أبصار النّفوس الخاملة ...

الكتابة زلزال ترتجّ له أجفان العيون النّائمة... و مثل الذي يكتب و الذي لا يكتب كمثل الحيّ   و الميت ..

و الكتابة أوسع من أن يمجّها قلم نافث ، أو تقذفها سيوله العارمة ... 

     فالكتابة وُجدتْ قبل أن تُقرأ ... و ما الكلمات إلا زاد في يوم عاصف ليس إلا ...

أوليست اللوحة البديعة كتابة راقية استبدلت فيها الكلمات بالألوان المتناسقة الزاهية ...

أوليست الحديقة القسيمة الفاتنة كتابة استبدلت فيها الكلمات بأحواض أزهار ساحرة و نواعير تذر الماء الزلال ...

أوليست التحف المعمارية الرائعة كتابة استبدلت فيها الكلمات بأحجار مرمرية خلابة ....

أوليست المزهرية الزجاجية المشكلة كتابة استبدلت فيه الكلمات بحبات رمل منفوخ باهت ...

ألا ترى أن الكتابة أوسع من أن نحصرها في كلمات معدودات ، و معان طافحات ..         

    فما الذي يجمع هذه الكتابات المتفردة و الأجناس المتعددة الأشكال     و الصور ...

        إنه ذلك النور المنبعث من أعماق الذات البشرية .. ذلك النور الخافت الذي يبدأ صغيرا ثم  يكبر و يبكر حتى يعم ذات الإنسان و يغلب فتشع و تتوهج فينعكس ذلك الإشعاع المتدفق و الوهج المتألق في شكل من أشكال الكتابة الفنية .... 

الشعراء أربعة 

              شاعر يملك الشجاعة و اللغة فتنقاد إليه المعاني انقيادا ، يجرها أنّى شاء و متى ارتحل ، قد بلغ بشعره عنان الإبداع فحسده القمر من فرط بهائه ، و الشمس من دفئ أنواره ....

          و شاعر يملك اللغة و يفتقد الشجاعة يخاف مما يكتب ، و يهاب من ردة أسياف بيانه ، تخرج ألفاظه ميتة لا حراك فيها ، مثلها مثل الأزهار البلاستيكية الاصطناعية يعجبك لون أزهارها ، و تناسق أجزائها و حسن جمالها فإذا أتيت تتلمس الروح فيها وجدتها خشنة الملمس ، باردة الإحساس ، لا رائحة فيها و لا حركة ..   فكذلك حال شاعرنا هذا بارد الإحساس و بارد الأشعار ...

        وشاعر يملك الشجاعة و يفتقد اللغة يشدك إليه صدق كلامه و حماسه المفرط و يخلف ظنك بيانه و سوء اختيار ألفاظه   ، في جبه تعيش معان لا حصر لها تموت عند أول لمسة نور ، فمثله كمثل قيعان تمسك الماء و لا تسقي الحرث و لا تنفع الخلق...

و شاعر لا يملك الشجاعة و لا اللغة و إنما شعره كطلاسم لا وجهة لها ... اختفى وراء قضبان ألفاظه و سراديب أشعاره يخشى النور الكاشف و الهواء المنعش و الماء الرقراق و يدعي إدراك الحقيقة و بلوغ المرام و قيادة الزمام ... فمثله كمثل مريض الوهم أو مريض عمى  العيون والألوان...

و بعد فكل الناس شعراء فأين مكانك من الشعر ...

الدورة الشعرية .... 

ما المقصود بالدورة الشعرية  ؟...

     الدورة الشعرية هي الزمن المستغرق بين لحظة التأثر و لحظة ميلاد الكتابة الإبداعية الشعرية ... و الزمن المستغرق بين اللحظتين زمن نسبي قد يقصر و قد يطول بحسب عوامل

الاستفزاز و شدة التأثر و عمق الإحساس ...

   و يمكن إعطاء مثالا تقريبيا بدورة الجنين البشري ...  فهذه الدورة تبدأ عند أول انجذاب الحيوان المنوي الذكري نحو بويضة المرأة ...

و هذا لا يعني بالضرورة نجاح الحمل و استمراره فقد يحدث طلق في الأسابيع الأولى أو في أي شهر من أشهر الجمل فلا تكون ولادة أصلا و لا يكون مولودا أصلا ...

كما أنه يمكن للولادة أن تتم و تكون ولادة شاقة و قد تكون يسيرة...  كما أن المولود قد يكون سليما كاملا و قد تكون به تشوهات خلقية جسدية أو عقلية .. كما أنه قد يولد ميتا لا حياه فيه ... فكل هذه المشاهد الدرامية المفرحة و المحزنة محتملة الحصول و ممكنة الحدوث ...

فكذلك القصيدة الشعرية قد يجري لها ما يجري على دورة الجنين البشري من ولادة و موت و تشوه ... فإن كان المولود ذكرا عمت الفرحة قلوب الأهل و الأصحاب و إن كان المولود أنثى توارى  من القوم و وجهه مسود و هو كظيم ...

سنة كونية غالبة تجري على الدورة الشعرية كما تجري على الدورات الأخرى ...

           و مما لا شك فيه أن البشر جميعهم يشتركون في هذه الدورة الشعرية على اختلاف أجناسهم    و معتقداتهم و مستوياتهم الفكرية غير أنهم يختلفون في نسبة الزمن المستغرق بين لحظة التأثر و لحظة الولادة و من ثم البناء ...

و من هذا المنطلق يمكن إدراج كل الناس في زمرة الشعراء بالمفهوم العام و ليس بشاعر بالمفهوم الوظيفي الخاص ...

و لعل هذا ما جعل العرب في الجاهلية يقيمون الأفراح و الولائم عندما يُولد في قبيلتهم شاعر فحل و لسان صارم و درع واقية ، و حق لهم أن يفرحوا و يتباهوا و لا فخر ....


الفاصلة الشعرية ....

              الفاصلة الشعرية وقت نفسي  مستقطع أو متنفس للراحة النفسية يلجأ إليها الشاعر مختارا حينا و مضطرا في أحايين أخرى ..

   و المدة الزمنية للفاصلة الشعرية مدة نسبية قد تقصر فتستغرق ثوان أو دقائق معدودة ، و قد تطول لتشغل حيزا زمنيا كيوم أو أيام أو شهور بحسب نفسية الشاعر و قابليتها  للكتابة و الإبداع أو الانعتاق و التحرر من قبضة لحظة التأثر ...

       و الفاصلة الشعرية تكون أكثر وضوحا و صفاء في الشعر النثري أو شعر التفعيلة أو الشعر المعاصر منه في الشعر العمودي الخليلي الراسخ ، ذلك أن الشعر العمودي بحسب بناء القصيدة ذاتها أي الانتقال من النسيب إلى الفخر و منه إلى الحكمة من جهة و بحسب كون القصيدة العمودية تتوزع بين دفاتها موضوعات عديدة من جهة ثانية  يتيح للشاعر فواصل شعرية و تلقائية ينتقل فيها من بناء إلى بناء و من موضوع إلى موضوع آخر و هكذا دواليك...

أما القصيدة النثرية المعاصرة  و بحكم بنائها من جهة و وحدة الموضوع فيها من جهة ثانية يحتاج فيها الشاعر إلى فواصل شعرية نفسية اضطرارية يتنفس من خلالها هواء جديدا يكسبه دفع نفسيا إضافيا يِؤهله لاستكمال بناء قصيده ...

         و يمكن للقارئ الحصيف أن يستكشف هذه الفواصل الشعرية أو الفراغات النفسية بسهولة إذ يلحظها في شكل نقاط اختصار يعمد إليها الشاعر أو في سرعة انتقاله بين مستوى صاعد و مستوى نازل أو العكس أو في شكل غموض يرتقي في بعض الأوقات إلى طلاسم و تمائم أ في اختيار الشاعر لألفاظ معينة و محددة دون أخرى أو في تعمد الشاعر إقحام رموز مادية و    ميتا فيزيقية أو في تجرئه على فتح أبواب محظورة ممنوعة إلى غير ذلك من الأساليب و الحيل و الأشكال الذهنية   التي يستعملها الشاعر المعاصر في بناء قصيدته ...

            الفاصلة الشعرية محطة نفسية ضرورية لازمة شريطة ألا يتحول الزمن المستغرق إلى قصور ذاتي يفقد القصيدة توازنها و تناسقها و لربما حياتها و إلى الأبد ...

هذا هو المحذور الوحيد أو الشبح المخيف الذي قد يقضي نهائيا على الشاعر نفسه و من بعد ذلك على إبداعه و شاعر يته و إحساسه ... 

في دواليب الشعر ....

          أتمثل النفس البشرية جهاز التقاط و إرسال في آن واحدٍ ... وسائلها في ذلك أذن تسمع و عين تبصر و قلب يجمع و عقل يتأمل و لسان يحكي ...

       هب أنك لمست قطعة  حديدية ساخنة دون علم مسبق منك ، فإنك لا محالة ستقوم بحركة ارتدادية فجائية أو رد فعل سريع تتفادى من خلاله ألم الحرق وهول الموقف ...

         هذه حركة طبيعية أو منعكس فطري كما يقول أهل الاختصاص ... إن التحليل العلمي لهذه الظاهرة التي لم تستغرق إلا ثوان معدودات يقرب للفهم كون النفس البشرية المعقدة جهاز التقاط و إرسال ....

       الجلد التي تراه العين يحوي شعيرات تتصل  بنهايات عصبية منتشرة تتأثر بمجرد وقوع ضغط بسيط في الجلد و هذه الأخيرة متصلة بمركز في المخ ينظم عملها ... هذه النهايات  العصبية تقوم بنقل المعلومات عبر السيالة العصبية إلى مراكز الاستقبال التي تقوم بتحليلها    و برد الفعل المناسب و لا تستغرق   هذه العملية إلا برهة زمنية قليلة ... فكذلك النفس البشرية المعقدة فإنها لا تخرج عن هذه القاعدة العامة ....

     من خلال هذه المقدمة البسيطة نحاول في عجالة  معرفة النفسية التي يكتب بها الشاعر ،   و الظروف التي تحيط بها و الزمن المستغرق و ردود الأفعال المتراكمة و من ثم الحكم على شعره بالإيجاب أو السلب .....

        لو أتينا بطفل ولد لتوه ، و عزلناه عن المجتمع نهائيا و ذلك بوضعه في غرفة صغيرة ، و قمنا بتنشئته فيها و استمر الحال على ذلك عقود زمنية متتالية ، فإن حدوده المعرفية  و قدراته العقلية و بواعثه النفسية لا تتعدى حجم تلك الغرفة الصغيرة و أطباق الطعام المقدمة إليه ....

       لا يعر>ف الكلام و جاهل بما وراء تلك الغرفة أو عالمه الصغير ، و يعيش كبتا نفسيا خانقا و توترا عصبيا حادا ... مثل هذا الشخص في حاجة ماسة إلى إعادة تأهيل و إدماج داخل المجتمع بدء بتعليمه لغة الخطاب و المحادثة و لغة التعامل مع الآخر و لغة الأفعال و ردود الأفعال و لغات شتى ....

إنه لمن غير المعقول أن نطلب من شخص بهذه المواصفات أن يكتب لنا قصيدة شعرية ناضجة تقبلها العقول و تستلذها النفوس و تسر لها الأرواح ....

فكذلك نفسية الشاعر لا توجد من فراغ و كلما كانت أدوات الاستقبال فيها سليمة   و حجم المعلومات كثيفا و نافعا كان الإرسال سريعا و مفيدا ؛ فمن الإجحاف المطبق محاولة عزل نفسية الشاعر عن نصه الإبداعي و إسقاط عمليتي الاستقبا و الإرسال و ما يتخللهما من ملابسات و ظروف زمني و مكانية إنسانية  و الاكتفاء بألفاظ صلبة  قاسية لم تكن تدب فيها الحياة من قبل  بل إن الروح التي تسري فيها هي من روح الشاعر و نفسيته المتشابكة ....    

          إننا فرضا و لو استطعنا عزل الشاعر عن بيئته الاجتماعية فإننا لن نستطيع عزل بيئته النفسية عن كيانه و ماهية ذاته ... و ما بيئته النفسية إلا نتاج بيئته الاجتماعية كما سبق الإشارة إليه ... و ما النص الشعري إلا نتاج بيئته النفسية ليس إلا ..

                          تلكم حقيقة نفسية راسخة ....

        و أتمثل نفسية الشاعرثانيا  جهاز التقاط و إرسال ضخما و مركبا من مجموعة أجهزة التقاط و إرسال ،  لكل منها وظيفة معينة و دور مخصص و مجال بحث معين و رسائل خاصة و موجات محددة ...

          وهذه الأجهزة الصغيرة تتفاعل فيما بينها إيجابا و سلبا و تقوم بعدة عمليات من التقاط و جمع و تركيب و تحليل ثم إخراجها في شكل من أشكال التعبير الفني و هو في  هذه الخاطرة  :" الشعر" ...

            و لا يخفى على اللبيب الأرب أن هذا الالتقاط  و الإرسال بين مختلف الأجهزة و ما تتضمنه من عمليات معقدة و التي تكون فيه الغلبة للأجهزة الأكثر نضجا و تطورا و وعيا بما تستقبله من رسائل يتطلب وقتا زمنيا مستغرقا ...

      إن الزمن المستغرق زمن نسبي بحسب قوة الجهاز المستقبل و المرسل في وقت واحد ...

و هذا تفسير تقريبي لكثرة أو قلة إبداعات الشعراء و ميزة تختلف من شاعر إلى آخر ...

           إن كثرة أجهزة الالتقاط و الاستقبال في النفس البشرية ، و اختصاص كل جهاز منها بموضوع معين هو الذي أبرز للوجود شعراء متباينين من حيث الأسلوب و البناء و العرض و التحليل ، بل هو  سبب ظهور فنانين مختلفين على تعدد فروع الفن من رسم و نحت و شعر و نثر ومسرح و تمثيل  .....

        إذن فالحكم على نصوص شاعر إيجابا و سلبا يستدعي خبرة كبيرة بالنفس البشرية و معايشة آنية للإبداع فضلا عن الدراية الواسعة الدقيقة بأساليب الشعر  و التحكم في أزمة اللغة الجامحة ....

          إن النصوص الشعرية خيول تستعصي عن الترويض و لا ترضى بالمذلة   و الهوان فعلى الناقد أن يعرف من أين تأكل الكتف ....

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات