قراءات في قطار الأدب العربي: شعرية و نثرية

 

 

 

 

قراءات كاشفة عبر قطار الأدب العربي

 

شعرية ..  نثريّة

 

 الكاتب بـولمدايس عبد المالك

 

 

 

( 2020 ـــ 2021  )

فهرس الموضوعات :

مقدمة الدراسة : .....................................................ص

1.    شاعرات جزائريات : نبيلة سنوساوي ، حسناء ين نويوة، ورق من عبير...ص.

2.    مع النّاثرة  الجزائرية  ورق من عبير ..في نص وجدانيّ لافت...................ص

3.    مع الشّاعرة  الجزائرية  أسماء رمرام في نصها  "جروح الرَوِيّْ."...............ص

4.    مع الشّاعر المغربي عباس سمامي : في رائعة من روائعه الشّعرية ......ص

5.    مع  الشّاعرة  الجزائرية حسناء بن نويوة في قصيدتها " وأحبُّني أكثر...".........ص

6.    على ذمة الشروق ...قصيدة نثرية للشاعرة المغربية بيلة الوزاني...............ص

7.    قراء ة على عجل لخاطرة بلا عنوان للأديبة ليندا رحال من لبنان.......ص

8.    مع الناثرة عشتار الشمري في قصيدتها النثرية – العراق -............ص

9.    جولة وجدانية لقصيدة بلا عنوان للشاعرة  شذا رفعت – العراق -.....ص

10.   ملامح الهايكو في شعر  الشاعرة حسناء بن نويوة  ـ الجزائر ـ ........ص

11.   نقطة نور في ومضة الشاعرة  مسعودة مصباح ـ الجزائر ـ ............ص

12.   بوح عميق للشاعرة ورق من عبير ـ الجزائر ــ .........................ص

13.   أصداء و مكاء  من ديوان "حداء" : قراءة جمالية ...للشاعر التونسي

 الشاذلي القرواشي .................................................ص

14.           قراءة على عجل لقصيدة " مناجاة"  للشاعرة المغربية نبيلة الوزاني ....ص

15.           إطلالة على مقطوعة شعريّة .....للشاعر الجزائري محمد شايطة.......ص

16.           البعد الرّسالي في قصيدة  " صدى تغريبة " للشّاعرة  المغربية  نبيلة الوزاني .......................................................ص

17.                      زخّات جماليّة  من أشعار  مختارة   للشّاعرة  الجزائرية سكينة مرباح..ص

18.                      قراءة في قصيدة" جنون "للشّاعرة الجزائريّة فاطمة الزّهراء بوكتاب ....ص

19.                      بكاء الوطن في قصيدة  " أجذّف بالتّأنّي "  للشّاعرة الفلسطينية ........

نهى عمر ............................................................ص

20.   بورتريه عن الشّاعرة الجزائرية ياسمينة وردة ............................ص

21.   قراءة في قصيدة للدكتور الشاعر العراقي  وليد جاسم الزبيدي..........ص

22.   سياحة مباركة في هايكو للشاعرة الجزائرية سكينة مرباح ...............ص

23.   مع وجدانيات الشّاعر المغربي الشاعر عباس سمامي ..................ص

24.   "حكايا " حقائق و خفايا مع الشّاعرة الجزائرية فاطمة الزّهراء بوكتاب ...ص

25.       قراءة جمالية في " لوحة سريالية " للشّاعرة العراقية شذا رفعت .........ص

26.       قراءة في قصيدة محطّات العمر للشاعرة العراقية شذا رفعت ...........ص

27.       ميعاد موقوت مع رواية "ظلام منحوت" للروائي التّونسي الشاذلي القرواشي....ص

28.       بورتريه عن الشّاعرة العراقية شذا رفعت بين فكيّ كماشة الدّال و المدلول......ص

29.       قراءة جمالية في قصيدة "حلم" للشّاعرة التونسية  أحلام فتيتة ( أم إلياس)....ص

30.       جمرة من احتراقات الشّاعرة  الجزائرية خديجة قادري لك وحدك .....أم ياسين...ص.

31.       قراءة في قصيدة " هلْ سيرجعْ..؟ "للشاعر العراقي وليد جاسم الزبيدي

32.       قراءة جمالية في قصيدة "لك وحدك" للشاعرة الجزائرية خديجة قادري

33.       مقاربة بين الموروث و الوا مقاربة بين الموروث و الوافد في قصيدة "جلباب التأويل" للشاعر العراقي سالم الحمداني

34.       زفرة في حبّ الوطن قراءة  في قصيدة  الشاعرة  السورية أماني محمد "أم المعتصم "...ص

35.                      بروتريه عن الشاعرة  الجزائرية  عبلة لفتاحة ملكة الإحساس و سفيرة الإعلام

36.                      قراءة في قصيدة "قلتِ ..و قالوا.." للشاعرة التونسية مفيدة السياري  ....ص

37.                      حفر و تنقيب في قصيدة " سلام " للشاعر المغربي عبد الرحمن بوطيب .............................................................ص.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Ø    مقدمة الدراسة :

              الحمد لله على نعمه الظاهرة و الباطنة و الصلاة و السلام على حبيبه محمد

خير نبيّ ، المبعوث رحمة للعالمين وعلى أله و صحبه و من والاه و بعد :

فأصدّر  بين يديّ هذه القراءات بمقدمتين  أشرح فيهما نظرتي الجمالية للشعر موزونا

مقفّى أو نثرا حرّا ليتبيّن الخيط الأبيض من الأسود  من فجر الشعر ...

المقدمة الأولى :

 قراءتي للنّص الشّعري و النّثري ...

            أضع النص صوب عدسات عيني و أبدأ  بتمرير أنوارها الكاشفة لعلّي أعثر على بعض المفاتح التي تعينني على فكّ شفرات ألفاظه و معانيه...وما القراءة الأولى إلا محاولة استعطاف منّى  لبعض المفردات المتوزعة فيه عساني أفلح في كسب ودّ و اهتمام واحدة منها أو أكثر على طريقة قيس لليلاه... أعيد القراءة ثانيا و عيني على كسب ألفاظ أخرى قد تبوح ببعض أسرارها و أصدقكم القول بأنّني أتريّث   و لا أتعجّل فمهمتي الظفر بفكرة جميلة أو معنى لطيف ظريف.. أظهر لذلك النص الشعري و ألفاظه نقاء سريرتي   و صفاء روحي و خلوّ قلبي من كلّ ما يشوّش و ينغض و يفسد متعتي و بهذا أتقدم خطوة نحو كسب قلوب ألفاظ ذلك النص الشعري...فللألفاظ  قلوب  تنبض بالحب و متى اطمأنت لموقفك تواصلت معك  و لكن  بطريقتها  الخاصة... فإذا لانت قلوبها و اهتزت و ربت أنتقل إلى روحها أو تنتقل هي إلى روحي فلا أدري في تلك اللحظة هل أنا هي أم هي أنا...  بعد هذه اللحظة مباشرة أجد نفسي أقف على معالم جمال ذلك النص الشعري دون قيد و لا شرط و لا سواتر أنهل منه غرفات  و غرفات ...تتقربّ إلي ألفاظه كعرائس فاتنات   و تزدحم معانيه على قلبي ازدحاما حتى أحار و أتردّد بين الأخذ من بعضها أو ترك بعضها أو المفاضلة بين ما اخترت منها   و أيّها أقدم و أيها أأخر و ألج دوامة الجمال من أبوالها الثمانية...

و بعد ظفري بمرادي أنسحب برفق و أعود إلى ذاتي و قد امتلأن روحي من فيض ذلك النص الشعري جمالا و ارتواء لأستخدم أساليبي وتقنياتي  الخاصة  في فن الكتابة مستندا ظهري إلى ركن العقل لأدونّ ملاحظاتي الجمالية في كناشة أوراقي...و بعد انتهائي من التدوين أسمح لنفسي بأن أكون أول قارئ لتدوينا تي و أول ناقد صارم لكل حرف          و لفظة فيها لأقرّر بعدها تثبيت القراءة النهائية للنص الشعري...و لا بأس بعد ذلك بنشره و تعميم فائدته لجموع القراء على اختلاف توجهاتهم و مستوياتهم الفكرية ...                    و أسجل ملاحظة أخيرة بأنّ كلّ قراءاتي للنصوص الشعرية تهتم بعنصر الجمال فيها مظهرا و مخيرا و لا تهمنّي بعد ذلك  تفاصيل مؤلف النص الشعري ذاته. .                               و بهذا أكون قد رصدت لكم طريقتي في قراءة النّصوص الشعرية و تقييدها ...هذا أولا .

 

المقدمة الثانية :

 أنا لست ناقدا  متخصصا بل شاعرا والها  و عليه فوجهة نظري تتمثل في :

أنّه يوجد اختلاف شاسع و بيّن بين قراءة الشّاعر لنصّ شعريّ ما و قراءته من طرف النّاقد ؛ ذلك أنّ هذا الأخير سيولي اهتمامه أكثر لنقاط القوّة و الضعف فيه ملتزما بمنهج نقديّ  محدد و صارم .... غارقا بذلك  في التفاصيل من نحو و لغة و بلاغة    و أساليب و دلالات   ..و نراه حاسما و متشدد حتّى في إعطائه لأحكام قراءته و نتائجها ، ممتطيا متن الموضوعية و العلمية و الجديّة و التّجرد و النّزاهة ...

بينما تسقط كلّ هذه الحدود و الفواصل و التعقيدات من ذهنية قراءة الشاعر.. فالشاعر جلّ اهتمامه نقطة واحدة و وحيدة و هي تجلية مكامن الجمال في نص الشّاعر و بيان تجليّاته و آثاره على النفس والعمل على  إخراجه في أبهى الصّور و أجمل الحُلل و أنقى الألفاظ و أشرف المعاني...  فقراءة الشاعر قراءة  جمالية بحتة تقف على مواقع الجمال موقف المعجب المغرم ..

بينما قراءة النّاقد قراءة موضوعية منهجية ملتزمة تهتم بالبيئة التفصيلية للشاعر  و النص الشعري و مختلف تأثيراتها  .. بمصادر معلوماته و ثقافته.. بتجربته الشعرية السابقة ..   ما لها و ما عليها..

بيد أنّ قراءة الشاعر تسقط كلّ هذه الاعتبارات و القيود و لا تولي أهمية لتلك التفاصيل الملهية و المبعدة عن بلوغ تذوق الجمال النّقيّ الكامن بين كلمات و حروف الشعر...  قراءة الشاعر تهتم أصلا بالكيفية التي أخرج بها الشاعر المعنى ..و تعنى بقوة الألفاظ     و أجراسها و تناغمها و انسجامها فيما  بين بعضها البعض و مختلف التقاطعات المولّدة بعد ذلك.. هي قراءة لها آذان مرهفة تسمع بها ترانيم و أنغام تلك الموسيقى الداخلية التي أحدثتها تلك الألفاظ المختارة بعناية و دقّة و إحساس و هي تعانق معانيها الحالمة المتراقصة و تتّحد معها صانعة في نفس الشاعر القارئ المتلقي الدّهشة و المتعة و كثيرا من الرضى و الفرح.. قراءة الشاعر قراءة متحررة لا تلتزم بمنهج  تحليليّ معيّن و لا بقيود تحدّ من الانطلاق و الانعتاق و لا تؤسس نظرتها على خلفيات مسبقة و أحكام مقولبة    و قوالب جاهزة...

هي قراءة اللحظة بكل جمالياتها و أبعادها و دلالاتها...مجرّدة إلاّ من حبّ اللفظ              و المعنى و الأسلوب و الفكرة  و الجمال ...

هذا و بالله التوفيق و عليه التكلان...

" وقل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون "

 

قسنطينة في 27.01.2021

1.    شاعرات جزائريات :  نبيلة سنوساوي .. حسناء بن نويوة .. ورق من عبير

           لفت انتباهي و أنا أتفحّص حوائط بعض الشاعرات الجزائريات تميّزهنّ              في مداعبة حروف الشّعر و فنونه، و تفرّدهنّ بأساليب جماليّة  فنيّة  فاتنة بل و تفوّقنّ      و باقتدار عن لفيف من الشاعرات المشهورات و حتّى شعراء من جنس الذكور...            و للأمانة فإنّني أسعد دوما عند قراءة أشعارهنّ و تراني أنتقل كالنحلة المتلهّفة من زهرة لأخرى أستمدّ منها جمال الكلمة  و قوّة الأجراس و دفء المعنى و عمق الفكرة             و حلاوة اللفظ...

و كم منّ مرّة أجدني متردّدا للتّعبير عن إعجابي، و البوح هن امتناني لهنّ، و تسجيل ذلك بمداد القلب في قراءات جمالية متناغمة ..دافئة و كاشفة ...

فُتنت بداية بنصوص الأديبة الأربية إلهام بورابة ، و تتبعت نصوصها النثريّة  و الشّعرية التي أعدّها كتحف فنّيّة نادرة مصقلة السّبك، عميقة الغور، متفتحة علة الوجود و الإنسان    و الجمال و أجدني أحيانا عاجزا عن فكّ بعض شفرات نصوصها المكثفة نتيجة تعمدها ترك بعض المساحات الفارغة أملا منها أنْ يملأها حدس القاريْ و ذكاؤه الناقد الفاحص   إذ هي ترى بأنّ القارئ الجيّد ناقد بصير و مشارك في تبليغ الفكرة و تطويرها..، و لها يرجع الفضل بعد الله في التعرّف على الأديبات  و الشاعرات الأخريات : سنوساوي نبيلة  و ورق من عبير و حسناء بن نويوة لأنهنّ صديقات  حميمات مقرّبات منذ ربيع حياتهنّ إلى الوقت الحالي...و اللافت للانتباه فإنّهنّ يشتركن في كثير من الأساليب  و الأفكار و الثور الجمالية ثمّ تتميّز كلّ واحدة منهنّ بعالمها الخاص و لمستها السّحرية  و قاموس مفرداتها الشّعري  ...

               و قد خصّصت هذه الأسماء الأربعة كونّهن زبدة النّخبة و عيّنة فارقة في عالم الشغر و الأدب  و لأنّهنّ ثانيا ملتصقات ببعضهنّ التصاقا عجيبا و ملفتا ..فالوفاء ديدنهنّ   و الحنين رسالتهنّ و الشوق بريدهنّ ...

و سيكتشف القارئ الجزائري و العربيّ نبوغهنّ من خلال ثلاثة  نصوص شعريّة مختارة  هكذا دون قصد ...  و بالله التّوفيق ...

 

·                   تأملات في قصيدة ..(نص تأملي).. للشاعرة نبيلة سنوساوي


تأمل. بوجهي
تقاسيم وجه الزمان السعيد الذي في
طريقي رماكْ
تأمل رياضا من الحسن ..'
تزرع في بؤبئي شوقها كي
يحنّ الملاكْ
تأمل جنونا..تحطّم عند انتشاء الغدير
فأوحى له الماء ..أن يقتفي خطو قلبي هناكْ
تفقد فصولا توارت حياءً
تساءلْ.. إذا ما احتواها الغرامُ
أوِ العشق أرخى لها ليلكا..من هواكْ

 

          قصيدة تمتطي بساط التأمل و تسمو بأرواحنا إلى مقامات جمالية حالمة.. حتى أنها تركت للقارئ حرية اختيار عنوان لها.. قصيدة مفعمة بالأمل و البهاء و الجمال و الحبّ في أسمى صورها الإنسانية الطاهرة تهدي القارئ شحنة إيجابية هائلة             ومركزة في طبق قشيب بديع  يسرّ النّاظرين و يسيل لعاب العاشقين ...
حتّى أنّ دورة الزمان نفسه تنعكس تقاسيمه في وجه امرأة وسيمة تشعّ بالجمال  و تنبض بالسعادة ..و ها هو طهر الملاك و نقاؤه يستجدي و يحنّ لبؤبؤ شوق عيونها ذات الحور و اللحظ ...و انظر إذا شئت إلى عنفوانها في تحطّم الجنون عند التقائه بأمواج بحرها الهادر فما كان منه إلا الاستسلام الوديع و اقتفاء أثر خطو قلبها الثابت الشديد...
و بلمسة شاعرية رؤومة تأمر الرجل إلى الالتفات إلى تضحياتها الكبيرة من أجله ..حيث ضحت بجمالها.. بعمرها و زهرة شبابها..بكبريائها..و صبرت على جنونه و تهوره         و اندفاعاته ..كلّ ذلك في صمت .. و حياء.. و حب.. و طواعية..


أيا رجلا ..من صميم
التخوم التي نكهتها عطور السواك
كأني رأيتك منذ عصور بعيدة
كأنه غيث
تهدّلَ
ينسج من بوحه
كل ذاك الندى ..حينما قد رآك
أيا رجلي ..في اقتناصك لي..
تمسك الروح كل انبعاث
فأدرك أن الحياة بدونك نسيٌ
وأن التذّكر سرّ انتمائي
وأنه لا دين لي يا حبيبي سواك

   و في المقطع الأخير توجه دعوة صريحة للرجل عبر امتداد العصور ليلتفت إلى ما تكنه المرأة له و ما يمثله بالنسبة لها ...إنه يمثل تلك العطور التي تعوّض تلك التّخوم الملتوية ..إنّه ذلك الغيث المنهمر المنتظر الذي انعكست صوره الجميلة في روحها النقية الصافية ندى يتغنى به الشعراء..
أكلّ هذا العطاء و التضحية تفرط فيهما حين أسلمتك روحها العاشقة ...تذكر حين تحكم وثاق روحي أنّني شطر من انتمائك و لا حياة لي إلا في رحاب كونك الباذخ...
خاتمة قويّة و حاسمة تعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي الكوني..
ما أجمل هذا التدوير الجمالي الرائع للفكرة و البوح الصادق و التناغم الإيقاعي الرنان ناهيك عن الاختيار الدقيق للألفاظ ذات الجرس الهادئ الحنون....

 

·                   رشفة من شهد قصيدة بلا عنوان للشاعرة حسناء بن نويوة

 

          ماذا أفعل دونك يا أنا؟
إلى السّماء
أم إلى الأرض
ما عُدت أسأل
أين يؤوب هذا الجسد
وأنا أنتهي بي
نقطة في فراغ!

 

سؤال تقريري يقرر حقيقة كبرى أنّه هو هي و هي هو على طريقة أهل العشق المتصوّفة ..  و العجب سؤالها عن غائب حاضر فيها لم يبارح روحها المتردّد...

            و نراها بعد ذلك لا تهتم بحركة جسدها التّرابي ما دام روحها روحه ..فالاعتبار عندها للوجود الروحي لا غير.. لكن العقدة الفارقة و الصادمة أنّه بالرغم من وجوده بدواخلها تفتقده لتسقط في نقطة فراغ مجهولة الأرجاء و الأخطار...خاطرة شعرية أعمق من العمق ذاته ...و بأسلوب سهل ممتنع تداعب أوتار أرواحنا ليبوح بكلّه قبل تفاصيله الجمالية الفنّيّة...

          و أخيرا يصل بنا قطار الشعر النّسوي  إلى محطّته الأولى أملا للسير به إلى محطّات أخرى بإذن الله....

 

تونس في 14/04/2020

 

 

 

 

 

 

2.    مع النّاثرة  الجزائرية ورق من عبير ..في نص وجدانيّ لافت

 

النص :الحياة موج لابد يتمدد فوق أديم القلب، ولابد تعترفُ به مسافات الروح الهاربة في مشاقِ اليأس،...

 

         تمدّد الموج فوق أديم القلب لدلالة على توسعه و توّزعه و من ثم تلاشيه و هذا ما تقتضيه قوانين الفيزياء و هي نفس القوانين التي تتحكّم في القلوب  و النّفوس و لكن بما يتناسب و  طبيعتهما الترابية النورانية....    و كذلك هي الحياة عامة ..و الاعتبار بعد ذلك هو للنهايات ..فغلبة الأمل و انكسار اليأس و القنوط نهاية حتمية لكلّ صراع ماديا كان أو نفسيا...  و هذه صورة جمالية تستعير مشاهدها  الفاتنة من دلالات كناياتها المتجذرة و تشبيهاتها البلاغية من قوّة إحساس الشاعرة بالفكرة   و تعمّقها الضارب في وجدان روحها الهاربة من شراك اليأس المنتصبة  النفسية..

 

3.    مع الشّاعرة الجزائرية أسماء رمرام في نصها  "جروح الرَوِيّْ.".

              الشّاعرة أسماء رمرام روح تنبض بالدّفء و الجمال، و قلم سيّال يعجّ بالصفاء و الحبّ و البهاء ..شعرها يسمو و يسمو إلى مقامات وجدانية تتعدّى آفاق هذا الوجود الرّحب العجيب ..و لا غرو فبعد سياحتنا في حدائق قصيدتها "جروح الرّوي" يزول العجب ، و ينجلي الضباب ، و ترسو السفينة على شطآن الحقيقة الصادمة المدهشة... 

جروح الرَوِيّْ..
عنوان يبوح ببعض أسراره و يخفي الكثير منها بين ثناياه...فالجروح أنواع و أشدّها على النفس و أقساها نكاية و إثخانا ما كان منها نفسيّا  معنويا و لعلّ عنوان القصيدة " جروح الرَوِيّْ.." يشي بكثير من هذا المعنى المؤلم المكنون.. فبلسم مثل هذه الجروح عزيز  و مكلف ..و  يا ليته كان جرجا واحدا فيهون الخطب بل إنّه جروح هكذا بالجمع ...

       و نراها اختارت لقصيدتها كرويّ  حرف الياء المرفق بألف المدّ بقصد و سبق إصرار ليشكلا معا شكل "يا" : حرف نداء مفتوح لحبيب غائب حاضر في القلب             و الوجدان  و الذاكرة و الشّعور ..و ما أجمله و أدّقه  من اختيار ..و حرف الياء من حروف الجوف الهوائية الضعيفة ، و سُمّيت بذلك لانتقالها من حال إلى حال كما قرره صاحب لسان العرب ..

و لا شك أن حروف هذه القصيدة قد خرجت من أعمق جوفها متلفّعة بآهات الجروح        و أنّاتها...و تبتدأ المقطوعة النادرة بسؤال مباشر و دون مقدمات بحثا عن جواب شاف كاف فلطالما جال هذا السؤال و صال غي نفسيتها المؤرقة و لم تجد له قرارا فبات يحفر    و ينكث الجروح تلو الجروح و باتت تئنّ في صمت و احتراق...سؤال عتب    و لوم بلغة السلوان ..  و السلوان معنى جامع لكلّ ما يذهب الهمّ و الحزن عن صاحبه .. و التّعبير بالحقيبة فيه دلالات كثيرة و عميقة ..فالحقيبة ترمز إلى المستقبل المشحون بالمفاجآت      و الأسرار ..كما قد ترمز إلى قساوة العيش و أثقاله...و المعنيان حاضران بقوّة و هذا من بلاغتها و تمكنها من مداعبة الألفاظ و مغازلة  معانيها ...و لكن مع نزف جروحها تبقى أسرارهما المخبأة في تلك الحقيبة هي سلوانها الوحيد الذي يخفّف كن أثقال همومها و مخاوف أحزانها و ها هي عن طيب نفس و خاطر تتقبّل آلامها بعد فراقهما و ذهوله عنها الطويل ملازمة لمحراب صلاتها ..و الصلات تعني الدعاء لغة       و هو مناسب لحركة الشفاه المجمجمة  ...

لماذا تركتَ الحقيبة تسلو
جروحَ الصلاةِ على شفتيّا؟

و تستمرّ تساؤلاتها و لكن هذه المرّة في شكل تقريريّ مغلفا بعطور اللوم و الحنين   لتثبت حقائق كبرى أدمت فؤادها المعنّى و كيف عمل سيف الغياب الصارم في جنونه بها فأرداه أرضا لا حياه فيه و لا نماء من بعد خصب و ريّ ..من قمّة الجنون إلى أسفل طيّ النسيان ..هكذا فجأة أصبحت لا وزن لها ..نكران مطلق ..تجاهل ممتد ..أم حسبها ثوبا لبسه يوما ما فأدفاه ليخبأه في خزانة النسيان و كأنّه لم يكن يوما له دفئا    و حنانا و سترا...و لا شيئا ذا بال يذكر ...


وأنت الذي في القصائدِ تهفو
كظلٍّ ظليلٍ إلى كتفيَّا؟
أبعدَ الغيابِ يكفّ جنونك
عنْ طيِّ وزني
كثوبٍ تخبئه في الخزانة
خوفاً من العصفِ
إن قال شيَّا؟

و ها هي نراها تقسم بالذي قال كنْ فيكون ..بأنّ لها نفسا كبيرة عصية على الكسر           و الانحناء و ما مثلها إلا كطاير مغرّد لم ينقطع غناؤه بعد و لن ينقطع برغم شدة عتمة الليل الزاحفة جيوشه العرمة...بل إنّه هو الذي فقدها والجا ظلمة ليل جالم من صنع يديه على ما ترك غيابه في نفسها الرقيقة الجياشة  من خطوط وشم محفورة ..عصيّة على المسيان ..بعيدة الأغوار و الآثار ة التبعات ...

و ها هي ثانية تؤكّد أيمانها المغلظة بتوكيد لفظ مادي محسوس و بنفس القسم كدليل على إصرارها و عدم تغيير قناعاتها و مواقفها و تعلنها صراحة مدوية في آذان الوجود بأنّها لا تزال على العهد قائمة و صابرة  إنْ كان للعهود مراعيا و حفيظا و للحبّ وفيّا      و منصفا. و أمينا .

و هذه صورة جمالية إنسانية أخاذة تأخذ بالألباب و تنقاد لها معاني   الحبّ و الوفاء         و الصفاء ولهة طيّعة  و مأسورة  مهضومة الجناح...


أنا – والذي قال كوني-
فكنتُ
أغنّي وإن ضاقَ ليلي عليّا
هو الليل ليْلكَ
أنت
وإن كان وشمك فيه
عصيَّا.. قصيّا
أنا – والذي قال كوني-
فكنتُ
اكتواءً بجلدكَ آوي إليّا
إذا كان في جِلدك الحبُّ
سجنًا
وفي راحتيكَ الكلامُ سبيَّا..

 

        و يأتي المقطع الأخير أقوى من سابقيه ...ليتبدأ أيضا بسؤال ثالث لتتوافق النّهايات بالبدايات و تتناغم ..يبتدأ بسؤال تقريري عتابيّ يوحي بالطّيبة في أسمى تجلّياتها و الغفران في ألطف صوره و كيف سوّلت له نفسه و أطاعته مشاعره و وافقه سلطان قلبه فرحل عنها من يعد ما سكن غي مجاني حديقة روحها الغنّاء ، و الباسقة المموسقة...    و نراها تذكّره بتلك اللحظات الجميلة حين كان يستلقي على جنبات مقلتيها ، ينعم بظلالها الوارفة الممتدة كطفل يتيم يرى فيها أمّه من بعد أمّه...و قد سقته من رضاب ريقها غيمات ماطرة فأخرجت بإذن ربّها زهورا ناضرة تسّر لها أرواح الحالمين...أمن بعد خذا العيش الكريم المترف و النضارة و البهاء و النماء تختار الغياب و تذوي ببطيء يقتلها الانتظار و الشوق كشمعة أضاءت طريقك فّلما اهتديت   و أمنت تركتها تخبو في صمت مرعب خانق لتذكّرك و هجرانك .. لتختتم  هذه الملحمة الشعرية الوجدانية الراقية لفظا و معنى و نظما و سبكا     و إيحاء و يعدا بتوجيه رسالة واضحة بأنّك في نهاية الأمر أنك الخاسر إذ كيف لم يشفق قلبك حين بكيتك و يكبن ذكراك و غيابك لتأتي الآن تبكي رويّا على مشارف النهايات اتخذ من النّهايات ملاذا له و سكنا...

 


لماذا تركتَ الحديقة تغفو
كطفلٍ يتيمٍ على مُقلتيّا
وخبّأتُ في فيكَ ريقي
فكيف تنام الزهورُ
وتذوي مَليّا؟
وما أشفق القلب يومَ بكيتُ
فكيف بك الآن تبكي الرَويّا؟

 

       يا لها من ملحمة وجدانية  إنسانية هادئة و  عالمية تتخطّى حدود الجمال و البهاء و الخلود  .

تونس في 16/04/2020

          

4.    مع الشّاعر المغربي عباس سمامي : في رائعة من روائعه الشّعرية .

               قصيدة مفتّحة الأبواب للشّاعر الأديب المغربي عباس سمامي أهداها إلى أحبابه الغائبين.. محبوبته تاج حبّه  وأصدقائه المقربين...

والقصيدة صرخة مدويّة في آذان الغياب الرابض، وكتلة وجدانية متكاملة متّحدة تبرز فيها الوحدة الموضوعية كمنحوتة جدارية فارقة ومميّزة.. هي أنفاس مترابطة متدفقة يصعب تجزئتها وتقطيع أوصالها المتلاحمة...

وأنت لست معي 

أرتق آخر جرح في صدري

آخر حرف في سطري

ترى؟

هل ستذكرني الريح؟

التي تعوي

غير بعيد!!

وسادتك

التي بللها

مطر حار غزير

ذات غياب !!

لن يكون للشمس

دخل فيها

         لم يرّصع شاعرنا قصيدته بعنوان خاص على عادة شعرائنا الأوائل تاركا لعقولنا وأرواحنا حريّة الاختيار وذلك حسب قوّة ذائقة القارئ وإحساسه بجمالها في الاهتداء إلى عنوان يليق بمقامها المناسب...فهي كعروس تنشد عاشقا ولها...

             ففي مقطوعته الأولى نراه يوجه نظرنا إلى قضيته المركزية ...غياب محبوبته وكثير من أحبّته المميّزين؛ فالغياب بالنسبة إليه كابوس نفسيّ مضطرب عاصف، ما إنّ يتعلّق بقلب واله وروح عاشقة لم يتركهما حتّى يستخرج من بواطنهما اعترافات سعيدة    أو حزينة أو حائرة..

وها هو شاعرنا نراه رأي العين في مشهد درامي متحرّك    يفتّش بين جوانح روحه المرهفة الجيّاشة بحثا عن محبوبته الغائبة بدنا وهيكلا، الحاضرة روحا وصورة بعدما أرّقته ذكراها معبّرا  بالصدر إشارة إلى قلبه إذْ الصّدر يعدّ البيت الطبيعي له، وهذا من باب التّعبير بالجزء عن الكلّ ولا يخفى ما في هذا الأسلوب من جمال مبثوث وإشارات بديعة.. ليصوّر لنا عظم الجرح الغائر الذي ألمّ بالصدر وجوفه وأضلاعه ولحمه وشحمه ودمه وطبعا قلبه النازف دما من بعد ما استنفذ كلّ الطرق الممكنة و الوسائل المتاحة المادية منها و المعنوية ، و لم يتبق في جعبته إلاّ حرفا أخيرا  في سطر الذكرى ليرتّق به صدع صدره المضطرم ، و جرح قلبه المهضوم   ، و نزف روحه المتدفق..

و بلغة رومانسية حانية يستنطق بعض الجمادات و قد تمثلت له في صور شخوص ناطقة شاعرة ،و يبرق لها بتساؤلاته المشروعة  ..تساؤلات محبّ متيّم و مؤرّق حائر... و نراه يفعّل شريط ذكرياته الجميلة سائلا الرّيح العاصفة التي تهبّ و لها صوت يشبه عواء الذئب و زمجرته ليعكس ردّة فعل اهتزاز صدره الذي يسمع له أزيز كأزيز الرّيح من شدّة تسارع دقّات القلب و ارتدادات زفيره و شهيقه...  ثمّ يلتفت ثانية ليسأل وسادة محبوبته المتيّمة و قد بللتها دموعها السا خنة من شده هطول غيمات الغياب المؤلم ...                و  يستعير صورة المطر الحار للتّعبير عن ذلك المشهد المتواري عن أعين الناس داخل جدران غرفة تحتضن صديقها الظلام المعتم....

 الغائبون كثيرون

هذا المساء

كل يجري

لقاء حتفه

حرفي يمنحني اللجوء

حرفي يعوضني

عن كل فقد

حرفي الذي تبقى لي

كفيل أن يهبني السكينة

لأعد حقيبة السفر

ألملم ما تبقى مني

لأعيد رتقه من جديد .

            و لعلّ تأثير جائحة الكورونا زاد من مضاعفة همومه و أحزانه  و جروحه إذْ حال بينه و بين أحبابه   و أصدقائه...و يعترف مقراّ  باعترافه غير لائم للشمس التي ترمز إلى الإشراق المتجدد و النفع المغدق  و الدّفء الممتدّ و الإحاطة الشاملة الدائمة       و لكن يوجّه لومه و انتقاده إلى المساء الجزين غير المرغّب فيه إشارة  إلى فيروس كورونا  الفتّاك ..  هذا المساء الرماديّ الذي حتما ستقهره عتمات الليل المطبقة الزاحفة لتزيد من مأسوية  هذا الغياب القاتم الحالك و الجاثم على صدره الباكي  ..متعدد الأطراف   و الاتجاهات و الأبعاد المكانية و الزمانية و الإنسانية  ...

         و لم يبق له من معين و لا ناصر إلا حرفا..ربما آخر حرف في كنانة سطره الأخير أيضا ليرمم به شقوق غياب يزداد حملا و تبعات مع تسارع جيش الظلام العرم و توالي عقارب الزمن .. حرفه الذي لم يغادر فكره و لم يبرحْ روحه  و قد  غاب عنه الجميع ليرتمي   في أسرّه أحضانه النّاعمة شاعرا بوجوده محتفيا بمكانه و استمراره...  إذ هناك   في أعماق دواخله تكمن السكينة الروحيّة و الطمأنينة النفسيّة و لا يزال الوقت كافيا لإعداد حقيبة السفر ..حقيبة تحمل أسرار ماضيه ..نجاحاته.. خيباته...آماله...آلامه.. أفراحه و أتراحه...   و تضمّ أيضا من بين أغراضه  بعضا من مستقبله المنشود و المشحون بالأسرار و كثير من  المفاجآت و المفارقات والغيوب...فلعلّ التجاءه إلى أحضان حرفه الأخير و دفئه و أمنه يمنحه فرصة جديدة للملمة رتق صدره المتصدّع من جديد لاستقبال غد مشرق ..باسم  الثغر.. ضاحك العين هانيها ...

              هذا ما وفقني الله إليه من ملامح جمالية في قصيدة شاعرنا النّثرية الحالمة التي نثرها لنا بلغة سلسة حانية.. و بألفاظ مختارة بعناية و رويّة يدور رحاها بين أمل        و ألم ..   و معاني غزيرة ساحرة تبوح ببعض أسرارها و ما خُفي لا شك أعظم   و أمتع  و أنفس.. و بالله التّوفيق

و بهذا يسدل السّتار و يعيد شاعرنا الكرّة من جديد.

منوبة – تونس – 17/04/2020

 

5.    مع  الشّاعرة الجزائرية حسناء بن نويوة في قصيدتها " وأحبُّني أكثر..."

 

         سنحاول الإجابة عن عنوان القصيدة " وأحبُّني أكثر..."  للشاعرة أسماء بن نويوة   و نكتشف معا مدى صدقيته من عدمه ، و هل هي تقول الحقيقة أم أنها تختفي وراء عناوين كبرى على طريقة الإشهار الموّجه عموما  و التضخيم الإعلامي الجالب..؟..

لذلك فسأنحو في معالجة هذه القصيدة  نحوا آخر على خلاف قراءاتي السابقة ، محاولا أن أبتعد عن الجوانب الجمالية و مختلف المجازات و الاستعارات التي تزخر بها القصيدة      و التركيز على بنائها النفسي الغالب محاولة منّي للتسلل لأعمق نقطة ممكنة من نفسية الشاعرة المرأة ما استطعت إلى ذلك سبيلا...

 

وأحبُّني أكثر...

وأحبُّني أكثر في عينيك

حين تراني الوحيدة من حولك

وأحبُّني أكثر في قمصانك

وربطات عنقك

المعلّقة على مشجّب الانتظار

وأنت تخبئها في قلبي

وأحبُّني أكثر في سجاجيد صلاتك

وأنت ترفعها خمسًا بالدعاء لي

وأحبُّني أكثر حين أركض خلفك

كشمس تعرّج على وقع امتدادك

وأحبُّني أكثر وأنا أتعثّر بأسبابك القديمة منها والجديدة

وأحبُّني أكثر حين أتابع بحماس نشاطك

ما حالتك؟ كيف أنت؟ ماذا فعلت؟ من زرارك؟ ومن زرت؟

وأحبُّني أكثر في حوض أسماكك الصغيرة

وفي شقاوتك المثيرة

وفي مزهريتك المحاذية للكتب

وأحبُّني في رواياتك وقصائدك المجنونة

وأحبُّني أكثر حتّى في قصصنا المبتورة التي أنهكها الحلم

وأحلم....

وأحلم بك متّى تجيء

وأحلم بالهداية

وفي صدري غصّة وألف لقاء

وأحلم بوجهك الغائب الذي اختار الرحيل

وجعلني بكلِّ هذه الأحلام الكسيحة العذراء

وبكلِّ هذا السفر المفتوح للرِّيح.

 

   و للوصول إلى هذه الحقيقة النفسية الكبرى المتوارية وراء كمّ هائل من الألفاظ التي يترتّب عليها كمّا أكبر و أضخم من المعاني المحتملة و الممكنة سأعمد بإذن الله إلى تقديم بين يدي القصيدة - إحصاء شامل واف لمفردات قاموسها بمختلف اشتقاقاته و صيّغها التركيبية ...

و بداية و وفق المنهجية المتّبعة فقد تمّ رصد أربعة مجالات تندرج تحتها مفردات القصيدة  " وأحبُّني أكثر..." ...

1.    مجال الرجاء و الأمل و يشمل ثلاثة و عشرين مفردة مرتّبة وفق ورودها المكاني[الحبّ مكررة 12 مرّة – الكثرة – العيون – القلب – الصلاة – الدعاء – الشمس – العروج – الامتداد – الحماس – النشاط – الحوض- السمك – المزهرية -  الكتب – الروايات – القصائد – القصص – الحلم – المجيء – الهداية – الصدر - اللقاء] ؛

2.    مجال اليأس و القنوط و يشمل اثنى  عشرة  مفردة مرتّبة وفق ورودها المكاني [الوحدة – الانتظار – الاختباء – الركض- التعثر – الأسباب – الشقاوة – الإثارة -  الجنون – البتر – الإنهاك – الغصّة ] ؛

3.    مجنا الأغراض المنزلية و يشمل أربع مفردات مرتّبة وفق ورودها المكاني [ربطة العنق – السجادة – المشجب – حوص السمك] ؛

4.    مجال أدوات الاستفهام و يشمل خمس أدوات مرتّبة وفق ورودها المكاني [ما – كيف – ماذا – من – متى ] .

و بالعودة إلى هذه المجالات الأربعة و التي يمكن الجمع بينها في شكل ثنائيات متوافقة من حيث الموضوع و الدّلالة ينتج لنا ثنائيتان : [الرجاء

الأغراض]المنزلية؛[اليأس / علامات الاستفهام] .

و بالنظر الفاحص و الكاشف تنجلي أمامنا حقائق كبرى توجهنا مباشرة للوقوف على معالم  الاتجاه النفسي الغالب على روح الشاعرة / المرأة ...

·      الحقيقة الأولى : غلبة مساحة الأمل و الرجاء على حساب مساحة اليأس و القنوط            و عليه فلسنا نجازف إذا سلمنا بإدراج هذا النص الشعري في خانة الإيجابية النفسية      و أنّه يفتح للقارئ أبواب الأمل على مصارعها مساهمة من الشاعرة في إشاعة روح الأمل و تذكية جذوته في نفوس التّائهين و اليائسين... ومن ثمّ فعنوان القصيدة  عنوان يخفي حقيقة المشاعر المسيطرة على نفسية الشاعرة / المرأة .

·       الحقيقة الثانية : تبرز اهتمام المرأة بأدقّ التفاصيل المتعلقة ببيتها الخاص بما فيه الرجل نفسه و هذا ما يعكسه المجال الثالث إذ يعتبر الرجل متاعا من أمتعة البيت نفسه ..إذ لا يفوت المرأة حتى لون ربطة العنق و كثرة استعمال الرجل   للسجاجيد   بنية الصلاة    و الدعاء  و بصيغة الجمع دلالة على كثرة متابعتها  و مراقبتها الدقيقة لكل ما يتحرّك  في مملكة عرشها و حتّى و إن تعلّق الأمر بعلاقة الرجل بربّه...و هذه إشارة واضحة تعكس نفسية المرأة و على الرجل أن يحترم فيها هذه الخصوصية السادسة ..

·      الحقيقة الثالثة : يستفاد من المجال الرّابع استفاء الشاعرة / المرأة لجميع الأدوات الاستفهامية المتعارف عليها علميا (ما/كيف/ماذا/من/متى)  مع ملاحظة  سقوط علامة سادسة كدلالة نفسية فارقة و هي "أين" فنراها لم ترد إيرادها بقصد احتراما للقدو الغيب بالرغم من أنّ الخيال و الأحلام تمنحها الفرصة للالتقاء برجلها /ا/لمنتظر لكنها آثرت تركت ذلك للأقدار و عدم الاستعجال و الاتكاء على مشجب الانتظار و عامل الزمن...  و هذه مفارقة أخرى في المرأة العاقلة والصّابرة و الواعية..

·      الحقيقة الرابعة : ضمورمساحة اليأس و القنوط في نفسية الشاعرة /المرأة بالرغم مما تحدثه جعجعة تدمّرها المستمر، و ردّات رجع سخطها الصاخب  من إيهام الرجل بأنها غير راضية  تماما و ما يتبعها   من ألفاظ ذات أجراس تصب الزيت في النّار...                 و هدا ما يعكسه المجال الثاني بجلاء ...

·      الحقيقة الخامسة : بالجمع بين المجالين الأول و الثاني يمكننا تصوير الحالة النفسية المضطربة للمرأة عموما و صور الضياع و الحيرة و تشتت فكرها ..و ذلك بالاعتماد على الإيقاع الموسيقي لعنصريّ الطّباق و المقابلة في شكل ثنائيات هذا نزر منها..[النشاط/الانتظار – الركوض/ التعثر – الإنهاك / النشاط – الحماس/الانتظار – العروج/الاختباء – البقاء/ الوحدة – الحماس/الاختباء] ...فنحن أمام امرأة تنشد الاستقرار..فتارة تتحمّس فتنشط و تارة تتعثّر فتختبئ و حينا تنشط فتعرج و تعانق الشمس..و أحيانا تنتظر فتجن ثمّ تشقى ..و فينة تنهك فتغضب و تتنغص حياتها...     و هكذا حالها كريشة في مهب الريح ساقطة...

و هكذا يصل بنا المطاف إلى الوقوف على بعض الملامح للحالة النفسية للمرأة العربية و المسلمة عموما و المثقفة منها بوجه خاص  و كيف أنها تعاني بصمت و تحترق في هدوء و تنمّ على عظمة المرأة و مختلف تقاطعاتها التي تترنّح بين أمل منتظر مشرق        و ألم محبط مستتر....

تونس- 19/04/2020

 

 

 

 

 

6.    على ذمة الشروق ...قصيدة نثرية للشاعرة المغربية نبيلة الوزاني

 

على ذمّة الشروق

 

في أوج اشتعالِ الأنين

أثناء النّور الشاحبِ

المقنَّنةِ قبَساتُه

كم من شفاهٍ

احتستْ ألوانَ الوجع

وعيونٍ تبحث عن مخبأٍ

يدفنُ الألم !!!

 

         قصيدة سداسية المقاطع تستمدّ أنفاسها نت واقع مرير فرضته جائحة كورونا 19 - بلغة شاعرية تراجيدية و أجراس مباني قويّة ومعان تتراوح بين الأمل و الإشفاق              و التحذير و التبشير...فالعنوان يحوي ملمحا تطمينيا استباقيا حيث يشيع الأمل               و الفرح.. فالشروق قد عاهد مريديه المذعورين بالأمان و أدخلهم تحت حمايته فلا خوف و لا حزن و لا هم...و متى أخلف الشروق وعده و انبلاجه كلّ صباح.. ففي المقطع الأول تصوير بديع لحالة الذعر و الحزن التي انتابت البشرية من جراء فتك هذا الفيروس بكثير من الأرواح.. و تترجم هذا الرعب في لغة الشفاه /الدعاء                          و الدموع/العيون..

تُخبِرُ قواميسُ التّعقيم

خلال عهد التّاج الأسود

أنَّ مَن يتحدث بلغةِ اللمسِ

متهوّرٌ جداً

يصافحهُ الضيفُ التاسعُ

بعدَ العَشرةِ بلا قفازٍ حذِرٍ

يُفسِحُ العناقَ

للمساتٍ أخطبوطيةِ المسالك

تنسكبُ سُمّاً

في خلايا الحياة

 

أما المقطع الثاني فواقعي بامتياز إذ يعكس الاحتياطات الازمة لمجابهة الفيروس الكاسر من تعقيم و عدم اللمس و المصافحة و ارتداء القفازات...

العنادُ زمنَ الحيطةِ مُخادعٌ جبان

يتخفّى تحت طواقيَ

مِن فاقةِ الإرادة

ويكتسبُ جنوداً

مِن نحافة المناعة

ويًهدي لمُريديهِ كمّاماتٍ

سوداويةَ الأنفاسْ

فأيَّ هواءٍ ستختارُ

لممارسةِ الزفير؟

 

        و أما المقطع الثالث فيصوّر بعض مظاهر الاستهتار من طرف أشخاص غير واعين   و مدركين لخطورته القاتلة و عنادهم الخشبي بعدم التزامهم بالحجر الصحي المفروض..

 

على مشارف الأمل

قبل إغفاءِ الشفق

سكونٌ منتشرٌ

وانهمارُ محاولاتٍ

بمسحِ اخضرارِ الخوفِ

مْن ضلوع الجَلَدْ...

أيتها اللغة البيضاء

أيخافُ النهارُ من تفاقُمِ الظلام؟

أتغمضُ النجومُ إلى غير بريق؟؟

هل ستقلبُ المحاولةُ

عرشَ هولاكو المستجد؟

قيدَ بصيصِ حضارةٍ

اندثرت عنها ملامح السماء

إذا ما أغلقتْ ريحُ العتمةِ

نوافذَ الضوء

كم جميلٍ

أن نرسمً أبواباً

بألوانِ الشمس في قلب الليل

كم جميلٍ

أن نرتديَ الأخضر

إذا ما تلكّأت الفصولُ

عن مصافحة الربيع

 

                و في المقطعين الرابع و الخامس ينجلي الأمل في أبهى صوره من اجتهاد مضن للعلماء و الأطباء بحثا عن دواء أو لقاح يخرج البشرية من قلب الليل الرابض فتصافح الربيع و تتوشّح باللون الأخضر ..لون السلام والبهاء و الأرض.

 

هيتَ أيها الغروب

جنينُ الشروق أنت

والصباحُ عن نسائمهِ

لنْ

ي

غ

ي

ب.

،،،

       و يأتي المقطع الأخير ليرسخ ضرورة انحسار الحزن و الظلام لصالج جحافل الإشراق و يومها يفرح الناس و تعم الفرحة و السلام... قراءة متواضعة لحروف لازالت تخفي أسرارها بعد...

 

7.    قراء ة على عجل لخاطرة بلا عنوان للأديبة ليندا رحال من لبنان

النّص :

مبعثرة أوراقي على منضدة مركونة

في زاويه باردة ...

هجرتها الشمس لحظة تسلل الغروب

من نافذة عاليهْ

لا تطالها يدي

المرتعشة خوفا

من مارد الوقت

المذبوح على مذبح الانتظار

         عندما تختلط الأوراق ، و تتزاحم الصور يتيه العنوان فيخرج النّص حرا طليقا بلا انتماء و لا مرفأ...و أديبتنا قد تبعثرت أوراقها و تشتت أفكارها و تزاحمت على منضدة روحها المشتتة مما دفعها إلى ركن كلّ همومها و أحاسيسها في زاوية باردة فاقدة للإحساس     و الروح و الحياة و الحركة.. حتى الشمس في سماء روحها قد تأخرت عن ميعاد شروقها  بل و هجرت سماءها فاسحة المجال إلى تسلل عتمة الغروب              و الأحزان ..

و للأسف فلا سبيل لها لغلق تلك النافذة المُشَرعة دفاتها أين تسللت غيمات العتمات       و هي من عالم الغيب الذي لا قبل للبشر من تغييره فهو في حكم القدر المحتوم الذي لا مفر من وقوعه...و ما حيلة أديبتنا و قد تسرب إليها الضعف و الوهن و اليأس             و الضجر و أصبح الموت ماردا يهدّدها في كلّ حين و آن...و لا تملك إلا حسرات الانتظار و سيوفه القاطعة  تنخر في سويداء روحها ؛ فالوقت عندها كائن ميت قد ذبح على النُّصب فلا رغبة لها في الحياة و الاستمرار بعد إذ ..

أمّا عن جماليات اللغة و أساليبها التركيبية  فالنص بادخ رقراق تكثر فيه الصور الفنيّة حيث تتناغم بين الحقيقة الوجدانية المسيطرة والخيال الجامح المنطلق فينتج من تعانقهما صورا بيانية حيّة  تدغدغ الأرواح و تطرب لها النفوس.. اللغة سليمة و سلسة  مع توظيف كثير و بسهولة  لكمّ هائل من المفردات المتناقضة  و المتناسقة في جمل قصيرة..

الجزائر 27/04/2020

 

8.    مع الناثرة عشتار الشمري في قصيدتها النثرية – العراق -

 

««أحلام قاصرة»»

 

رسمت غدي الحالم... على صفحات الامل

ركضت باتجاه الحب ........مدفوعة بحلم

حررت روحي أشعلت قناديلي .....بظلمته

كانت ضحكاتنا سماويه........... تمطر فرح

فتجذر الحب ......واخضر جذعنا اليابس

 

           في ثلاثة مقاطع و بلغة سلسة سهلة ترسم لنا الشاعرة خريطة طريق واضحة لمنحناها الوجداني النفسي عبر أزمنة ثلاثة ..و اختارت هذا التشكيل لقصيدتها بقصد   و سبق إصرار و ترصد...

العنوان "أحلام قاصرة" ..عنوان فارق و صادم إذ أنّه لا حدود زمانية  و لا مكانية للحلم تحدّ من حركته و انطلاقته فكيف به هنا أصبح قاصرا و لا يقوى حتّى على السباحة في بحار الخيال و المجاز و الاستعارات...

و دون حبكة أدبية و تقدمات تحفيزية تقذف بأرواحنا و عقولنا إلى صلب المأساة ..

 

المقطع الأول:  البدايات : حلم تحقّق و فرح تجذر فاخضرّ عوده و اشتدّ ساقه               و أورقت براعمه و أتى أكله و ضحكات حالمة و تحرر و انطلاق لا حدود له ..

 

الغياب وجع....... والانتظار ......احتظار

فشدني الهم ..............الى هاوية الحزن

واختفى التجلي................. وحل الملل

المقطع الثاني :  المآلات  : التّحوّل من النقيض إلى النقيض ..غياب جاثم قاتل – انتظار طال مداه قتل الرغبة في الانطلاق من جديد- اجتماع الهم بالحزن ..فلا مستقيل يُؤمّل   و لا ماضي يستذكر -  ضمور الأحلام و اختفاؤها في سراديب الأمل المغيّب.

صمتت أسألتي........... التي تنشد الحقيقة

على مخارج الشفاه

وعيوني باحثة............... عن اجوبة حائرة

مكبلة بالرجاء ......

........هل أفرطناااا بالأمل؟؟؟

وكيف أداري سوأة الألم؟؟؟

المقطع الثالث : النهايات : إعادة التّشكيل و مناقشة المقدمات و القناعات – هجوم جيوش التساؤلات و الشكوك – ضرورة البدء  من جديد...

لتختم مأساتها الحزينة بتساؤلين كبيرين:

هل وقعت في وهم تضخيم الأشياء فأخطأت التقدير و جنت حصاد زرعها خيبات و حسرات ؟

و كيف تتعايش مع نتائج حصادها المرّ..؟

و تركت الإجابة للقارئ نفسه ليشاركها بعضا من مأساتها....

 

تونس 27/04/2020

 

 

 

 

 

 

 

 

 

9.    جولة وجدانية لقصيدة بلا عنوان للشاعرة  شذا رفعت – العراق -

النّص :

حين أكلمك

اكون في افكارك

ونبض قلبك

وهمس اوتار عودك

 

للشاعرة موقعان تتموقع فيهما في نفس اللحظة و هذا من أعجب العجاب.....محبوبها و حروف أشعارها...

و تحصل هذه الظاهرة العجيبة أو الحالة الاستثنائية الوجدانية عندما يتوفر شرط أساسي...أي حين تكلّم محبوبها ...و لنلحظ فعل الكينونة لأنّه هو الذي صنع الفارق..."أكون"....ثم في المقطع الثاني "تكون"..

فموقعها الأول أفكار محبوبها و نبضات قلبه و همسات أوتار لحونه...و هذه الثورة هي قمة الذويان و التناغم غي الآخر.. صورة تعكس مدي الحبّ الرابض في بحار قليها الهائجة التي لا تستقر إلا بين أخضان نلم الأفكار و النبضات و الأنغام...

 

تكون حروفي على قارعة الانتظار

أتوه بين نسمات غافية

على جفون اللهفة

لكلمات انتظرتها

مختبئة بين اوراق الورد

غُمرت بعبق الشوق و الحنين

لتستنفر ابجدية

مخبأة تحت الضلوع

وآه ل ليلي وصبابتي

ولحن غربتي

 

             و في هذا المقطع الأخير يتضح جليّا تموقع حروف أشعارها ..فالأحاسيس         و المشاعر سبقت الحروف بمسافات طويلة و كأنّها تستعجل اللقاء ..و ها هي حروفها تستجدي رضا و التفات محبوبها و تجلس على قارعة الانتظار تأمل نظرة حانية و أراها تغمض عينيها في إغفاءات تستعجل اللقاء  ، و في جوفها من الكلمات المعسولة والمخبأة الشّيء الكثير لتفرغها في بحر قلب محبوبها المنتظر ..

تلك الكلمات الرابضة المشتاقة المعطرة بعبير الشوق المعتق و أوراق الورد الناعمة الناضرة  تستفزّ بل و تستنفر حروف الأبجدية مجتمعة و محتشدة عساها أن تنجح في التعبير عما يختلجه الفؤاد و يكنه الضمير من صبابة و غربة...

و من شدّه صبابتها طفقت تجدد أسطورة قيس و ليلى و لكن  في كبعتها الجديدة           و المعاصرة..

لقد نجدت الشاعرة في تصوير حالتها الوجدانية  ببراعة و بلغة سلسة و دافئة الأجراس لكنها بعيدة الأثر و مستفزة أيضا...

تونس 28/04/2020

 

 

10.                      ملامح الهايكو في شعر  الشاعرة حسناء بن نويوة ــ الجزائر ــ

 

             الشّاعرة حسناء بن نويوة من القلائل الذين خاضوا تجربة كتابة الهايكو الياباني .. و "الهايكو" فن من فنون الشعر الياباني يحاول فيه الشاعر التعبير عن أشياء عميقة ومشاعر أعمق  من خلال بيت شعري واحد مكون من 17 مقطعاصوتيا،(بحسب الألسنية اليابانية) تكتب في ثلاثة أسطر عادة ..و هذا التعريف شائع و متاح...               و قد بدأ هذا النوع من الشعر في الانتشار و إيجاد موطأ قدم له إن على مستوى العالم العربي أو على مستوى بلدنا الحبيب ..و لعلّ الشاعرة "سعدية حلوة "من اللواتي اعتمدن  في ديوانها الأخير هذا النوع من الشعر غير أنّها أخضعته من حيث الوزن إلى بحور الخليل الفراهيدي و بهذا تكون خطت خطوة متقدمة إيجابية محاولة منها احتوائه  و إخضاعه لقواتي الشعر الخليلي عكس شاعرتنا حسناء التي حافظت على وحداته      و مقاطعه مع قليل من التحوير والتغيير.. 

و لعلّ أقرب تسمية عربية للهايكو هو " شعر الومضة و التّأمل" ..فهو يأخذ من الومضة الشعرية بحظ و من التأمل بحظ أي يجمع بين الاختصار و الاقتصاد سمتا هذا العصر و التأمل الفلسفي الذي هو سمة الفلاسفة و المفكرين ..و حسب تتبعي لشّعر الهايكو عند "حسناء بن نويوة  " فإنّني وقفت على عدة ملاحظات مفصلية جمعت بين روعة الاختصار غير المخل ،  و عمق التأمل الفلسفي و هذا ما يهدف إليه شعر الهايكو الياباني...

هناك عدّو تعريفات للهايكو لأكاديميين و باحثين عرب و أكتفي بتعريف واحد مفاده بأنه: "مشهد عادي تصفه بطريقة غير عادية"  للكاتب الأردنّي محمود عبد الرحيم الرجبي...

 و حتّى تكتمل صورة الهايكو كان علينا لزاما من إدخال عنصر التّأمل الذي بعطيه بعدا آخرا جاعلا من العاطفة الجياشة ملمحا عقليا تدركه الأوهام و تتلمسه الأفهام...                                                                                        و التأمل بصفة عامة هو تدقيق النّظر في الكائنات و حقائق الأشياء بغرض التفكر            و الاتعاظ...و فيه معنى الثبات و الاستقرار و  طول الانتظار أملا في الوصول إلى أبعد نقطة ممكنة من دالة التفكر و قمة بيان الاتعاظ و التّأثر ...    و لا يختلف المعنى اللغوي عن هذه الدلالات الاصطلاحية لمفهوم التأمل...

و بعد فقد اخترت بغير قصد و لا ترتيب مجموعة من الهايكوات للشاعرة بغرض الوقوف على ملامح الحقيقة النفسية و العقلية أو الفلسفية التأملية في شعرها و كذا الاستمتاع بالجانب الجمالي الفتّي في حروف شعرها الأنيقة الساحرة و استنطاق مكامن الجمال و الفلسفة و البيان المتوشّح بها شعرها الجميل...

و مع أول هايكو لها....

 

·      الطِّين

يكتب القرويّ

مُستقبله!

 

الطين يرمز إلى أصل الإنسان و لكنه حالة متولدة عن مزيج بين التراب و الماء بحيث يصير قابلا للتطويع و التشكيل و حتى النّحت نقسه ..و الطين عموما يرمز للبساطة       و للتعب و بذل الجهد ...و يشير أيضا إلى الفطرة البشرية قبل أن تغزوها هذه الحضارات المتوحشة و المدنيات المتعطشة للسيطرة و البطش و تعبيد الانسان وسلب حريته          و حقوقه... لذلك فالمستقبل سيؤول في النهاية إلى ذلك القروي البسيط القانع السعيد و ستأكل تلك الحضارات المتصارعة نفسها بتفسها..تماما كالنار هيث لا يبقى إلاّ الرماد تذروه الرياح  ...

أربعة ألفاظ مفصلية يدور عليها هذا الهايكو :  الطين...الكتابة...القرية...المستقبل        و عندما تتناعم هذه الأربعة يتولّد منها الحضارة الإنسانية الكامنة في نفسية الشاعرة...

·      حروفٌ متلاطمة

يشتهي البياض

قصيدة

             في هذا الهايكو صورة جمالية للحظات الأولى التي تسبق ولادة القصيدة وتشكّلها..نفسية الشاعرة قبل ولادة القصيدة تشيه إلى جدّ كبير تلاطم أمواج البحار غير أن أمواج النفس هنا هي حروف الشعر المتلاطمة و المتزاحمة و التي تسعة لتنال شرف اختيارها و اعتمادها في بنية القصيدة و بذلك تتحرّر من سراديب الوجدان       و سجون الذاكرة و دهاليز الذات .... و البياض معروف و رمزيته أشهر من نار على علم..النور ..الفطرة..الأمل..التوفيق..النجاح..الشروق ..البدر..الشمس..كمّ هائل لا حصر له و لا عدد...غير أنّه قد سجن داخل الذات البشرية و لن يتمكن من تحريره إلاّ شاعرا فنانا مدركا لمعاناته و مأساته...  و بذلك فكل قصيدة تحررت تكون قد خضعت لمخاض عسير كابده شاعر منقذ في صورة بطل... الحروف..البياض.. إرادة التحرر..القصيدة مفاتح مهمّة في ولادة القصيدة و صناعة الشعر ... 

·      آناء اللّيل

تبزغُ القصيدة

ترياق!

       هذا الهايكو صورة أخرى لما يعانيه الشاعر من غربة و وحشة فيلجأ في النهاية إلى  أحضان القصيدة التي هي بمثابة الوطن لكم لا وطن له و الأم للذي لا حضن له               و للخب لمن لا حبيب له .. هي الدواء و الترياق و البلسم ... و هذا الهايكو لا يختلف عن سابقه فهما يصيان في مصب واحد فقط الصورة أُخذت من زاوية نفسية أخرى ...الليل..البزوع..القصيدة..الترياق محدّدات نفسية لوطن الشاعر الحقيقي يل هي البلسم الشافي لجراحات غريته و وحشته و وحدته....

·      أتهجَّى الغياب

تتنهّدُ الزّفرات:

أيْنُكَ؟              

في هذا الهايكو تصوير بديه للحظة التي تسبق ولادة القصيدة و ما أشدها من لحظات  مؤلمة و قاسية ..و كأنّ للغياب أبحديته الخاصة التي تستوجب من الشاعرة محاولة تهجيها و قراءة حروفها و الاهتداء إلى مبررات تخفّف من شدّة الزفرات المزمّلة بتنهيدات عميقة مجّها الفؤاد ...ليبقى سؤالا واحدا يؤرقها .. أيْنُكَ؟ ..ترى من يكون هذا البطل المنتظر..هذا المنقذ الرمز..ليسدل الستار و لا يزال البحث جار هن هدا المنقذ الأسطوري...ربما حبيب..صديق ..أخ..منصب..أمل..رجاء و القائمة مفتوحة...و الإجابة إذن مؤجلة لحين تفصح عنها الشاعرة نفسها..

التهجّي..الغياب..الزفرات/التنهيدات..التساؤل ...هي مفردات هذا الهايكو الذي يصوّر مشهدا مهرّبا  لمعاناه و مأساة يعيشها قلب الشاعرة عندما تخلو مع نفسها...

·      أزرق.. أزرق

هذا المدى

صاخب صوت الرّيح.

        اللون الأزرق رمز للفضاء الرحب الذي لا يحدّه حدّ و ما التكرار( أزرق ..أزرق) إلا توكيدا لفظيا لسعة هذا المدى الذي لا أول له و لا آخ و الذي عبثا تحاول الشاعرة استكشافه و  الوقوف عند أسراره...لكن هيهات هيهات فها هي تقف عاجزة مستسلمة بل و تصرّح عن خيبة أملها في فكّ شفراته العجيبة...فالمسكينة لم تجني من محاولتها إلا  صعب صوت الريح و جلبتها...و الريح إذا أفردت و لم تجمع فعي ترمز إلى العذاب و الحيرة و الشر أما إذا جمعت فتعني الخير و البشائر...و هذه حقيقة قرآنية بامتياز..ريح صرصر عاتية...ريح لا تبقي و لا تذر...

الزرقة..المدى..الصخب..الريح..أدوات هذا الهايكو الذي يصور تشتت فكر الشاعرة   و شدّة حيرتها و كثرة تردداتها و بأنها لا تزال في رحلة بحث مضنية لا طائل يرجو منها...و ما حصادها إلا صخب الريح الذي لا يغني عم الحقيقة المرة شيئا..

·      أتعبني الإصغاء

كم بارع

نحّات الرّيح!

         هذا الهايكو عو صورة للحيرة و التشتت اللذان يلازمان  نفسية الشاعرة و هو يجري في نفس سياق الهايكو السابق بل هو تفسير له ..ففي الهايكو السابق صورة للانطلاق و البحث و في هذا الهايكو ثورة لانعكاسا ذاتها من الداخل لتعلن هزيمتها   و تقر بانتصار نحّات الريح كناية على رجوعها من رحلتها بخفي حنين أي أنها لم تجن إلا ثمار الريح...

التعب..الإصغاء..براعة النحات..الريح... هذا الرباعي المتكاثف صنع الحدث باحترافية كبيرة و أدخل الشاعرة في دوّامة الفشل و خسارة المعركة...

·      أوراق متساقطة

رائحة عابرة

خريف وحيد

     هذا الهايكو صورة كالحة السّواد لنفسية مهزومة مهزوزة..حيث نرى الشاعرة تشبه رحلتها بأوراق الخريف الصفراء المتناثرة ذات الرائحة العابرة..و الرائحة كناية عن الأثر المورث و الباقي بعد مغادرة الروح  لهذه الأرض العامرة...يل و نراها تصف لنا تفاصيل حياتها  و بأنها لم تحض بتعاقب الفصول من شتاء و ربيع و صيف و أنّها لم تشهد إلاّ فضلا واحدا و وحيدا..فصل الخريف و كفي...

و يأتي هذا الهايكو ليبرز لنا قطعة أخري من أجزاء مساقطة لمشهد خريفي وحيد الفصول...الأوراق..التساقط..الرائحة..الخريف ..أجزاء قطعة لصورة نفسية مهترئة مشتّتة و منهزمة منهارة....

و هذا السياق التراجيدي تتعاقب باقي  الهايكوات و بالقياس على تفاصيل ما سيق تتضح مسارات الهايكوات الباقية ...فالشاعرة حالة نفسية مستقرة و لا تخرج المعاني الموظّفة من طرفها من هذا السياق العام....  

·      فوق بلاط الذّكرى

اسمك

لحن غاف!

 

·      في العتمة

عيناك

بقعة ضوء

 

·      فصولٌ مُتعاقبة

حبٌّ يولد

آخر يموت!

·      بدمعةٍ

يحترق الخدّ

وتشيب الملامح

 

·      ليلة الميلاد

كلّ ما تبقّى

كمدٌ راقص

·      شمعةٌ تنطفئ

يبكي العاشق

قطّاف التّمني.

·      على صهوة اللّيل

امتطيت حلمًا ورديًّا

غصتُ في التأمّل

         و أختم هذه الملامح بهذا الهايكو الأخير الذي تعمدت أن أجعله مسك الختام لما يتضمنه من خلاصة رائعة لفلسفة الشاعرة في الحياة و الجمال ..

·      في قارورة

يعصر روح الوردة

عطّار.

         في هذا الهايكو تصور الشاعرة مشهدا دراميّا لمصير المرأة في نهاية المطاف أو في ختام الرحلة و هي نهاية محزنة و مخزية في نفس الوقت... فنراها تشيه المرأة بالوردة و هذا تشبيه يليق بأنوثة المرأة و جمالها ..إن في منظرها أو تناسق أوراقها أو لطف ملمسها أو في عبير شذاها ..لكن لا ينبغي أن نغترّ بالمظاهر فالعبرة بالنهابات .. و كيف يحال أجمل ما في الوردة و هو عطرها ليوضع في قارورة زجاجية يتلاهى بعطرها في الحفلات و المناسبات... إنها ترفص هذه النهاية و لا تريج لروحها الجميلة أن يكون مصيرها زجاجة عطرو كفى...إنها الوجه الثاني للبشرية    و ليست متاعا للزينة    و الاستمتاع...

على الإنسانية أن تقدّر المرأة  ، و تضعها في المكانة اللائقة بها كإنسان و أم و زوجة      و أخت...هذه رسالتها الإنسانية الكبرى تعلنها صريحة مدوّية...

        و يعدّ هذا التطواف الشيّق و الممتع تتبدّى الملامح الجمالية في شعر الهايكو عند الشاعرة حسناء بن نويوة و بأنها نجحت في خوض هذه التجربة و استطاعت أن تعبر عن فلسفتها الحياتية و الجمالية بحروف رقراقة و معاني أكثر صدق و وضوح        و موضوعية و واقعية ...هذا  و بالله التوفيق.

تونس 12/05/2020

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

11.                      نقطة نور في ومضة الشاعرة الجزائرية مسعودة مصباح

النّص :

كقطرة ماء

بعد ظمأ

يسقينا الله من رحمته

ساعة الدعاء

      تبدأ هذه الومضة بتشبيه يقحمنا مباشرة في غمار الروضة  المتوضئة بدموع التوبة و الذل و الافتقار...و قد جاءت هذه التوبة في وقتها المناسب كما جاءت قطرة الماء لشخص على وشك الهلاك من شدّة ظمئه و غليله... و الكاتبة تصوّر لنا هذه الأيام     و الليالي المباركات من شهر الصوم بأنّها الفرصة السانحة للعودة إلى الله و اللّياذ بأعتاب رحمته و ركنه الذي لا يضام ...فلا يطفأ نار النفس إلا غيوث  رحمته سبحانه   و تعالى و حادينا في ذلك ركوب بساط الدعاء و الجؤار و استغلال أوقات الاستجابة و ما أكثرها في هذا الشهر الفضيل... المناجاة تحيل  دياجي الليل و عتماته إلى نور كاشف يبصر به العبد عبوديته الممزوجة بغاية الحب و بغاية الذل  ليحلّق بجناحين من طهر قدسي يخترق به حجب الغيب و أستار الملوك فيعبّ من كاسات الرشد اللدّنّي غرفات و غرفات لكي لا يظمأ بعدها أبدا.. فجزى الله شاعرتنا خيرا

بوح عميق للشاعرة ورق من عبير

 

الاعتراف أحيانا نوع من التنفيس عندما تحاصره صور الذاكرة المرتسمة على جدار الذكريات ...فتستحيل الروح إلى عصف تتلاعب به الريح ...

أنت وكل الحكايا الماطرة،

كعصف أنا أصنع رفات الذِّكرى،..

      و لكن الوفاء و سلطانه القاهر يحتم على الشخص أن يمجد الذكرى و إن آلمته حدة  سيوفها القاطعة.. لأن تلك اللحظات هي ماك للماضي..ثم تتذكر شاعرتنا المكانة السامية التي كانت تملكها في عرش قلب حبيبها و تلك الفتوحات الوجدانية كيف استحالت إلى تيه سرق النضارة من روحها فذبلت كما تذبل الشجرة الباسقة...

أمجدك ببعض حزن، وخيبات وهزائم،

للتيه تتفرع الرُّوح و تذبل،

وقد كنت فيك الرَّايات و معاني الفتح،

و تتأسف للنهاية الحزينة التي آلت إليها و كيف أضحت

راعية للحرف متلفعة بأثوابه و سرعان ما تنفثه كحبات عقد منفلتة...

ها أنا ربَّة الحرف اتسربل العشق وأنفثه انشطارا...

ما أجمل استغراقها  في الفكرة لتخرج منها كنوزا ثمينة .

 

 

 

 

 

 

12.                      أصداء و مكاء  من ديوان "حداء" : قراءة جمالية ...للشاعر التونسي الشاذلي القرواشي

 

          ديوان "حداء" للشاعر التونسي الشاذلي القرواشي الصادر عن دار إفريقية للنشر   - تونس 2020  - في حقيقته مكتبة عامرة تضمّ  في رفوفها أسرار فلسفة عاشقة   و ابتهالات صوفية والهة حتّى أنّي و من شدّة إعجابي به دونت  في آخر صفحة منه  " من روعة بيانه و بهاء حروفه و نقاء سريرة معانيه لم أسطع فراقه حتّى أتيت على آخر حبّة عنب  منه .. شعر صوفيّ ملهم.. فلسفة عميقة حالمة.. صور بيانية فاتنة   و جمالية ساحرة  تتناثر كحبّات مطر عاشق .. ما أروعك شاعرنا [تونس 01/03/2020]  " . 

قصائد الديوان أغلبها من الشعر العمودي الخليلي الموزون و إن كادت دفّتا الميزان أن تستويا و بلغ عدد ها واحد ا و أربعين قصيدة  أي وترية مباركة...

لم يشأ شاعرنا أن يصدّر مجموعته الشعرية بمقدمة على عادة الشعراء تاركا القارئ في تماس مباشر مع نصوص أشعاره ..غير أنّ الملفت للانتباه تصديره لها بهذه العبارة : " زاحمني  فيك ألف حريق ، و لكنني ..ها ..قد نجوتُ ".. و ما أبلغه من تصدير       و أعمقه من مدلول .. و قد عمد إلى طريقة  شعر الهايكو الياباني المملوء بالحكمة   و الجمال و الخبرة و الشاعرية و الأسرار و الرموز و الفلسفة  و هو بمثابة مقدمة كاملة و لا ريب ..هذا المقطع الشعري الهايكوي يوحي بأمرين :

أولهما أنّ هذه الأشعار عاشها فكره و كابدتها روحه فهي كالذهب الخالص الذي فتنته النّار و حرّها و جمرها فخرج ذهبا إبريزا يسرّ النّاظرين و يغري الغيد الحسان .. فهذا الديوان  يعتبر خلاصة تجربة حياتية  بحلوها و مرّها و ليس مجرّد أشعار سيقت للمتعة و الترف الفكري و إن بلغت المتعة فيه و الدهشة ذروتها القصوى و غايتها الأسمى...

و أما الأمر الثاني فهو إعلام مسبق للقارئ بأنّه سيقف على عتبات فكر حرّ مجرّد يعالج قضايا فلسفية و وجودية و إنسانية و روحيه بكلّ ما أوتي من تجرية حياة و أرصدة معرفية و احترافية  كبيرة في نحت الأسماء و الأشياء و الحقائق و البلاغة و البيان و الجمال... و قد ترك لنا عند الفراغ من قراءته و التأمّل في نصوصه و التبحر في مجاني معانيه جملة من التّساؤلات المشروعة و من نقاط الاستفهام و التعجب و الاختصار.. و للقارئ بعد ذلك مطلق الحرية و الاختيار و التبني و الموافقة و الرفض و الحياد      و حتّى التمرد إن رغب في ذلك...

و بالعودة إلى ذلك الهايكو المميّز فإنّه يمكننا حصر كلماته المفتاحية في : الزحمة –             الحريق – النّجاة – أداة الاستدراك "لكن" .. و مما لا شكّ فيه أنّ مصادر الحريق      و إن تعدّدت جهاتها  فمرجعها إلى مصدرين اثنين. .مصدر داخلي باطنيّ و جداني نتيجة طول التأمل و إرهاصات العزلة و التوحّد و احتدام الصراع الفكري بينه و بين عقله  و روحه و قلبه ..و مصدر خارجيّ يتمثل في موقف الآخر من طروحاته  و قناعاته إيجابا و سلبا ..   و هذان المصدران هما سببا الحريق المضطرم الذي لا يترك أخضر و لا يبسا إلاّ أتى عليه و جعله كالرميم ...و نلاحظ بأن الشاعر تعمّد تصدير الهايكو بالزحمة و بصيغة الفعل الماضي ليوحي للقارئ   مقدار هول الحريق داخله بسبب الأفكار المتزاحمة و الأشخاص المعارضين و الرفض المتزايد التي زاحمته من أجل منع هذه الأشعار بل الأفكار من الانطلاق الحرّ الواعي و المسؤول إلى فضاءات النور      و آفاق  الوجود الرحبة لتواجه قدرها المحتوم و مصيرها المعلوم .. و قد وظّف الشاعر  أداة  الاستدراك " لكن "  لتكون المفتاح الذي يلتفت على  قفله فيفتحه و كأنها بمثابة سفينة نوح التي نجت و بمن فيها من سطوة الطوفان الجارف القاتل...  فكأنّي بالشاعر بهذا الهايكو قد قدّم للقارئ مفتاحا آخر رحمة منه   و رأفة به و بفكره  و عقلة و قلبه ليشعره بقيمة و أهمية ما سيقف عليه من كنوز  و أصداف و جواهر و يواقيت...

اختار شاعرنا "حداء" كعنوان لديوانه الشعري و نكّر اسمه و لم يجعله معرفا و بذلك أخرجه من كونه اسم  جنس يعم باقي أنواعه  إلى اسم خاص مخصوص بحروف شعره    و رياض معانيه ..

       و الحداء غناء معروف و يكون على ضوء ليلة  مقمرة بغرض حثّ الإبل على السعي أكثر   و الإسراع...و بذلك يعود بالذاكرة إلى عمق التاريخ ليربط بين السلف     و الخلف و هذا ملمح عميق في توجهات الشاعر الفكرية و الفنية و الجمالية...       و السؤال الذي يفرض نفسه هنا : عن أيّ غناء يقصده ؟ و ما طبيعته و نوعه؟ و من هم الإبل المقصودة من حدائه ؟ و ما علاقة الابل ببني البشر؟ ما علاقة حادي الابل بصاحب الديوان و ناثر الأشعار ؟ أسئلة عديدة تنتظر أجوية شافية كافية...

يبتدأ الديوان بقصيدة "تكوين" و يختتم بقصيدة "غريب" و هذا الترتيب مقصود من الشاعر إذ بين التكوين الخاص و الغربة الخاصة تتناغم قصائد الديوان و تتعاضد لتأخذ من القرآن الكريم بحظ وافر معلنة بذلك عن منطلقها الرئيس و مضامين فلسفتها وروح فكرها الذي يمزج بين التراث و الحداثة و العلم و التطور و الأصالة و الذاكرة         و المعاصرة... 

و اللافت للانتباه أن شاعرنا قد عنون قصيدته الثلاثة بـ"الحداء" و لكن تعمّد بأن يجعلها معرّفة ليدخل في مجالها كلّ غناء يحثّ النفس على الحركة و التدارك          و الإسراع صوب نيل المرام و بلوع الغايات.. و بذلك نبهنا  بتلك الإشارة ليجعلنا نقف عندها وقفة خاصة لكن كونه جعلها اسما معرفا يكون قد أخرجها من دائرة الاختصاص و التميز ليجعل من كلّ قصائده الموزونة و النثرية موضوعا واحدا خاصا     و في حلّة قشيبة ساحرة...و هذا من روعة بيانه و جمال أسلوبه و تفرّده في الصياغة    و التشكيل البناء ...

إنّ المتأمّل في عناوين المجموعة الشعرية عموما يدرك الحقائق التالية :

1.      يعتبر كلّ عنوان قصيدة مفتاح لباب  مغلق بإحكام   و المعلوم بأنّ البيوت تُأتى من أبوابها و الأبواب لن تُفتح إلا بمفاتحها الأصلية لا المقلدة منها  و لا المزيفة..        و مجموع هذه المفاتح يساهم بقوة في فتح مغاليق مجمل الديوان...

2.      يوجد تسع عناوين كاملة تتفق و دلالات عنوان الديوان "حداء" و هذه رسالة من الشاعر إلى القارئ بضرورة العناية بها و تخصيصها ..و هي : نشيد الكائن الأول - الحداء – وهبت الطير أغنيّتي – العصفور – لما طربت بذكراه – عالق فيما أغنّي – احتفاء – دمي في الصدى – أغنية...أي تقريبا  ما يعادل خمس الديوان.

3.      تتضمن بعض عناوين الديوان ألفاظا قرآنية و هي اقتباسات مكثفة عمد إليها شاعرنا لتمرير بعض رسائله إلى القارئ ..لكن السؤال المطروح هل أبقى الشاعر على مضامينها القرآنية أم أنّه أعطى لها دلالات أخرى جديدة. .و في ثنايا قصائده  الجواب الشافي الكافي ..و من بينها : الأسماء – السفينة – بمثقال ما في الحياة – أهشّ على ما تبقى من الأغنيات – مقام – سدى – تحية – آي اليقين – الحوت ...

4.      تناولت بعض العناوين موضوع الفلسفة و الجدل و الوجود و الإنسان و هي موضوعات سيقت بهدف التأمل و الوقوف عند معطياتها بلغة الشعر  و الأدب و ‘عطاء  نطرة الشاعر مكتملة  إلى الحياة و الإنسان و الوجود عموما. .و التي من بينها : تكوين – نشيد الكائن الأول – الأسماء – نهض الغياب – آخر الماشين – آي اليقين – شبهة التفاح – مدار الظن – أوهام على رأس الضوء و غيرها...

5.      تضمن أغلب العناوين لمعنى العشق الصوفي و إن لم يصرح به مباشرة  و الذي يعتبر الطابع الغالب على عناوين الديوان كمحصلة و نتيجة ..و لعلّ كل القصائد تحمل قبسا منه اللهم إلا  إذا استثنينا بعض القصائد الخاصة المناسبتية على غرار : القيروان         و تحية...

6.      مضامين مناسبتية  متنوّعة كان للأنثى فيها طرفا و للوطن حظا و لبعض الأشخاص ذكرا و احتفاء كما كان للسياسة حضورا و هذا بمثابة فاكهة الديوان المميّزة..

و ما هذه العناوين المتنوعة و الثرية إلاّ مفاتح أخرى مهمة بعد المفتاح الأول المصدّر به مجموعته الشعرية و لن يبوح هذا الديوان عن أسراره و لن يسلّم لنا بقي مفاتحه إلا بركوب سفينة نوح و استخراج معاني الأسماء و النزول إلى بطن الحوت و السير على خطى  آخر الماشين و الوقوف على حقيقة شبهة التفاح و مدار الظن و باقي عناوين    و مضامين مجموع قصائد الديوان..

و يبقى أهم مفتاح لفك أقفال أشعار شاعرنا إنما  هو الارتماء في دلالات  و فضاءات أشعاره نستنطقها و نحاورها و نغوص في أعماقها أملا بالعودة بكنوزها المكنونة          و الموزّعة بين قيعان قصائد الديوان...

و قد اخترت ثلاث قصائد قصدا للإبحار في سفنها و إعطاء فكرة أوليّة ترشدنا لفهم مجموع قصائد الديوان ..و القصائد هي : أول قصيدة  "تكوين" و آخر قصيدة "غريب" و واسطه العقد "شبهة التّفاح"  و لن يغني الوقوف على أعتاب هذه القصائد من  ضرورة معاقرة باقي القصائد لتمام الفائدة و حصول المرغوب ...

 

Ø    و في التكوين إنشاء و تفعيل و إعادة تنقيب و تشكيل...

"تكوين" إشارة من الشاعر إلى رحلة استكشافية تأملية فكرية أملا في الوصول إلى شاطئ الحقائق الكبرى..   حقائق الانسان و الوجود   و الاستمتاع بنسيمه العليل       و منظره الجميل...  و ها هو يقف على مدرج الخيال كأبعد نقطة ممكنة وصلها        و سيصلها العقل البشري مؤكدا على نضوج تجربته الحياتية  و الشعرية و جمالياتها          و مختلف تقاطعاتها و نهلها من بحار الحكمة  و الحقيقة و اتصافها بالعمق             و الصواب...

 

... و حين وصلتُ إلى مدرج الخيالْ

رأيتُ الزّمان تقلّص في نقطة واحده..

كأن لا مجال هنا للمجالْ

و بي ما يؤكد أنّي انتسفتْ

 

و ما لبث أن  عاد  أدراجه من بعيد بعدما أدرك حقيقة نفسه يجرّ القصائد جرّا كغنيمة ثمينة و صيد عزيز طارقا بها أبواب المحال...و في هذا مبالغة كبيرة لأن المحال من العدم الذي لا يدرك إذ أنه عدميّ في الأساس و لكنه يريد أن يوجه رسالته للقارئ بأن وُفق لطرق هذا الباب معلنا استئذانه لولوج هذا العالم الموجود إلاّ في خيال الشاعر وحده...

   

و ذاك  أنا قادم من بعيدْ

أجرّ القصيد..

و أطرقُ باب المحالْ

 

ثم يلتفتُ أخيرا إلى مصدر النعم الأوّل الذي لا شيء قبله يلهج لسانه بالدعاء ..       و باسم الجلالة الله يستلهم منه العون و الرشاد و الهداية  و الصواب و بأن  لا يجعل امتحانه في التيه عنه و البعد عن طريقه  و أن لا يسقطه في متاهة التجرّء على جلال الله و جماله و التلفظ  بأقوال ضالة مضلّة تكون سببا في ضلاله و فتونه و بعده عن الله تعالى.. فشاعرنا لا يعدو أن يكون خلقا ممن خلق الله يتصف بكثير من الضلال و بكثير من النقص و الضعف أمام  ملكوت الله و قدرته الجبارة الغالبة ...

 

Ø                           أمّنا حواء وحقيقة أكلها التّفاحة...

مع قصيدة  "شبهة التفاح"

و العنوان رمزية على غواية الشيطان لأمّنا حواء التي بقت مصرّة على سيدنا آدم عليه السلام حتّى أكل من الشجرة المنهى عن  الأكل منها كما تحكي الإسرائيليات المنقولة ...فحدث ما حدث من غضب الله عليهما و إخراجهما من الجنّة و هبوطهما    إلى الأرض للامتحان و الابتلاء من جديد...   و كأن لشبهة التفاحة إشارة مباشرة لاتهام المرأة  بالغواية و أنها السبب في معاناة البشرية و حرمانها من نعيم الجنة و في هذا تحميلها لجريرة و تبعات كلّ الشرور التي تنال من الانسان طيلة  وجوده على الأرض...

فعنوان القصيدة يرد التهمة و  يدحضها و يفندها.. فالشبهة تعني التباس الباطل بالحقّ     و تقمصه له فتغيب الحقيقة الأصيلة و يحضر الباطل الطارئ  المزيّف ليمثل دور الحق فينخدع لحيلته هذه الماكرة الكثير من الخلق و ما أكثر ضحاياه..

مقدمة قويّة تنسف كلّ ما يليها من شبهات و اتهامات...و هذه وقفة حق و مساندة للشاعر مع المرأة الأنثى إكراما لها و إنصافا...المرأة التي تعدّ الوجه الثاني للإنسانية.. عشرة أبيات كاملة لنونية فريدة  تُعلي من شأن المرأة و تردّ الأمور إلى نصابها   و الحق إلى أصحابه بلغة الشعر و الجمال و نبل الإحساس و روعة البيان ...

و من البيت الأول و دون مقدمات يعلن الشاعر صيحته المدويّة  في آفاق الزمان        مبرئا المرأة  من تهمة أكلها التفاحة و مخالفتها بذلك لأمر الله تعالى فيقول:

 

 

من شبهة التّفاح  أنت  بريئة

أنت الرّؤى في هيئة الإنسانِ

       ها هو شاعرنا يسقط التهمة عنها ناسبا لها كلّ جميل و إنساني و هل يوجد أجمل من الرّؤى.. بل و نراه يضيف كل الويلات و الكوارث التي ألمّت بالبشرية إلى الرجل لأنّه منذ القديم كان و لا يزال مصدر الحروب و القتل و الهمجية و  الوحشية   و ليس للمرأة في ذلك من دخل و لا نصيب  ..

 

             يا أيّها الفقه النسيّ بما جري

                       إنّي أنا منذ القـــديم الجـــاني

 

و هذه إشارة للكيل بمكيالين على عادة العرب في تحليلها لشهر النّسي ليخلو لهم الجوّ و السّاحة   و هذا  ديدن الرجل دائما المخادعة و نسبة الشرور والمصائب  إلى غيره ظلما       و استعلاء... و في هذا البيت الشعري  تأكيدات قويّة  : إنّي – أنا – منذ القديم – الجاني – النّسيّ – خمس تأكيدات و تقريرات تؤكد نسبة الجناية للرجل لا المرأة...و الاعتراف سيّد الأدلة... و هل بعد هذا البيان من بيان...

و نراه بعد ذلك يشيد بالمرأة في صورة "مريم عليها السلام " مشيرا إليها بقوله "هزّي إليك يجذع نخلة ليلنا " و هو اقتباس قرآني لافت عير أنّه يعمم هذا الهزّ كتشريف لكل نساء العالمين  و يحثّهن  على العمل من أجل رفع الظلم الرابض على الإنسانية بعدما يأس من الرجل و نفض يديه منه...فيقول:

 

هزّي إليك بـجذع  نخلة ليلنا

كي تبزغ الأنوار في الأكوانِ

 

فالأنثى عنده بمثابة الأنوار الكاشفة للظلمة في سماوات أكوان الإنسانية المعتمة...

و هكذا تستمرّ نونيّة الشاعر نصرة للأنثى و تبيانا لفضلها و شأنها و محوريتها في عالم الإنسانية.. فتارة مصرحا و تارة مشيرا و ثالثة مكنيا و مبيّنا كونها مصد ر الحبو الحنان و ينبوع إلهام الشعراء و  الأدباء لقصائدهم العصماء و نصوصهم المتألقة  و بأنّها كانت و لا تزال  لأخيها الرجل الحصن المنيع و المسكن المريح و الحب المتدفق و الحنان الفياض ..و هذه بعض أبياته تؤكد ذلك :

 

لا ذنب  لي في الحبّ عير ربابة

تبكـــــي علــيّ مرارة  النّسيـــانِ

ذي غيمة الإصباح تمطر بالرُّؤى

كم أمطرت  غيما مـن التّحنــــانِ

و يستمر حداء المرأة الجميل الشجّي النقيّ حتّى  آخر بيت من النونية إذ يقول:

قمر و يفرح بالأهلـــة عاشق

كم من بدور صاغها وجداني

حتّى اكتمــلت سمــاء أهلــّتي

 فرّقْتُــها في مهجة الأوطــانْ

      و يا لها من خاتمة قويّة تعجّ بالحكمة و العطاء و البذل و التضحية و  كلّ معاني الحب   و الوفاء...فالمرأة و لا فخر لولاها ما استمرّ نسل البشر و ما اكتملت مسيرة البشرية   و ما بقت مدائن و لا أوطان و لا حواضر ولا  حضارات و لا شعوب...  فكم أخرج رحمها المبارك  و حسن تربيتها من أقمار و بدور أضاءت ليل الإنسان      و أنارت بأهلتها المكتملة المزهرة سماوات الأوطان و الشعوب...

و بعد تطواف مبارك في عولم مجموعته الشعرية ..عوالم الروح و الوجدان و الوجود   و العشق الصوفي و الفلسفة و السياسة تأتي قصيدة  "غريب"  لتصور لنا محصّلة إبحاره و تفاصيل داله و مدلوله ليعلن صراحة غربته و الحسرات تقطّع أنفاسه الحرّى   و الآلام تفتت أغوار روحه المؤرقة ..

و لم يخف عن القارئ ذلك حين عنونها بـ"غريب" ..اسم مفرد نكرة و كأنّ الغربة قدره المحتوم و ما  وُجدت أصلا  إلاّ من أجله  خاصة دون غيره من الناس فأصبحت من ألزم خصوصياته و من رفقة الطريق ..

و الغربة في نظر شاعرنا ليست غربة البدن البعيد النائي عن مواطن ولادته   و حواضن أهله و ترعرعه و دفء أحبابه و أقربائه و إنّما  هي غربة الروح و هي تخالط البشر         و تعايشهم بدنا و واقعا و معاملة و سلوكا بيد أنّها لا تنتمي إلى عالمهم روحا و فكرا    و توجها و مصيرا ... و تلك من أشدها ألما و أقساها فتكا لنفسية الشاعر و ذهنيته    و فكره...  و اسمع إليه و هو يناجي نفسه :

 

ذهبتُ مع النّاس

في كلّ أرض

شريد الخطى و الثّنايا

و عُدت وحيدا

أهش  - أناي -

و ذاك الغروب دمي ،

و تلك الرّياح عصايّ

 

       و تبرز قصة موسى عليه السلام كأنّها تشاهد رأي العين حيث يوظّف قصّته في تبيان  حالة غربته و قساوة النتائج التي عاد بها من رحلته أثناء بحثه عن أجوبة لتأملاته الفكرية   و سعيه الحثيث لفك شفراتها الغيبية المستعصية ... و ها هو يقرر بأنّه في البدء لم يكن وحيدا في رحله بحثه و لكنه في نهاية الرحلة يجد نفسه وحيدا و قد تخلّف عنه الركب ليكمل ما تبقى من رحلته وحيدا شريد الخطى و الثنايا لينتهي به المطاف إلى اللاشيء ...

و الاقتباس القرآني في قصيدته سمة بارزة زادت من روعة بنائه الشّعري غير أنّه أعطى لها مضامين جديدة تتناسب و ظروفه النفسية و المكانية و الزمانية..

فعصاه التي يهشّ بها على أناه إنما هي في ثوب رياح عاصفة و ما غنمه إلا أناه                 و بذلك يصوّر لنا مشهد التشتت و الحيرة و التردد التي يحياها أناه...و استعماله للرياح و بالجمع  كان عن قصد  ليستحضر القاري في ذهنه هبوبها و شدة عصفها            و توزعها ليقف على مدى الحيرة التي يكابدها فكره و الشتات التي غطّى  عليه أفق رؤيته...    

 و يزيد مشهد الشفق قبل و بعد  الغروب وضعه النفسي قساوة و قتامة إذ يربط بين لونه المحمرّ المتورد بانسكاب دمه القاني كناية على  مدى عمق جروحه النازفة المفتوحة  من شدة يأسه و تيهه و نفضه يديه من البشر و إيثاره الغربة و العزلة عن مخالطتهم ... 

ثم يأتي المقطع الأخير عاكسا مآل غربته و خاتمة رحلته إذ يقول:

أنا الآن أسمع هذا الفراغ ،

صوت الصدى في الخلايا

غريب ..

و لا شيء بيني و بيني

...سواي

      مشهد رهيب و قاس و كئيب جدا لتلك النّهاية المأسوية لرحلة بحث مضنية مرهقة     و طويلة.. ليقرر استسلامه اللامشروط و انعزاله النهائي عن البشر و الدّخول في عزلة فكرية لا يسمع فيها صوتا إلا رجع صدى تأملاته و تأوهاته متخففا من كلّ حمل و ثقل و مسؤولية ليخلوَ له  وجه أناه و لا شيء بينه و بينه غير سواه...

و هذه لمحة صوفية لافتة و مقام عشق صوفي سام دونه مجاهدات و احتراقات         و خلوات و تحلية و تخلية...و بذلك تتحد بداياته مع نهاياته ليدخل عالم العشق الصوفي من بابه الواسع و قد تطهرت روحه و توضأت...

و أعتقد جازما بأنّ بعض هذه المفاتح التي سلمتها للقارئ و مفاتح أخرى تنتظر من يجلبها و يقتنيها من ثنايا قصائد شاعرنا لتعطي فكرة أولية عن عمق التجربة الشعرية عند الشاعر الشاذلي القرواشي و توشحها بالحكمة و الخبرة و الفلسفة ناهيك عن فلسفة الجمال و بهاء الأسلوب و قوة الألفاظ و ثراء المعاني التي يزخر بها ديوانه المبارك...

وفي الختام  فإّني  أتمثل ديوانه  شجرة كبيرة  ضاربة الجذور، وارفة الظلال كثيرة الفروع و الأغصان و قد نضجت ثمارها و حان للقارئ قطافها فهيت لك أيها القارئ النّهم  المتعطّش ...

و بهذا أكون على الأقلّ قد وفّيت بجزء يسير من حقوق شاعر قدير بلغ أوج ّعطائه  نضجا  و وعيا و حكمة و  أسلوبا و تحكما و اتقانا و بيانا و دهشة و ساحرية ..                                           " و قل اعملوا فسيرى الله عملكم و رسوله و المؤمنون " .

 

تونس 28/05/202

 

 

13.          قراءة على عجل لقصيدة " مناجاة"  للشاعرة المغربية نبيلة الوزاني

 

        المناجاة تحيل  دياجي الليل و عتماته إلى نور كاشف يبصر به العبد عبوديته الممزوجة بغاية الحب و بغاية الذّل  ليحلّق بعدها  بجناحين من طهر قدسي يخترق بهما  حجب الغيب و أستار الملكوت العلويّ  فيعبّ من كاسات الرشد اللدنّي غرفات         و غرفات فلا يظمأ بعدها أبدا و إنْ عزّ الماء و غار في باطن الأرض دهورا و آمادا..

 

      لذلك فقد اختارت شاعرتنا عنوان قصيدتها " مناجاة " لخصوصية تلك اللحظات التي يختلي فيها الشخص بربّه حيث لا وسيط إلا الدّعاء و الجؤار و الذل و الافتقار  و الدّموع و الزّفرات.. لغة خاصة الخصوص و لعلّ هذا ما جعلها تتخلّى عن التعريف   و تكتفي بتنكير عنوانها...

 

مُناجاة...

ثلاث محطّات أساسية صدّرت بها شاعرتنا قصيدتها لترصد لنا أحوالها النفسية مع المناجاة و قد استغرقت كلّ كبيرة و صغيرة منها...

ما بين الهدب و الهدب

ما بين شهيق و زفير

ما بين تلوّن الأيام و اختلاج المشاعر...

أحوال عظيمة حصلت  و حوادث أعظم برزت  و مواقف حاسمة  أسست و أخرى نًسفت...

 

 

 

ما بين الهدب والهدب

الهدب معروف و هو شعر أشفار العين و لا توجد مسافات كبيرة بين الهدب           و الهدب ..و الهدب من أجزاء العين عير أنّها أرادت  القول أنّ بين بلّ دمعة الهدب     و أخرى توجد مسافات للبوح و الإقرار ..و هذا من باب التعبير بالجزء للدلالة على الكلّ أي العين و لكنّها عبرت بجزء من العين للدلالة على حيثية  أدقّ و أخص و هي الدموع و العبرات.. و بذلك فالشاعرة أرادت القول أنّ بين تناثر دمعة و دمعة تتغيّر أحوال وتحدث أشياء... و هي حالة الشهود و التفكر و الاتعاظ...

وما بين

كلّ شهيقٍ يملؤني  ضوءاً

وزفيرٍ يلفظُ غبارَ العتَم

       و ما أجمل  توظيفها الدقيق لعمليتي الشهيق و الزفير و إعطائها لحركتهما أبعادا إيمانية حافلة مدهشة ..فهذا الشهيق و قد انقلب إلى مصدر للضوء يمدّها بالأنوار الكاشفات  الهاجيات..نور معرفة الله تعالى..نور معرفة حقائق الأشياءالوجود ..  نورمعرفة حقيقة النفس..تور معرفة حقيقة العبودية..و أنوار لا تعدّ و لا تحصر.. و ماذا عن الزفير ..الذي ارتدى لباس الطهر و طفق يزيل عن النفس غبار الحُجَب العازلة      و أتربة الشهوات المتراكمة و أدران المعاصي المترسّبة..  

وما بينَ

تموّجات ألوان الأيام

واختلاجِ

مشاعر نفسي الوجْله

ونبضٍ يوشوش وتيني

وآخرَ يحتويني

       و ها هي شاعرتنا تستحضر حوادث الماضي و الحاضر و تعاقب الأيام و تلونها بين الشدة و الرخاء و السراء و الضراء و الفرح و الحزن و المنحة و المحنة..        و تقارنها بين مشاعر نفسها الوجلة من لقاء ربها و كيف تسارعت نبضات قلبها عاكسة حوفها الشديد و قلقها الحرج و اضطرابها المتصاعد..و في ظلّ هذا الشعور الرابض    و الجاثم الذي سدّ آفاق الرؤية عليها تتذكر الله تعالى  حبن تقول "تأتي أنت" فتتغيّر أحوال نفسها و تسكن عواصف وجلها من النقيض إلى النقيض ..

تكونُ أنت

في سناء روحي

تُسبغُ خلجاتي برَوْحك

هنا وهناك

هناك وهنا

أنت تكون

في الشدّة وابتسامِ الزّمن

وحينَ

جبروت الدُّجى

في جنوني وخطئي

وعندَ طاعتي البيضاء

في تقوايَ وخشيتي

سريرتي تهديها

إلى عالم النجاة

 

    و يسطع النور في خلجات نفسها و يتوزع هنا و هناك.. و هناك و هنا كناية على شغله لجميع حيّز كل مكان منها و فيها ...فتتوضّح الرؤية و تنكشف الحقائق و يعم النور جميع الأرجاء...و تتحولّ الشدة و القسوة إلى فرح ممتد و ابتسامة دافئة حانية و تهوي عروش جبروت الدياجي تباعا  ...و نراها تقف بين يدي ربّها معترفة بأخطائها        و جنون تصرفاتها ..و تقرّ له سبحانه بخشيتها و طاعتها الخالصة النقيّة و تقواها لعل الله برحمته الواسعة يأخذ بيدها إلى بر الأمان حيث الهدوء و السلامة و السعادة             و الراحة... ثم تختتم هذا المهرجان الإيماني الحافل باللجوء إلى الدعاء الذي يمصل مخ العبادة و هو النتيجة الطبيعية لتلك المقدمات و الإرهاصات و الاحتراقات ...

 

           مولاي يا مَلك النّور

أعلم بأن الخطايا

في الذات عمَّتْ

والفقرُ إلى رحمتكَ

طويلُ الأمد

متشاسع الأمل

في عفوكَ

أطمع وأطمع

ولا أملّ

ورحمتك تبقى

تشمل الكونَ

يوم تلتفُّ

السّاقُ بالساقِ

يا مالكَ الغفران

اسكبْ وِرْدَ العفوِ

في وريدي

        في هذا المقطع الإيماني بامتياز تنجلي عبودية المؤمن في أبهى صورها و أروع تجلياتها ...تدعوه بـ"مولاي" حيث أسقطت يا المنادي دلالة على انتفاء كلّ الوسائط بينها و بين الله تعالى راجية منه سبحانه أن يمدّ روحها بالنور لأنه هو النور و من يملك النور...و لو قمنا بترتيب أجزاء دعائها لانكشفت لنا روحها الطاهرة المتوضئة   و هذا نزر منها:  

-         إقرارها بالضعف أمام جحافل الخطايا و الذنوب.

-         الافتقار إلى رحمة الله الواسعة.

-         الثقة الكبيرة بالله و عفوه و كرمه التي لا يحدها مدى ة لا يحتويها أمل.

-         الطمع في عفة الله و غفرانه.

-         حتمية الوقوف يوما بين يدي الله تعالى .

-         طلب المغفرة من الله و العفو و الرضى.

و قد اقتبست من قرآن الكريم جملة "الساق بالساق" إشارة إلى يوم المعاد و الوقوق حتما بين يدي الله...

فيا لها من مناجاة حبلى و مثقلة بحبّ الخالق تفيض إيمانا و افتقارا و ذلا و يقينا    و بركة و توفيقا...

 

تونس 29/05/2020 

14.          إطلالة على مقطوعة شعريّة .....للشاعر الجزائري محمد شايطة

 

القصائد التي لا عنوان لها تترك الذهن حائرا و تلزمك بالخوض مباشرة في تفاصيلها دون معينات أوليّة و قد تفتح بابا من التأويلات ..هل هذه مقطوعة من قصيدة  معيّنة مقصودة لذاتها أراد بها الشاعر إيصال رسالة ما.. أم هل الشاعر أراد للقارئ أن يلج مباشرة    و دون مقدمات لأن فكرة القصيدة أهم بكثير من أن يتخذ لها معلما هاديا  أو أن يقدّم مفتاحا أوليّا لفكّ شفرات مقطوعاته...و قد يكون لا هذا و لا ذاك و لكن لحاجة في نفس يعقوب...

النّص :

 

التعبير بالرّكام يوحي للقارئ بأنّ الشّاعر يعيش ضغطا نفسيا كبيرا أنساه أهم تفاصيل الشّوق و ما تبقى منه إلاّ ركاما اجتاح نفسيته و لا لا يزال اجتياحه قائما و هذا ما يفيده توظيف الفعل المضارع الذي يفيد المستقبل...

ركام من الشوق يجتاحني

 

و في ظلّ هذا الاجتياح المتواصل الذي يُجهل مصادره لا يجد الشاعر ملاذا يلوذ به إلا الصمت النّازف شريانه ..و ما النّزف إلاّ دليل على عمق الجرح و استمرار معاناتها و شدّة معاركه النّفسية .. و "أنا" ضمير للمتكلّم يوحي بأن الشاعر لا يقاسم مأساته أحد و هذا ما زاد في من حدّة الألم و الشجن و الهمّ...

و أنا ليس لي

غير صمتي نزيفا

 

لكنّه يستدرك و يصرّح بأن ذلك الصمت النّازف ما هو إلاّ أغنية يتناثر فوق رباها بقايا مساء و كأنّه يشير بأنّ فجر الصباح آت لا محالة و ما بقاياه المهشّمة إلاّ دليلا على قرب الفرج و نهاية بكائية الشّوق النّازف...و التناثر تلميح إلى تناثر أرواق الخريف الصفراء من شدّة عواصف الشّوق المجتاحة ...

 

و في الصمت أغنية

يتناثر فوق رباها

هشيم المساء

 

في هذا المقطع الأخير يعبّر الشاعر عن احتدام معاركه النّفسية بين صيحات الصّدى و رجعه و تردداته و أصوات حفيف المدى الذي يراها ممتدّا أمامه ...فيلجأ إلى مناداة تلك الأصوات الخافتة التي تنبعث من حركة طبقات المدى التي يرى فيها فسحة للأمل و متنفسا لما يعانيه من صراعات نفسية خانقة ...فالشاعر يدرك لا محالة بأنّ قوّة الظلام تؤذن بانبلاج الفجر الصّادق...لذلك فهو لا يخشى قوة الأمواج المتلاطمة و لا رجع أصوات العواصف الهائجة و لا رحابة المدى الفارهة...

يموج الصدى

يا حفيف المدى

ضمني،، دلني،،

كي أعانق وجهي

و كي أستعيد زمانا تولى

و مرآة ظلي

و ما قد تبقى من الذكريات

 

و ها هو يخاطب ذلك الأمل الضئيل الذي يشبه صوت حفيف الأوراق بأن يضمّه إلى صدره عساه أن يدّله إلى باب الفرج ليخرج من تلك الدّوامة المتماوجة التي اجتاحته... فلربّما أستعاد ذلك الزّمن الجميل الذي أضاعه أو ضيّعه و يرى على الأقل ظلّه في مرآة الحياة التي أظلمت و فقدت بريقها و انعكاساتها...و ينقذ ما تبقى من ذكريات عالقة ..ذكريات نجت من هول ذلك الاجتياح الطامي...

و أخيرا فهذه المقطوعة تعكس بحق و عمق غربة الشاعر في زمن لا يحسن إلا المداهنة و المداراة و أصنافا من النّفاق و الظلم و النكران...

قسنطينة في 14.07.2020

 

15.          البعد الرّسالي في قصيدة  " صدى تغريبة " للشّاعرة  المغربية نبيلة الوزاني

 

 

عنوان القصيدة  "صدى تغريبة "يوحي بعمق المأساة التي تكابدها الشّاعرة من جرّاء واقع مرير و صفته بالتغريبة و هي مشتقة من الغربة ...و الغربة غربتنان..غربة مكانية يهجر فيها الانسان أهله و أحباءه و وطنه بداعي من دواعي الضرورة كالسعيّ في الأرض أو نقص الأمن أو الغذاء...و غربة نفسيّة تجعل الإنسان غريبا بفكره و منهجه    و قناعاته دون أن يبرح مكانه و هذه الأخيرة أشدّ قسوة و إيلاما ...لكن الملفت في هذا العنوان أنّ الشاعرة تعيش رجع التغريبة فكيف لو كانت التغريبة نفسها ..هذا ما ستبيّنه تفاصيل القصيدة لأنها في محلّ خبر لمبتدأ محذوف تقديره "هذا صدى تغريبة" ..و قد يصدق الخبر و قد يكذب بحسب القرائن و الأدلّة التي حوتها مقاطع هذه القصيدة...

 

 

العنوان : صدى تغريبة

 

المقطع الأوّل:

كل الفصول

تشير إلى تمام الغروب

إلّا

صدى عمرٍ

يهرب من ثقوب

نايِ

في ملعب الريح...

دون مقدّمات أوليّة و لا إشارات توضيحية تعطي شاعرتنا حكمها النّهائيّ الذي ارتسمت بنوده باليأس و القنوط و الإحباط من عودة الصلاح بعد تفشّي أتربة الغربة النفسية المطبقة و ها نحن نراه تقرّر بأنّ كلّ الفصول ـ الخريف و الشّتاء و الرّبيع و الصيف ـ قد استوت في نتائجها و ما عادت تفاصيلها تقدّم أو تؤخر ..فلا الربيع و جمالياته و لا الصيف و فواكهه و مصيفه و لا الخريف و لا الشتاء غيّروا من وضعها النّفسي البئيس و لا من قتامة واقعها المادي الحزين ...فـ.."كلّ" توكيد معنوي لا يستثني شيئا من حكمها... فالغروب عندها كالبدر الذي اكتمل تمامه و لا أمل في الزيادة ..الغروب الذي أطبق بكلاليبه على واقعها المادي النفسي و ناء بكلكله و أرخى سدوله و  لكن فجأة ترتسم نقطة ضوء في عتمة هذا الغروب المكتمل و يتسللّ صدى عمرها المتعب ليقرر الهروب من خلال ثقوب ناي حزين في ملعب الحياة الكبير الذي نعتته بملعب الريح...و الرّيح إذا أفردت أفادت العذاب و التشريد و التيه و إذا ما جمعت ـ الريا ـ دلّت على البشر و الخير و البركة ..و هذا ملمح قرآنيّ بديع وظفته الشاعرة ببراعة و توفيق..

 

المقطع الثاني :

 الصدع هو رجع صوت أو ردّة فعل لفعل ...و العبير به يدلّ على حنين مكين في الوجدان و الذّاكرة أو إلى مشاهد صوّر علقت بالوجدان ذات مرة...فاللجوء إليه يعتبر دندنة على أوتار أمل هارب أو نائم أو حتى قادم...و هذا ما تفصله مفاصل هذا المقطع ...و ما الثنائيات الموظفة إلاّ دليل على ذلك...(الصدى ـ السكون)؛(فتح ـ أغلق)؛ و ها هي تتساءل مستغربة و مقرّرة في آن واحد عن المتسبب في فتح هذا العنوان الكبير من التيه في جسد ذاكرتي فمنعني من سكوني و قراري و راحتي ..متسببا في غلق مظلة السكون التي أظلتها لسنين ، مانعة عنها وابل التيه      و ثلوج اليأس و عواصف القنوط...

 

الصدى ذاكرةُ

عنوانٍ تائهٍ

عن عتبة الذكرى

من فتح له سماءَ الحنين

وأغلقَ مظلةَ سُكوني؟

 

المقطع الثالث :

و يأتي المقطع الثالث ليؤكد تلك الثقوب و ها هي تتّسع و تكبر لترسم على صفحات الماء ..و الماء دلالة على عودة الحياة و إمكانية وجود حيوات بذلك الموضع ...عناوين جديدة و لا شكّ أنّ الجمع (عناوين)يغلب المفرد(عنوان) لا محالة و هذا دليل على اتساع رقعة الأمل في نفسية الشاعرة ..و بداية ارتسام ألوان جديدة لفجر صادق و شفق حالم و تلك إشارة لعودة الأمور إلى نصابها و ما حركة الكون الرتيبة إلاّ دليل على عودة الحياة من جديد و بداية توراي عتمات الصمت الذي خيّم على نفسيتها ليعلن عن تفتح أكمام وقت مشفوعة بآهات مواسية بذلك ذلك الشّروق الذي بعثرت أشعته تلك الريح و ذلك الصمت و تلك الآهات...

على صفحات من ماءٍ

رسمتُ عناوينَ

بألوان فجرٍ وشفق

ومن خلف أعتاب الصمتِ

تدلّى الوقتُ من أكمام

آهاتٍ

تواسي بعثرة َالشروق ...

 

المقطع الرابع :

 

الدندنة على وقع الصباح

بَعد ترنّح الحُلمِ

مصيدةٌ تتقنُها شِباكُ الليلِ

حين صفعات الملحْ

ونداءٌ فاترةٌ ياؤُهُ

من صدر الشجن

يًغلّف شحوبَ صداه...

 

        و يأتي هذا المقطع ليسجل خبرة تجربتها في الحياة متلفعا ببردة الحكمة       و الرّشاد...ليعلن بصوت جهور يسمعه كلّ الكون و الكائنات بأن مآل اليأس إلى فرج و ما شدّة الظلمات إلا إعلانا عن بداية شروق يوم سعيد و بداية وضع مغاير...و تدعو الانسان عموما و القانطين خصوصا إلى ضرورة   تغليب الأمل عن اليأس و أنّ الصباح   و الأحلام ستصير حقائق في المستقبل و إن بدت فاترة نداءاته ..و هذا تصوير بليغ   و دقيق لتجربتها في الحياة و في مواجهة مرارة الواقع المعيش...

 

المقطع الخامس و الأخير:

كم يحتاج القصبُ

الى رئاتٍ خضراءَ

تحضنُ رهبَةَ بزوغِه!

في حوائط الزمن

لا عزاءَ لساعاتٍ

فرّتْ عقاربُها

من تعنّت الفراغ.

       تبتدأ الشاعرة مقطعها الأخير بسؤال استفهام "كم" إشارة إلى حجم البناء المنتظر من جهة و مدّة  الوقت اللازم من أجل ذلك إذ يحتاج القصب و هو نَبَاتٌ مِنْ فَصِيلَةِ النَّجْلِيَّاتِ، مَائِيٌّ، وَهُوَ مُجَوَّفٌ وَمِنْهُ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ معروفة و خاصة عندما يجفّ ماؤه ، ويشتدّ عوده و مع ذلك فالقصب إشارة واضحة على إمكانية حدوث التغيير     و الانتقال إلى حال أحسن.. و لذلك نراها استعملت كلمة الرئات بالجمع كناية على حجم التغيير و اختارت اللون الأخضر كناية عن تجدد الحياة و نضارتها و اخضرارها   و ما اخضراره إلا قضية وقت ليس إلاّ...و نراها تستحضر في رهبة و خشوع لحظة بزوغ فسائل القصب الأولى في حوائط و حدائق الحياة التي لفّها جفاف كبير ..مودعة بذلك ساعات من العمر فرّت برغم تعنّت ذلك الفراغ الجاثم الذي عطّل عقارب السعادة من تعاقبها الرتيبة و حركتها المنتظمة...

و بذلك تكون النهاية جميلة و هي العنوان الجديد لبداية سعادة جديدة...و ما أسعدها من نهاية برغم سوداوية تلك البدايات القاسية المؤلمة...

و أخيرا و ليس بآخر نرى في شعرية شاعرتنا عناصر التفاؤل و غلبة الأمل الأخضر    و هذه رسالة الشّاعر نحو قرائه حين تغزوهم جيوش اليأس و تقصفهم عواصف القنوط ..و هذا بعد رسائلي جنحت فيه الشّاعرة إلى انتهاج منهج الأمل كسبيل للخروج من أسر التغريبة أو الاغتراب أو الغربة و قد وُفّقت بشكل مدهش و سلس في تبليغ رسالتها الإنسانية...

الجزائر في 16.07.2020

 

 

16.                      زخّات جماليّة  من أشعار  مختارة   للشّاعرة  الجزائرية سكينة مرباح

 

          السيّاحة مباركة في مجاني حقول الشّعر ففيها الراحة و السكن ومنصوبة فيها موائد شتّى عامرة بما لذّ و طاب من بليغ الكلم و جميل الحرف و سمو المعنى ..تلك هي مجاني  شعر الشاعرة سكينة مرباح  .. و بلغة عربية مبينة و ألفاظ قويّة رصينة      و معان شريفة عميقة تجرجرك جرّا إلى جمالياتها و فلسفتها في الحياة و نظرتها للحبّ و الجمال...و بالمثال يتّضح المقال و يحلو المقام في تلك الظلال من خلال ثلاثة نصوص اخترها دون ترتيب من إحدى موائدها الممتدة في حقولها الذهبية الصفراء..

تتعمّد الشاعرة عدم وضع عناوين لزخّاتها الشعرية و أنفاسها المسترسلة مفضّلة الولوج إلى موائدها و الاستمتاع بوليمتها الكبيرة على عادة العرب الحاتميين...

و اللافت للانتباه الوحدة الموضوعية لهذه النصوص الثلاثة إذ يمكننا جمعها و قراءتها مجتمعة  و لن يشعر أحدنا بالتنافر و لا التناقض أو الشّتات  فيها و هذا ملمح جمالي قلّ أن تراه متجسدا إلاّ في القلة القليلة من شعر المتأخرين و المتأخرات...

الهايكو الأول:

·       مذ كتبتك قصيدة
على البحر الطويل
وأنا أسبح وأسبح
بين مد وجزر
ولم أصل إليك

 

     تختلط صورة الحبيب مع ملامح القصيدة و يمتزجان إلى حدّ الاتحاد و الذوبان        و يستحيل الحبيب المرقب و المنتظر إلى قصيدة شعر يمكن ارتيادها على أيّ بحر شئت و في هذا نراها تجاري نزار قباني في قصائده في المرأة ..لأنّ بحر الطويل من البحور التي تستوعب مساحات أكبر للبوح فقد اختارته لتنظم على مقاطع بحره و تكتبه مفصلا و لكنها بالرغم من تمكنّها من كتابة حبيبها إلا أنها لا تزال لم تتعرّف عليه بله أن تلتقيه و تنعم برؤيته...و ها هي تكتب و تكتب و بتعبيرها تسبح و تسبح و ما التوكيد إلاّ دليل على إصرارها و استمرارها في السباحة عساها تصل يوما إلى مرفئه ..

و لا أظنّ  شاعرتنا ستصل إلى مبتغاها  لأنها كلما أوصلها  مدّ أرجعها  جزر و العكس صحيح .. في هذا المقطع السّاحري و على طريقة الأفلام الرومانسية تحملنا كلماتها على بساط من الخيال حيث تتداخل الأحاسيس و المعاني بالألفاظ و المحسوسات لتدخلنا في عالمها الخاص الذي يجمع بين الحقيقة و الخيال فأنت لا في عالم الحقيقة و لا أنت في عالم الخيال ..و هذا ملمح جمالي آخر بديع و عجيب..

الهايكك الثاني:

·       لقلبي عينان

عين أراك بها

وأخرى تبصرك

من دون وجهك

أنا كفيفة

     القلب هو ذلك السرّ الذي أريقت نحوه بحار من الحبر و لم يزل بعد عصيّا على التّطويع و التعريف و التحديد ..و ها هي شاعرتنا تزيد هذا القلب عجبا على عجبه     و تنيب له عينين مبصرتين ..لست أدري أعيونه تشبع عيون البصر أم هي من جنس خلق آخر .. على كلّ حال حتّى الشاعرة لم تقف عن هذا التساؤل المنطقي و طفقت تفسر لنا بأنّ الرؤية الحقيقة إنّما هي رؤية القلب عندما يرى حبيبها ماثلا أمامها و إلاّ فغيابه عن ابصار القلب يترك الشاعرة في عالم من الظلام .. و إلا فهي كفيفة غير مبصرة بالرغم من أنّ الله لم يحرمها من نعمة البصر و العينين السّالمتين...و العجيب في هذا النّص تقريها بأن عينا قلبها لكلّ منها وظيفة خاصة بها إضافة للجمال الظاهري ..فإحداهما ترى الحبيب ماثلا أماما عند حضوره و الأخرى تبصر روحه       و طيفه عندما يكون غائبا ..ففي الحالين.. حال الغياب و الحضور هو شاخص في قلبها و بصورتين مختلفتين...و هذا ملمح حماليّ مدهش رسمته لنا ريشة خيالها الجامح...

الهايكو الثالث :

·       يدي التي لوحت لك

عند الرحيل

لا زلت أرفعها منذ عمر

أما زلت تراني

أم تراك أدرت وجهك عني؟

 

      نرى الشّاعرة في هذا المقطع التراجيدي الرومانسي تبدو كامرأة جميلة بيدها باقة أزهار و ورود و هي تلوّح بيدها النّاعمة المرتعشة معلنة بداية غياب لا تدري متى ستعيد تلويحا ثانية ..و كم كانت صادقة و ها هي سنوات العمر تنقضي و قطار العمر يوشك أن يبلغ محطّتها النهائية و هي لا تزال لم تردّ يدها إلى مكانه عسى طيفها و صورتها    و هي تلوّح بها في الهواء أنْ يلتفت حبيها إليها فيحنّ قلبه و يراها فيسرع طافقا إلى حبيبته الواقفة ..غير أنّ شعورا معتما آخر يراودها و يؤرّق عيشها و يقضّ مضجعها ..خوفها من أنّ حبيبها قرّر أنْ لا يدير وجهه إليها.. لكنّها المسكينة سرعان ما تكابر و تعاند و تستمر في مدّ يدها...

عندما نجمع المقاطع الثلاثة يتبادر إلينا بأننا أمام مشاهد رومانسية لامرأة حالمة بطلتها هيّ بكلّ أحاسيسها و أمالها و آلامها...و هذا ملمح جمالي يعجّ بالصّور و اللقطات   و العقد و كثير من الحبّ و الوفاء و الأمل...

 و ارهف سمع قلبك لترانيم هذا الهايكو الأخير:

ما باله الحبر

يجف في حلق القلم

كلما أردت كتابة اسمك

أتراه هو أيضا

وقع في شباك هواك؟

 

و أترك للقارئ استخراج البعد الجمالي الذي يضفيه هذا النحت الشّعريّ لتكتمل الصور الجمالية التي أمتعتنا به شاعرتنا الرقيقة المرهفة الحسّ .

 

قسنطينة 18.07.2020

 

17.                      قراءة في قصيدة  " جنون " للشّاعرة الجزائريّة فاطمة الزّهراء بوكتاب

فنون عشق موءود..

 

       بعض القصائد تتفرّد بطعم خاصّ و بلون أخصّ و كأنّها تدعوك بلسان و شفتين لمأدبتها الفاخرة العامرة ..هل لسرّ مكنون فيها أم لخصوصيّة مشتركة أم لشدّة تأثير حروفها السّاحرة...تلك هي قصيدة " جنون " للشّاعرة الجزائرية فاطمة الزهراء بوكتاب ..

" جنون " عنوان استفزازيّ صادم و عهدنا بالشّعر غير ذلك ..و ما  الجنون هنا إلاّ خمرة معتّقة من كأس حبيب سقى بها روحا عطشى  من دنانها المشروعة ؛ فسكرت و ثملت إلى حدّ التماهي و الاتحاد بل الجنون و هو في عرف المحبين عشق مجنون كبحر هائج هادر لا يؤمن بأعراف و لا انتماء   و لا جغرافيا و لا ظروف...فما أعجبه من حبّ و ما أقتله من عشق ! ...

 فبماذا تخبرنا هذه القصيدة المجنونة ؟

 

تبتدأ القصيدة بإعطاء حكم أوّليّ و بصيغة الفعل المضارع إيحاء باستمرار هذا الحكم و تجدّده و مؤكدا بأداة التوكيد و ضمير المخاطب   " أنّ " " الكاف"    و بطريقة تتحدّى فيها حبيبها " أراهن " و المراهنة نوع من المجازفة و لولا تؤكدها أي الحبيبة من صحّة ما ستدلو به من معلومات و معطيات و تقرّره من أحكام و قرارات  ما ابتدأت قصيدتها بهذا اليقين الراسخ و الحكم القاطع ...    و المراهنة معلومة حكمها و يمكن حملها حسب السّياق الدلالي على أنّها أمرا  مرهونا  بوقته و كأنّ الشّاعرة  تقرّر  هذا بأنّ حكمها صحيح إلى غاية أن يثبت العكس و هذا من المراهنة المشروعة ..

 

فما نوع و طبيعة هذه المراهنة أو الأحكام ؟

أربعة رهانات تطلقها شاعرتنا في جدار الصمّت الذي تحصّن وراءه حبيبها ..تسعى من خلالها إلى تفريغ شحنات الحبّ المخزّنة في ذاكرتها الصامتة ...

الرّهان الأول :

 

أراهن أنك ..

ما عدت تفهم لون الصباح

وما عدت تقرأ صمت الجراح

وما عدت تبصر حزن العيون

          هو خطاب مراهنة لكنّه أطلق بأسلوب رقيق دافئ و بشاعريّة مرهفة و جمالية لافتة .. و ما تكرارها لـ : ما النّافيّة (ثلاث مرات) إلاّ دليل على تأكيدها للأحكام التي ستدلي بها على طريقة الأحكام  القضائية و لكنّ بلغة الإحساس و المشاعرو الخلجات النّفسية ..و كأنّها عوّضت " طبقا للمادة " القانونية بـ" ما عدت " الشّاعرية لتقرّر أحكامها المبدئية ...فنحن أمام محكمة الشعور      و الإحساس ليس إلاّ ... لا شهود و لا دفاع و لا محامين ..فقط شعور امرأة عاشقة ..

الحكم الأول : شرود  ذهن حبيبها عن تفهم  ـ تفهّم / صيغة مبالغة تفيد عدم التفاعل و المشاركة ـ حقيقة حبّها الصادق و عدم إدراكه لماهيته و حقيقته بالرغم من أنّه واضح و مشرق كلون الصباح و نوره و هل يحتاج الصباح لدليل ..

الحكم الثاني : غياب أبجدية القراءة من ذهن حبيبها و عدم ملاحظة جراحها التي تنزف في صمت ؛ و صمت الجراح من اختصاصات القلوب المحبّة و الأرواح العاشقة .

الحكم الثالث: عدم إبصار الحبيب لعيون الحزن التي ألمّت بقلب الحبيبة و ما لغة الحزن الرابضة في العيون إلاّ شواهد و أدلّة عن عمق الحزن الذي تعيشه نفسية الحبيبة ..

كلّ هذه القرائن و الشّواهد تاه عنها قلب حبيبها و  خلده ممّا زاد في اختفاء الألوان    و طبقاتها و طول  صمت الجراح و أنّاتها وتعمّق طبقات الحزن المتراكمة على عيون القلب خصوصا و المنعكسة على مآقي العيون المبصرة ...

 الرّهان الثاني:

أراهن انك ..

ما عدت تذكر أين أعيش

بلادي بعيدة ..

مسائي غريب..

 وعيناي تمطر

أعرف أن كلامي ممل

وفوضاي تقتل فيك السكون

  لا تزال لغة المراهنة و التّحدّي قائمة إلى أن يثبت العكس ..و بين النّفي و الاستفهام التقريريّ ـ الاستفهام في سياق النفي تقرير و تأكيد ـ  تتأكّد مخاوفها لتقرّر مرّة أخرى ذهول الحبيب المرتقب عن مكان وجود ذلك القلب المحترق و كأنّها أصبحت تعيش في مكان غريب و بلا د بعيدة تفصلها و حبيبها آلاف المسافات..حتى عنوان بيتها    و اسم بلادها غابا عن ذاكرته ..   و تلكم غربة مكانية و نفسية قاسيّة و مؤلمة...     و أضحت كلُّ مساءاتها ترزأ في سلاسل الغربة و متاهات التيه ، و لم تجد إلاّ لغة الدموع المتناثرة كقطرات ماء غيمة حبلى تحكي عذاباتها المستحكمة.. ثمّ تقرّ بحقيقتها الصادمة و كأنّ حبيبها ماثل أمام عينيها معلنة اعترافها بملل كلماتها و الفوضى النّفسية الكبيرة التي ملأت  مشهد السّكون  النّفسي الآمن صخبا و ضجيجا.

الرّهان الثالث :

أراهن انك ..

تصمت من اجل شيء قديم

احس بذلك .. وافهم ذلك

فما عدت تشعر بالحب يأتي

وما عدت تملك الا الظنون

وجاء الكلام الذي لم تقله

حكاياك صمت

حكاياك موت

وإني أسافر كي لا أكون

     هذا مقطع حزين و تراجيدي أين توجّه أصابع التّهام إلى نفسها ربّما للتّخفيف قليلا من حدّة اضطراباتها الدّاخلية  المحتدمة أو قد يعود  لموقف قديم صدر منها أو هفوة لسان حالقة أو زلّة قدم قاتلة ..و بذلك ترفع عنه رداء اللوم و تستشعر الذنب في نفسها و لوحدها و بأنّ ذلك الشيء القديم حال بينه و بينها فاختفى الحبّ من مرابعهما و نبتت الظنون القاتلة و الشكوك القاطعة التي زادت من قتامة المشهد و من بعد المسافات و من غور الجرح و الأثر...

         و ها هي رسائله  الصّامتة تقول ما كتمته أنفاسه و خبّأته ظنونه و كأنها أضحت بالنسبة لها  جدارا ضاربا حائلا بينهما و  صارت حكايا موت لحبّ كان مزهرا مخضرّا و ها هي  تسافر فيهما ـ الصمت و الموت ـ وحده كي لا تكون ..فبدون حبّه و رفقته هيّ  ميّتة لا محالة ...

الرّهان الرّابع :

أراهن لكن ..

لماذا أفكر!؟

لماذا أثرثر؟ 

لماذا أحبك حتى الجنون؟

             مراهنة فاستدراك ..اعتراف فتخوّف ..إقدام فإحجام ..زحف  فتولّي ..

تلكم هي الحالة الهستيرية التي تتحكّم في نفسيتها المترددة المهترئة ..و تقرّ في النّهاية بأنّها قد خسرت الرّهان ..لذلك جاء هذا المقطع قصيرا جدا و كأنّها تحاول التّخلص بأيّ طريقة من أثقال تلك الغربة و التيه و التّردد و القلق...

ما عسى المراهنة أن تقدّم شيئا أو تؤخره و قد حدث ما حدث و حصل الفراق         و التباعد و الهجران و الحال هو الحال ...و بأسئلة ثلاث تغلق مشاهد مراهنتها ..

لماذا أصلا عمدت إلى التفكير في حبيبها أو في إمكانية بعث حياة جديدة لدبّ قديم منقطع ؟...إنّ مجرد التّفكير في مثل هذه الأشياء يعدّ ضربا من الوهم و الخيال...

لماذا كلّ هذه الثرثرة و التصريحات و الأحكام و المراهنات و قد أفضى كل منهما إلى حاله و لا وجود لأيّ مؤشرات عن بعث جديد ؟

لماذا أصلا أنا أحبّه و لا أزال أراهن على ذلك الحبّ المنصرم القديم الذي تلاشت خيالاته و تقطّعت حباله و انصرمت عهوده ...

أنا لا أجد تفسيرا إلا اتهامي بالجنون في حبّك .." أحبّك حتّى الجنون " و بذلك تطلق حكمها النهائي غير القابل للنقض و المرافعة و المراجعة ..إنّه حبّ بجنون و من طرف واحد ...نهاية مأسوية لبطل غائب و بطلة مجنونة ..

 

قسنطينة في 23.07.2020

18.          بكاء الوطن في قصيدة " أجذّف بالتّأنّي " للشّاعرة الفلسطينية نهى عمر

              الشّعر الموزون المقفّى جنّة مفتّحة الأبواب ..أشجارها وارفة الظلال ، كثيرة الثّمار ، هنيّة النُّزل ، طيّبة المأكل و المشرب و الإقامة ..و ما قصيدة " أجذّف بالتّأنّي " للشّاعرة الفلسطينيّة نهى عمر إلاّ انعكاس تامّ لما وصف ...حيث يحلو المقام بين جنباتها و تسرّ الأعين بمناظرها و تقرّ النّفوس بحسن معانيها ...

أُجَذِّفُ بالتَأَنّي.... عنوان لافت يوحي للقارئ بعمق ما تحمله هذه القصيدة من همّ رابض و حزن جاثم على صدر أمّة مهزومة و شعب جبّار معذّب مرهق... و التعبير بالتجذيف يعنى الّدّفع بالسّفينة بغرض الإسراع و الوصول و لكن الغريب في هذا التّجذيف أنّه ببطء و تأنّي و كأن حواجز كبرى و معيقات حالت بينها و بين الإسراع .. و هذا تصوير بليغ لما تعانيه الأمة من قهر و ذل و تقهقهر و انحصار...فما السّفينة إلاّ تلك الأمّة الحائرة أو ذلك الشّعب المقهور و ما التّجذيف إلا محاولة الاستدراك و جبر ما يمكن جبره من ذلك الصّدع الكبير الذي ألمّ بالأمة و الشعب و الوطن و التّراب... و هذا واضح في محاولة الشّاعرة للجمع بين الضدين ..التجذيف (الإسراع) و التّأنّي ( التّروي و التريّث) و فالشّاعرة لا تريد المجازفة فتخسر كلّ شيء مع رغبتها الشّديدة في الإسراع لتدارك ما يمكن إدراكه ..  و هذا من جماليا ت مكنونات هذا العنوان التّصويري الحركيّ..و لعلّ استخدامها للفعل المضارع " أجذّف " إشارة إلى ضرورة  مواصلة التجذيف في الحاضر و المستقبل   و هذا من إحساسها العميق بحجم الهوّة التي تعانيها الأمّة و شعوبها العربية و لعلّ فلسطين خير مثال ...

حاولت أن أقسم القصيدة إلى مقاطع فلم أفلح لأنّها كتلة همّ واحدة و صرخة حقّ لا تقبل التجزئة و صيحة رائد لا يكذب أهله ...

القصيدة تتصف بالوحدة الموضوعية و كلّ بيت فيها يضيف جزء من صورة تراجيدية لتكتمل الأجزاء و تكتمل الصورة ..صورة الحيرة و القلق و الهمّ و الحسرات و البكاء على الوطن و الغربة المادية و النّفسية التي غرزت مخالب أظافرها  في جسد هذه الأمة و على رأسها فلسطين الجريحة النّازفة ...

القصيدة رسالة كتبت من حبر أنفاس حرّة و تصوّر لوعة كبد رطب و صرخة في ضمير الأمة و العالم و كلّ الشعوب و من كان له سمع و عقل و قلب...و اختارت الشّاعرة رويّ النّون و النّون تحلو في الفمّ كما قال أحد الشّعراء:

و النّون تحلو في فمي .. كدْت ألقّبُ بذي النّونِ

أَلا يا نفسُ مهلاً حيثُ أني

أُجَذِّفُ في بِحارِكِ بالتَأنّي

" ألا "  أداة تُبتدأ بها الجملة للتَّنْبِيه، مثل: {ألاَ إنَّ أوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}. وللعَرض، مثل: {أَلاَ تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ}...و هذا من براعة الاستهلال كما يقول أهل البلاغة و البيان ...

و هي هنا  إشارة إلى ضرورة  الالتفاف لما سيعرض من كلام أو خبر لأهميّته القصوى   و ما ينبني عليه من نتائج مهمّة  و ما يتركه من آثار غائرة في  النّفس ...

الشاعرة تطلب طلبا من كلّ حرّ أصيل إلى التّمهل و التّروي و ضرورة الالتفات إلى ما تعانيه نفسيتها المكلومة من جرّا ء نكبة أمّتها و شعبها و المعاناة الكبيرة التّى أحاطت بها من كلّ صوب و حدب حيث تتركتها كحال مجذّف قارب  برغم محاولته الإسراع            و لكنّه ملزم بالتّانّي لأن الخطب جلل و الداء مستعصيّ و الجرح غائر ...فالخطاب موجهّ لنفسها لكنّها في حقيقته هو نداء لكلّ عربيّ غيور...و الشطر الثاني قد سبق بسط معانيه أثناء فكّ شفرة عنوان هذه القصّيدة ..

 

و تستمرّ رحلة التجذيف في بحار التّأنّي المفروضة على الأمة و الشعوب إذ تقول :

 

أَغوصُ بِلُجَّةٍ وأَعومُ أُخرى

أُحاوِلُ سَبرَ أغوارِ التَمَنّي

أُراقِبُ موجَةً غَمَرَتْ رَجائي

أُواجِهُ لَطمَةً مِن ثَغرِ جِنّي

أَغيبُ عنِ الوُجودِ فَلا أَراني

وَأَصحو واللَواعِجُ تَعصِفُنّي

 

          العامل المشترك بين هذه الأبيات الثلاثة افتتاح صدرها و عجزها بأفعال  مضارعة   ( أغوص ـ أحاول ـ أراقب ـ أواجه ـ أغيب ـ أصحو) دلالة على استمرار المعاناة حاضرا و مستقبلا ، و كلّ فعل منها يحكي حكاية همّ رابض و يعكس الحالة النّفسيّة التي تعتريها ...و قد اجتمع في هذه الأبيات كمّا هائلا من المفردات الموظفة للتّعبير على المأساة الحقيقية ..و كلّها تنتمي إلى مجال واحد و هذا جمع لها : الغوص ـ اللّجة ـ العوم ـ الأغوار ـ السبر ـ المراقبة ـ الموجة ـ الغمر ـ الرّجاء ـ المواجهة ـ التلاطم ـ الغياب ـ اللواعج ـ العصف ) و بالنظّر الفاحص الدّقيق لهذه المفردات يتأكد عمق المعاناة التي آلت إليها أحوال الأمة و انعكاساتها على نفسية شاعرتنا ...

فما تكاد تخرج من لجّة إلى و دخلت في أخرى مع تشبتها بأعتاب التّمنّي تارة               و بحبال الرجاء تارة أخرى .. و تزداد لواعجها و همومها إذ لا وجود لمؤشرات مبشّرة مطمئنة لحصول فرج قريب ...

 

و استخدمت مصطلحي  التّمنّي و الرّجاء بمعنى واحد أي الأمل و هنا إشكالية فإذا جمعتا في نصّ واحد فالمفروض أن يختلفا في المعنى و أما إذا ما أفردا جاز اشتراكهما في معنى واحد...  و هذه مسألة دقيقة ليس هنا محلّ بسطها و عرضها.

و ها هي تمنّى روحها من جديد ... فتصرّح :

نُعاسي طارَ والأفكارُ قادَت

كَنيرانِ المُتَيَّمِ تحرِقُني

أُمَنّي الروحَ والحسراتُ تَترَى

وحرفُ قَصيدَتي ما ذادَ عَنّي

           نفسيّة الشاعرة الكئيبة تزداد تهورا و جراحا و نزفا فالتجأت  روحها الثكلى إلى أحضان التمني و لو على سبيل التّخيل و ركوب الأحلام عسى هروبها يخفّف قليلا من أوجاعها مع هجومات الأفكار المتتالية المتكرّرة فتزيد من احتدام  الحرائق في نفسيتها المتعبة و تشبه حالها بحل متيّم عاشق أحرقته نيران الحبّ و العشق .

و تتذكّر في زحمة تلك البحار الهوجاء الهادر قضيّتها المركزية " فلسطين المسلوب" ذرة العالم العربي المسلم  فنراها تعزّي نفسها و روحها إذ تقول :

لِروحي فِلذَةٌ نُزِعَت غِياباً

وَشوكُ السُهدِ منتَشِياً يُغنّي

و لا أظنّ فلذة الكبد هذه التي نزعت من جسد الأمّة إلا " فلسطين الجريحة " و التعبير بالنّزع دلالة على المقاومة من جهة و على شدّة  ألم النّزع ، فالآلام كما نرى مضاعفة بل و مما ضاعف من أوجاعها شوك السهد الذي تشاك أبره روحها المجروحة جراء غفلة أصحاب القضية و جنوحهم للغناء و الملاهي و الاكتفاء بالانتشاء كعادة اللاهين العابثين ...

و تختم صرختها المبحوحة باللّجوء إلى الله و رفع أكفّ الأيدي :   

ألا يا رَبُّ قد ذَبُلَتْ زُهوري

عُيونُ العقلِ ضاقَت بِالتَجَنّي

أعوذُ مِنَ الخَفاءِ بِعَطفِ رَبّي

وَأحلُمُ بالهُدوءِ .. يَصيرُ فَنّي

      بعدما يئست بما في يدي البشر و الحال غفلة و لهو و ذلّ و تفريط توجّه بوصلة قلبها إلى من بيّده مقاليد الأمور معلنة ضعفها و انكسارها بعدما ذبلت زهورها و ضاقت الدنيا أمام عيونها من سطوة الظلم و التّجني الواقع  و خاصة و قد بدأ قطار العمر يسير إلى محطّته الأخيرة وها هي  ترفع أكفّ يديها  بالتضرّع و الجؤار سائلة الله و مستعيذة في آن واحد من الفوضى التي عمّت سكون روحها وشعبها و بلادها و أمّتها  و أنّه من حقّها في عيش كريم و حياة آمنة كباقي الشّعوب .. و ما الهدوء و الأمن و السّلام إلاّ مفردات فنّها الذي تتمنّاه و تنشده ..

ما يلفت الانتباه في هذه القصيدة موسيقاها الدّاخلية إذا نجت الشّاعرة في استخدام الجناس و الطباق كعنصرين أساسين في الإيقاع الموسيقي الدّاخلي الذي زاد القصيدة حياة و حركة و جمالا برغم موضوع القصيدة المحزن الباكي المبكي...و هذه بعض العناصر على سبيل المثال لا الحصر ... الجناس : (التّأنّي/ التجنّي)؛ الطباق (مهلا/  التأني)؛(الغوص/ العوم)؛(أغيب/ أصيح)؛(الحسرات/ الانتشاء)؛(الضيق / الرجاء)؛ (التجذيف/ التأنّي)

و لا يخفى على أصحاب الذّائقة ما في هذه العناصر الإيقاعية من جمال و سحر..

فنحن نرى أنّ القصيدة قد جمعت بين الجمالين ..جمال الإيقاع الخارجي من وزن         و قافية و رويّ و جمال الإيقاع الداخلي من طباق و جناس...

و بذلك أكون قد أجبت و لو بإيجاز عن تميّز الشعر الخليلي عن شعر التّفعيلة و إن كان الجمال يتسع لهما و أكثر و بالله التّوفيق.

الجزائر في 24.07.2020

19.                    بورتريه عن الشّاعرة الجزائرية ياسمينة وردة

1.               ياسمينة وردة هذا الحرف المرهف الإحساس ، الضارب في أعماق الجمال الذي بنى مملكته السّامقة من تناثر الورد فتهافت قلوب العاشقين         و السّائرين إلى الليّاذ  بحصونها المنيعة المزروعة حبّا و إنسانية و أملا و سرورا ..قد مدّت سلالها الفارغة لجمع ما تناثر من الورد و الزّهر هنا و هناك ..

هم ينثرون الود و أنا أجمعه..

كيف أخفيه

و قد وشى بيَ عطرُه...

2.               تختلط في كلماتها المعتّقة بخمر الحبّ ، المخبّأة في دنان الصفاء الرّوحي المختلطة بأتربة الأرض القاتمة ، و مساءات الخريف الذّابلة  فتمدّها بالحياة و الحركة و تحيل ربوعها القاحلة و حناجرها المبحوحة و أفواهها الفاغرة إلى فراشات حالمات تتسابق فيما بينها لتعانق شوق زهرات والهة و حنين ورد جوري باسم و قطرات طلّ لامع ..

فلا الغربة تحول بينها و بين طوفان حبّها العَرِم ، بل إنّها لتغزل منها شالات حبّ  و تصنع منها محابر مداد ..فلا نراها إلاّ و هي تتغزّل ضارعة راجية  ..

علّمني كيف أدثّر الحرف..

و أزمّل الكلمات..

3.               ياسمينة لها من الشّجاعة الأدبية و الوضوح البنّاء ما يجعلها تلامس قرص الشّمس بجناحيهما و تستقبل يومها بقلب عار من كلّ دجل و نفاق         و مداهنة إلاّ من الحب الطافح و الجمال الساحر و البهاء الساحر ..ثمّ إن  للوطن في قلبها أحلى حكاية ، فصولها العامرة  تترنّح بين ألم رابض و صبر مقاوّم ..لتلهج بلسان قلبها :

يا الله ..أيّها الوطن المخبّأ في قلبي

لا حدود لك

و طريقي إليك كم هو قصير

قاربي..ألمي..

و صبري ما زال يجذّف

و أنت كلّ الأمل.

4.               يا سمينة وردة قلب مؤمن نقيّ وضيّ، و روح حالمة تتلفّع في بردة العشق الصوفي ، قاطعة حبال الوصل التّرابية و لا تتعلّق همّتها إلاّ بحبل الله الموصول الممتدّ..و ها هي ترتفع رويدا رويدا إلى سمائه..

قاطعة كلّ الحبال التي تشدّها إلى الطين ..

5.               و ما الكتابة عندها و عوالمها إلاّ طوق نجاة تتزيّن به كقمريّ يهدّم هذيله جُدُر الصمت القائمة و قد لاذت إلى حماه بعد اشتداد حركة المدّ و الجزر في واقع الحياة المرّ لتخلد بعد ركود العواصف و الزوابع  و الأعاصير إلى استراحة وجدانية روحية و تنعم بين مجانيها ..و نراها تلقي بسلال أفكارها و كلّ ما ينبض فيها بالحياة على شاطئ التّأمل ، صانعة لها مساحة جديدة من العزلة النفسية لتبني من جدر الصمت نتائجها عن الحياة ، و الناس ، و الجمال و كلّ ما يحيط بها.

6.               تطلق ياسمينة وردة صيحتها المدويّة في آذان هذا الكون الفسيح بما حوى و بما حمل ..تستنطق تفاصيله   شبرا بشبر و ذراعا بذراع  .. ...لكنها سرعات ما  تؤوب و ينتهي بها المطاف بين أحضان مضغة لحم عجيبة أمرها ، عظيمة شأنها ..إنّها القلب الذي بين الضلوع.. آنية الله في أرضه ، و تقرّر بأنّ الكون على رحابته و عجائبه و أسراره :

لا يساوي مضغة تدعو لك في الغيب

و أنت لا تعلم..

و ما الحبّ في أعرافها إلاّ دعاء صادق على ظهر الغيب.

7.               لتمتطي بعد هذا التّطواف في حدائق التّأمل و جنّات الجمال و مجاني الحبّ بساط الذّاكرة و تجول بخواطرنا و أفكارنا في مشاتل تجربتها في الكتابة و تلخّصها بلسان عربيّ مبين ، حافل بالمجازات و الصوّر الجمالية عساها أن تكون تجربتها تلك في يوم ما دليل حياة للسائرين  و جسر عبور آمن الحالمين ..

و أنا أمسك القلم كنت أمارس الحبّ

و رياضة التّسامح..

و رياضة الشّعور بالآخر..

لتدخل في علاقة حميمية حارّة جيّاشة مع الحرف و الفكرة و القلم و الورقة ..ذلك هو عالمها الخاص و المميّز و لا عالم لها ترتضيه غيره !

حيث لا أحد يسمعها إلا الورق.. تضخّ فيه من دماء ذراعها بل فكرها و روحها  و إحساسها ليتجاوب القلم معها و ينصاع بيسر و رضى فلكلّ فعل ردّة فعل تساويه في القوّة و تخالفه في الاتجاه ..حتى ليُسمع دبيبه و حفيفه الذي يشعرها بوجودها الحقيقي و حقيقة حياتها الحبلى بالحروف  و الكلمات .. فالوجود عندها عالم خاص أوجدته لنفسها تلوذ إليه كلّما شعرت بالضيق  و جور المكان و غربة الأشياء و الأشخاص..

ياسمينة وردة تفتّحت أكمامها و فاح شذاها العطر فوشى بها ليتعوّض المكان و الزمان و النفوس و يلتقي الكلّ على أمر قد قُدر.

قسنطينة في 01.08.2020

20.                    قراءة في قصيدة للدكتور الشاعر العراقي  وليد جاسم الزبيدي

 

           كتابة الشّعر في مثل هذا العمر تمتاز بطعم خاص و مميّز و لعلّ الحكمة فيها هي أشهر من نار على علم ..ثمّ إنّ للتجربة و الخبرة انعكاسهما  و ظلالهما في البناء و التركيب الأدبي و اللّغوي ..و ممّا يزيد القصيدة بهاء و رقيّا ارتيادها للبحر الخليلي ما أكسبها موسيقى خارجية متناغمة و قد اختار البحر الكامل بتفاعيله المتساوية المتعاقبة ؛ فإذا ما أشفعت بعناصر إيقاعية داخلية استحالت القصيدة إلى سنفونية مدهشة فاتنة و قائد جوقها شاعرنا د. وليد جاسم الزبيدي/ العراق الغنيّ عن التّعريف ..فكذلك هي قصيدته هذه الفريدة التّي سنحاول إثارتها و استفزاز مكنوناتها  و العزف على أوتار موسيقاها لتخرج لنا أعذب الألحان  و أشرف المعاني .

 تبتدأ القصيدة بأداة "لا" النافية للجنس التي تعتبر حرفا من حروف النفي التي تدخل على الجملة الاسمية، فتنصب المبتدأ ويُسمّى اسمها وترفع الخبر ويُسمّى خبرها. و عمد الشّاعر إلى التّوكيد اللّفظي " لا ..لا " لشدّة حرصه على ضرورة فهم رسالته القويّة التي يريد إبلاغها لصنف معيّن من النّاس دون مداهنة و لا مواراة و لا تردّد أو غموض...و قد تكرّرت لا النافية في القصيدة  خمس مرّات زيادة في التوضيح و البلاغ و نكاية بالحساد و العاذلين و المتربصين بالحرف القويّ  و روّاده و بالمعنى الجميل و عشّاقه ..

لا.. لا عزاءَ فقدْ حملتُ ودادي..

ورضيتُ أسكنُ في حمى الحُسّادِ..

 

بداية قويّة صادمة عن عمد و سبق إصرار أرادها الشّاعر رسالة لا التباس فيها و لا تأويل..لا صبر حسن بعد الآن و قد بلغ السيل الزّبى و هاأنذا أحمل ودادي و أعريكم كناية على سلّ سيف العقاب لمن يخطأ مستقبلا في حقّه      و حقّ أفكاره و التّعبير بالوداد إشارة على أنّه قد عاملهم معاملة خاصّة تعدّت حدود الحبّ إلى الرّحمة و الصفح و قرّر مختارا و عن قناعة اللعب في ملعب الحسّاد و هذا إعلان حرب مسبقة و الحسد معروف و ما إتيانه بالجمع            و المبالغة " حسّاد" إلاّ دليل على كثرتهم و في ذلك بيان لقيمة المحسود       و شأنه بين النّاس .. و لم يبيّن لنا الشاعر طبيعة هذا الحسد أو نوعه و التعبير بالرضى و الحمى إشارة قويّة من الشاعر لاستعداده و تفرّغه .

خبّأتُ عن قصْدٍ قصيديَ منهُمُ

فعلامَ صبري والجروحُ تنادي..

و قد عمد الشّاعر إلى إخفاء قصائده عن الحسّاد عن قصد و تعمّد خوفا من سيف حسدهم القاطع و لكنّ صنيعه هذا لم يمنع الحسّاد من إيذائه   و تمنّى تلك النّعم التي حباه الله بها و خير دليل جروحه النّازفة و قد أعربت بفم تشكو حالها و تنادي الغوث الغوث...

لا..لمْ أدعْ حرفاً يُشلُّ بقولهم

كلماتُ عشقي لم تكنْ بحدادِ..

وكتبتُ في كلّ البحورِ قوافياً

لا ما عجزتُ وكنتُ فخرَ النادي..

ورسمتُ فكري رغمَ كلِ قيودهم

لا ما حذفتُ من القصيدِ مُرادي..

وصدحتُ في كلّ المنابرِ ثائراً

من فيضِ عشقي في ترابِ بلادي..!

جميع هذه الأبيات و المقاطع إعلان مسبق على سياسته الجديدة المنتهجة في مواجهة حسدهم الحارق الخارق و بيان صريح لبعض الخطوات التي سيخطوها و التحصينات التي سيعتمدها مستقبلا...

لا..لمْ أدعْ حرفاً يُشلُّ بقولهم

كلماتُ عشقي لم تكنْ بحدادِ..

 

       أوّلا سيبدأ في نشر قصائده للعلن ولن يصدّه عن ذلك أقوالهم المثبّطة التي تحاول حسدا منهم شلّ حرفه الحرّ المقبل المدويّ في سماء الإبداع     و التّميز ، و لن يلتفت إلى مجالس حدادهم التي يقيمونها للحطّ من كلماتها و ما تبثّه  من عشق للوطن و الحياة و الجمال و سيحيلها مجالس موت للذين سعوا لإقامتها و طمس معالم حرف المنطلق كنسر لا يرضى إلاّ بأعلى قمّة له مسكنا و وطنا...

وكتبتُ في كلّ البحورِ قوافياً

لا ما عجزتُ وكنتُ فخرَ النادي..

ورسمتُ فكري رغمَ كلِ قيودهم

لا ما حذفتُ من القصيدِ مُرادي..

وصدحتُ في كلّ المنابرِ ثائراً

من فيضِ عشقي في ترابِ بلادي..!

هذه الأبيات الثلاث كلّها تضمّ في ثنايا حكمها فعلا  ماض   " كتبت ــ ما عجزت ـ كنت ـ رسمت ــ ما حذفت ــ صدحت " دليل على أنّ ما صرّح به أمسى من المقررات الماضية المثبتة التي لا تناقش مرّة ثانية ..فكلّها أحكام صريحة ماضية صدرت ..جفّت الأقلام و رفعت الصّحف فلا سبيل للتغيير أو العودة أو التّردد تحت أي مبرر أو طارئ أو إكراه ..

فما هي هذه الأحكام و القرارات؟

كتبتُ في كلّ البحورِ قوافياً

لا ما عجزتُ وكنتُ فخرَ النادي..

إعلان كبير بالبنط العريض على استحكام ملكة الشعر عند شاعرنا و دليله ارتياده لجميع بحور الشّعر و الخروج منها في كلّ مرّة بقصائد فرائد حسان       و ما كثرة القوافي و تنوّعها في شعره إلا دليلا قاطعا على صحّة ماذهب إليه... بل و كان دائما في النوادي و المنابر فارسها الذي لا يشقّ له غبار   و ما الفخر الذي يعقب قراءاتي إلا دليل آخر على ترويضى لقوافي الشعر و بحاره              و تقاطيعه.

ورسمتُ فكري رغمَ كلِ قيودهم 

لا ما حذفتُ من القصيدِ مُرادي..

و الحكم الثاني أنّني استطعت ترويض الألفاظ و المعاني برغم القيود المضروبة على القصيد و تمكنت من إيصال أفكاري بأساليب عديدة و متنوعة و لم يغب عن تلك القصائد مقاصدي و رسائلي التي أحببت إرسالها و إيصالها     و هذا من بلاغة القول و حسن البيان و مهارة الاستحكام و كمال التحكم..فأفكاري في ظلّ تلك القيود المفروضة على الإبداع و الفكر وجدت طريقها نحو القلوب و النفوس و العقول..و لم أضطر يوما إلى المداهنة في الكتابة و ركوب المجازات الغارقة في الخيال و الإشارات التي توحي بالمعنى و ضدّه...

وصدحتُ في كلّ المنابرِ ثائراً

من فيضِ عشقي في ترابِ بلادي..!

 

ليأتي إعلانه الحاسم بأنّه و لا فخر كان صوته الصّداح يملأ المنابر و النوادي رافضا للذلّ و الخنوع ، ثائرا على كلّ ما يشين و ينقص و يهدّم و لا يبني و ما ذاك لمصلحة شخصية أو هدف دنيوي عاجل أو منصبا مستهدفا و لكن عشقا و هياما لوطني ..العراق..ثم العربي فالإسلامي ...لأنّ الوطن كلّ لثلاثة أجزاء ..وطن المنشأ و الميلاد..و طن العروبة و الهويّة ..و أخيرا وطن الإسلام          و الانتماء ..

و ما عشق تراب الوطن إلاّ واجب و فرض على شاعر مثلي جعل عشقة الواحد و الوحيد وطنا حاضنا .

قسنطينة ـ الجزائر في 02.08.2020

 

21.                    سياحة مباركة في هايكو للشاعرة الجزائرية سكينة مرباح

 

أقرب الطرق إلى قلب لغة سهلة ميسر صادقة تخرج من أعماق النّفس لتستقرّ في أعماق نفوس مشرئبة أعناقها لكل ّ ما هو جميل ..لغة تترجم لغة الإحساس بأبسط الكلمات و بأقل عدد منها ..تلك هي بلاغة الشاعرة سكينة مرباح و هي تداعب الحرف و موسيقاه و المعنى و دالهه و مدلولها و ماذا الهايكو إلاّ لمسة ساحرة من عالمها الخاص الممتع ...

نار الذكريات
تحرق القلب
بدموع منهمرة

عبثا أحاول
إطفاء اللهب

القراءة :

نار الذكريات

 عجبا لعالم الشعراء والأدباء .. عالم مفتوح على الخيال و الصّور فيه تكاد تكون ملموسة واقعية ..فمنذ متى كانت الذكريات نارا و هي الرابضة النّائمة في قعر وجداننا ..لكنها فجأة تنقلب إلى نار متأججة الأوار تشتعل من داخل الوجدان البشري و يا لها من نار ساطعة ملتهبة ..

تحرق القلب ..لكنها بدلا من أن تحرق الجلد ها هي تحرق أنفس مضغة في جسد الإنسان..إنها القلب ..مصدر الإلهام و التلقي..مصدر النور و الإشراق و الإمداد...

بدموع منهمرة..

 

فما كان منه إلاّ أن يذرف دموعه المنهمرة كغدير هادر لشدّة ألم الحرق الذي طال لحمة قلبه المشتعلة من فعل الذكريات و زمهرير نيرانها المتقدة...

 

عبثا أحاول

إطفاء اللهب ...

و هاهي شاعرتنا تحاول عيثا إطفاء ألسنة نار هي من عالم الغيب و أسرار الباطن و لا قبل لإنسان مهما أوتي من عقل و علم و فكر و قدرة أن يصل إليها فيطفؤها ...إنّها تستسلم لقدرها القاهر و سلطانها الغالب ... تصوير فنّي بليغ بلغة بسيطة سلسة تفهمهما العقول على اختلاف مستوياتهم الفكرية و الاجتماعية ..و هذه هي البلاغة في أبهى صورها و التي من معانيها إشراك القارئ في الإحساس بمعاناة ما يكتبه الشاعر و جعله يحمل الهمّ معه و يشعر بألمه و شدّة النيران المحتمدة في صدره و سويداء قلبه ....

قسنطينة في 02.08.2020

 

22.                    مع وجدانيات الشّاعر المغربي الشاعر عباس سمامي

 

       يحلو للشاعر عباس سمامي أن لا يجعل لنصوصه عنوانا على طريقة الشعراء الجاهليين وحتّى الاسلاميين منهم ليرغمنا للمرور مباشرة إلى أشعاره لأنها هي المقصودة بذاتها ..

قراءة العيون مهمّة القلوب الطاهرة و الأرواح النّقيّة و تتطلب تواصلا روحيا عجيبا مع الآخر فهو بمثابة اختراق لحجاب الغيب و اكتشاف بعض مكنوناته المتوارية عن البصر و عالم الشهادة. هي قراءة من نوع خاص و هي أخص بالنّسبة للمتحابين و العاشقين .

فالمواجهة المباشرة للعيون تفرز لغة خاصة و تنتقل عبر تموّجات بريقها           و حركتها  و كبر البؤبؤ من صغره و ارتعاشة العين و الأهداب و تغيرات خطّ الحواجب ..هي لغة صدق الإحساس و بوح الرّوح للروح..

لأقرأ

في عينيك

كل آيات الانكسار والتشظي

و لغة التعليل تليق فعلا بقراءة العيون لذل استهلّ الشاعر قصيده يلام التعليل ليعلّل لنفسه و حبيبه مآلات هذه القراءة التي آلت كلّ علاماتها إلى نتيجة مرعبة يخشاها المحبّين و العشّاق..إنها محصّلة مخيفة تتورّع بين الانكسار و التشظي الذي انتاب حبيبته و لكنّها لم ترد البوح فظهر ذلك مرتسما في ترددات البصر و تلبّسها بمسحة الحزن و في نفس الوقت الإشفاق و الرحمة ..فأدرك الشاعر تلك الحقيقة المتوارية وراء تلك الحجب المكشوفة المنتهكة...

فما كان منه إلاّ قراءة تلك الإيحاءات التي تلفّعت بتلك الضحكة الصفراء التي تعلن خيبة أمل و ضياع حلم ...لكن لا ندري ما سبب هذه الانكسارات و التشظي ..هل حانت لحظة الفراق مثلا . أم أنّ حائلا ما حال دون تحقيق حلمها؟ أم هل طرأ أمرا قاهرا سيحول و للأبد بين التقائهما و جع أجزاء حلمهما الوردي المشترك ؟..تساؤلات

و انكسارات فرضت نفسها على مشهد هذا اللقاء ...

أبدا

لم يكن بيدي

كنت أمسك أصابع النار

كنت أدرك

أن ابتسامتك الصفراء

لا تجدي

و قراءته الأولية النهائية تلتمس فيها التماس العذر و أنّ موقفها هذا خارج عن استطاعتها فكأنّها  كانت تمسك بأيديها الملساء اللطيفة أصابع النّار الملتهبة و لا صبر لها و الحال هاته ..و قد أدرك ما كان بين السّطور فرأي حقيقة تلك الابتسامة الصفراء المصطنعة التي لا تجدي عن الحقيقة المرّة قيد أنملة...و ها هو يسلم عقاله للقدر المحتوم ...

أنا العابر

على الجمر

جهة الضياع

تأبى إلا أن تكتبني

حروف الشوق والالتياع

وقد تودي بي

قبل أن يسدل ستاره

هذا المساء.....

و يقرّر قراره الصّعب ,,قرار العبور لوحده تاركا حبّه و حبيبه و حلمه و كلّ آماله  من ورائه ..حافي القدمين ..سالكا طريقه عبر أكوام الجمر الملتهبة ، مدركا بأنّه طريق سيؤول به في نهاية المطاف إلى الضياع و اللا عودة ...محتفظا برسوم كتابة حفرتها أقلام الشوق و فؤوس الالتياع ...هذه الكتابة و الحروف و ذلك  الالتياع و الشوق ..و ذاك الجمر المتقد ستودي بحياته قطعا و يسدل الستار عن المشهد الأخير في قصة حبّ موؤود في آخر مساء له ...

و ما يلاحظ في هذه القصّة التراجيدية الكم الهائل من الألفاظ الموظفة في رسم معالم هذا الضياع و كثافة المعاني المتولّدة و الناجمة عنها حتى كدنا على النص نفسه من الانفجار ..... و هذا لفيف منها:  (الإنكسار،التّشظي،النار،الابتسامةالصفراء،لاتجدي،العبور،الجمر،الضياع،تودي،إسدال السّتار ، المساء.. )و لا شكّ القارئ يدرك بما لا يدع مجالا للشّك حجم المأساة التي يكابد أوجاعها قلبا محبّين فرّقت بينهما قوّة غالبة فاختارا الضياع و العبور إلى جهة المساء الذي ينذر بدخول ليل أليل حالك ..و تلك مصيبة أعظم .

فقد نجح الشاعر بعدسة قلبه أن يصور لنا مشاعر متوارية و كأنّها مشاهد نراها رأي العين و تلك عين الشاعر السّادسة و ليس ذلك إلاّ لمن ملك شاعرية مرهفة و صدق إحساس و ملكة التعبير و الوصف و لغة قويّة خصبة ثريّة ...

بولمدايس عبد المالك

قسنطينة ـ الجزائر في 02.08.2020

 

 

23.                    "حكايا " حقائق و خفايا مع الشّاعرة الجزائرية فاطمة الزّهراء بوكتاب

قراءة في تقرّحات ذات نازفة

 

          للشّعر نوح و بوح فإذا اجتمعا غزلا حكاياتهما  و وزّع شالاتهما       وراحا يحرّك أوتار الرّوح و يدعبانها عازفين أجمل النّوطات الموسيقي و أعذب الألحان و أحسن الأغنيات ..كلّ هذا الجمال و المتعة و زيادة تمثّلت في قصيدة " خفايا " للشّاعرة فاطمة الزّهراء بوكتاب سليلة بنت مدينة الورود         و البرتقال ..

قصيدة .. حكايا

حكايا  عنوان مفتوح كصحراء  ممتدة فارهة  ..و الأصل حكايات لا حكايا  و هذا الجمع يوافق القيّاس و ذكرته معاجم اللغة كما في مختار الصّحاح         و غيره.. و هو من الحكي، و(حِكَاية) مصدر للفعل (حَكَى) يقال: حكَى عنه الكَلام يَحْكِي حِكايةً ..فشاعرتنا تريد أن تحكي لنا عن حكايتها و نكّرتها لزيادة التّشويق و خلق الدّهشة و الحكاية قصّة مستلهمة من واقع الحياة أو من الخيال الخصب و قد تجنح إلى الرمزية حينا كما أنّها قد تتخذ من المباشرة و التقريرية بردا لها حينا آخر..

فما حكايات شاعرتنا  أو حكاياها بتعبيرها ، و ما طبيعة الرّسالة التّي تريد تبليغها ؟ و منهم الجمهور المستهدف ؟

كثيرا ما يلجأ الكاتب أو الشّاعر إلى خلق شخصيّة افتراضية يخاطبها و يبثّ إليها همومه و أحزانه و أشواقه و حكاياته ..و لو تعمّقنا أكثر في فهم هذه الشّخصية الافتراضية الوهمية لاكتشفنا بأنّها طيف الشاعرة نفسها إن لم تكن شخصيتها ذاتها المتوارية وراء حروفها و كلماتها و إلاّ لما اختارت لها شخصيّة أنثوية بحثة ...  و هذا من باب التنفيس عن النّفس و التخفيف من أثقال الهموم التي أثقلت نفسية الشاعرة و أرّقتها و سدّت عليها سماوات رؤيتها     و انطلاقاتها. إنّها بصراحة تريد أن تقول لنا : هذه أنا !

الوحدة الموضوعية ميّزت هذه القصيدة و جعلتها تبدو ككتلة واحدة من صرخة متباينة الأنفاس و مختلفة الإيقاع...و على متن بحر الرّمل قطّعت حكاياتها وفق مقاطع متباينة من حيث الطول و القصر لتعكس بذلك رسم بيان انفعالاتها المتوالية .

لست مثلي.. لن تكوني

لي حكايا ..

من صميم الجرح جاءت

غيرت نبض السكون

في هذا المقطع تستهلّ حكاياتها بفعل ماضٍ جامد يفيد النّفي القاطع  تردفه بأداة توكيد لتحكم قبضتها جيدا على الموقف  و ترسل لنا رسالتها بأكثر وضوح و قوّة و تميّز ..مؤكدّة على أنّها وحدها تعيش مغامرتها " لست مثلي" و لا يشاركها فيها أحد و إن حاول فعل ذلك فلن يستطيع إلى ذلك سبيلا " لن تكوني" ..فحكاياته من عالم آخر و من طبيعة مختلفة ، و أنّها كتبت بمداد الجرح العميق فجاءت نصوصها مغايرة و هذا ما أهّلها لتغيير حركة نبض السّكون و انتقاله من حال الرّتابة و اللاحركة  إلى الانطلاق و النطق.

و من نبض السكون و أصلاب الصّمت تحوّلت حكاياتها إلى أغاني مسموعة  من نوع خاص و بألحان مميّزة و ترانيم أكثر تمايزا و وقعا و تأثيرا...

لي اغان

 لو سمعت ما أغني

لعشقت الجرح عشقا

وتمنيت فنوني

رسالتها الأولى أنّ حكاياتها مختلفة على ما اعتاد الحكواتي حكيه فهي ليست بالسرد المعروف عادة بل إنّها أغنيات ترانيم ألحانها نزف جراحات عميقة عاشقة والهة .. فمتى أدرك الانسان هذا السّر المكنون تحوّل مثلها إلى عاشق لتلك الحكايات/الأغاني و تمنّى أن يحظى بتلك الفنون الزّاخرة التي استحوذت عليها شاعرتنا ؛ ثمّ تقرّر بأنّ صوت الرّاوي  لحكايتها " الحكاواتي" نفسه نوطات موسيقية ليست في حاجة لمن يعزفها أو يغنّيها ...

صوتي لا يحتاج عزفا

نبرات الحزن احلى

حين يزداد جنوني

 نغمة  الحزن جمال بغنائي

هي ايضا نظرة الحزن

جمال بعيوني

        تلك النّوطات الموسيقية ما هي إلاّ نبرات حزن أحلى من كلّ فرح إذا تزامن مع اشتداد جنون عشقها ..و العشق حبّ بجنون و مجازفة وجدانية لا تعترف بأي حدود و حواجز قد تعترض طريقها ــــ  زمانية كانت  أو مكانية أو قيمية اجتمعاية أو حتى إنسانية ...و ها هي تؤكد ثانية بأنّ نوطاتها الموسيقية لأغنياته ما هي إلا أنغام حزن رابضة في سراديب الوجدان و قد انعكست يعض ملامحها الحزينة الكئيبة في نظرات عيونها و بريقها  ؛فنظرات العيون بريد الأروح .

و تؤكد و تقرر بأن منابع عشقها و أصوله إنّما هي :

 

انني اعشق صمتي وانسكاري

انني اعشق موتي واختياري

وكتاباتي تجيئ كلما

هزت حكاياه غصوني

مصادر عشقها الجنوني صمتها  وانكساراتها  و الموت  النّفسي و اختياراتها ..كلّ هذه المصادر مجتمعة شكّلت طبيعة كتابتها و هزّت غصون حكاياتها فجاءت حروف أشعارها على هذا النحو المميّز ...

و باستعمال فعل الأمر " انظري " تنقلنا من الماضي القريب إلى الحاضر المعيش  لتوجّه انتباه السامع أو القارئ رسالتها الثالثة  ....

انظري الورد بكفي

اني اسقيه دموعا

هو يحيا وانا أسقط

في نار شجوني

و للفعل الماضي توظيفاته حسب طبيعة الآمر و المأمور  و هو هنا بين متماثلين متكافئين فجاء على سبيل  الاستئناس و التّناصح و تبادل وجهات النّظر و الخبرات المكتسبة و التجارب الخاصّة ..

" انظري "فعل أمر طلبي للفت انتباه المأمور إلى خير كثير أو أمر نافع ..و رسالتها الحميمية التي تعبّر عن خلجات دواخلها و كيف أصبحت للورد وطنا  و ترابا و سكنا وهي نفسها  الغيمة الباكية  التى تدرّ بالغيوث المتهاطلة في صورة دمعات تسقي عطشها و تقوّي عوده و تمنحه الحياة و تسقط هي شهيدة الواجب في قعر نار أشجانها و أحزانها المتّقدة الملتهبة لتأكل النار ما تبقى منها من أشلاء و ذكريات و آمال و تطلّعات ..

و ما تشبيه نفسها بالشّمعة إلاّ تأكيدا آخر و إشارة  قويّة للاحتراق بهدف إشاعة النّور للسائرين و الأمن للحالمين دون انتظار جزاء أو ثوابا أو ثناءأو شكورا من أحد ..لتكتمل الرّسالة كاملة ناصعة ..

تصنع الشمعة ضوءا

من حكاياها وتبكي

انها مثلي تماما

انها تحمل نبضي وجفوني

فأنا انزف شعرا  

ودمي زرقة بحر

ومعي يكبر جرحي

  وهواي .. وظنوني

 

        و ما تشبيه ذوبان الشمعة بنزيف الشعر إلاّ تعبيرا  عن عظم حجم  ثخانة الجروح الغائرة و تقرّحاتها و تداعياتها على نفسيتها المتهاوية المتساقطة ..و لكنها تضيف إلى المشهد عنصر جماليا جديدا ذلك بأن هاته الشموع المضيئة إنّما تستمدّ زيت ضوئهما من أسرجة حكاياتها لاشتركهما في التضحية من أجل من نحبّ حبّا و رضى و قناعة ..فإذا أحببتم أن تروا نبض حكاياتها فانظروا إلى احتراق الشّموع لأنّها تبدي لكم ما أخفيه ...و لكن هي تنزف شمعا و شاعرتنا تنزف شعرا و هذه صورة جمالية تشبيهية بليغة اختفت فيها أداة التشبيه و حضر المشبه و المشبه و وجه الشبه المركبّ من عدة أوجه للتشابه و بذلك تتجلى الصورة الجمالية في أبهى صورها و أكمل وجوهها بالرغم من اجتماع لعناصر عديدة في صورة تشبيهية واحدة فالقارئ في حاجة إللى الجمع بين أجزاء عديدة لتكتمل اللوحة الفنّية المستهدفة من تشبيه شاعرتنا المعذّبة المأرّقة .

و ما نزيف شعرها عندها بلون البحر الأزرق تسربل و تلّون لتبين في صورتها التشبيهية متى اتساع رقعة دمها النّازل كدلالة على غور جراحها و اتساع تحرّقاتها ...و لكنّ العجب العجاب أنّ النتيجة مغايرة لمقدماتها فبلا أن تموت و تنتهي فصول حكاياتها ها هو الجرح يكبر و مع كلّ اتساع تتسع هوّة الجرح و فوهته ، وتزداد ظنونها و شكوكها في نيل مرادها ، و كبر هواها و تضخمّه للحبيب الغائب الحاضر المرتقب..و يا لها من مفارقات صادمة ..و هذه من ألطف رسائلها و أحنّها و أصدقها.. لتختم رسائل حكاياتها كما ابتدأت بمقدمة  " لست مثلي"و نهاية " لن تكوني " و بذلك تكون بداية العقدة هي نهايتها و هذا مخالف لطبيعة تركيب عناصر الحكاية و القصص..و هذا أيضا من المفارقات العجيبة...

 

لست مثلي..

لست شمسا

تهدي كل من في الارض

دفئا وحكايا

لست شمسا ..صدقيني

لن تكوني

          لكنّها في هذا المقطع تعترف بسلطان الأمر الواقع ، و بمحدودية بشريتها ،  و حدود قدراتها و علمها فتقرّ بحقيقة أمرها ، و بأنّها لن تستطيع لعب دور الشّمس التي تهدي الأرض دفئا دائما و حكايات طريفة ظريفة   ،  و تتحسّر من جديد ، و لا وجه لمقارنتها بها ، و تقرّ معلنة  ثانية بأنّها ليست كالشمس و عليها ألاّ تخادع نفسها  ، و تدّعي ما ليس لها و ما ليس لها إليه من سبيل ؛ لتختتم مشاهد حكاياتها تأكيدا لمقدماتها ؛ فتنحلّ بذلك عقدة حكاياتها التي هي في حقيقتها رسائل قويّة  و تبقى وحدها تحمل همومها و أحزانها ..آمالها   و آلامها ماضية إلى آخر الدّرب ..

     و لنا أن تخيّل النهاية التراجيدية الحزينة لبطلة حكاياتنا قياسا على تشبيهاتها التي توزّعت بين ذوبان الشمعة  و نزيف الجرح المستمرّ فكلا النّتيجتين معلومتين مسبقا ..و تفضى لا محالة الموت القسري ..

انطفاء الشمعة و للأبد ، و تجمد العروق نتيجة استمرا نزيف الدّم الذي يعقبه موت بطيء  حتميّ...و لا أظنّ أنّ أحدا يختار طريقها هذا لذلك تقرّر و هي جازمة غير كاذبة جاعلة آخر أنفاس حكايتها " لن تكوني " و المقدمة معروفة سلفا

" لست مثلي.. " ...و بذلك تقطع السّبيل على كلّ  مدّع  كاذب  في  حبّه و وولائه و تجزم بأنّه طريق من سلكه تعب و تعذّب و هلك ..

هي حكايا .. هيّ رسائل قويّة .. هي بذل و لامنّ ..تضحية برضى و قناعة ..و أخيرا هي ملحمة امرأة وفيّة صادقة ..صابرة محتسبة .

قسنطينة الجزائر في 03.08.2020

 

 

24.                    قراءة جمالية في " لوحة سريالية " للشّاعرة السّورية شذا رفعت

 

    لوحة سريالية هي صورة ذكراك تتداخل فيها الحقيقة بالخيال و تتعلّق الذّات بالمستحيل ...عندما تهبّ عواصف الذكرى و زوابع الشّوق  فتثير أتربة حبّ رابض في أعمق الوجدان فيدنو منّي طيفك المتواري خلف جُدر المسافات     و أكوام الوقت المتراكمة و حصون الأمكنة الشامخة فتمتدّ يدي لتصافح يدك و تتسارع نبضات قلبي لانبلاج صورتك المترنحة أمامي  خلف ستار ممرد بقوارير و تنقلب صورتك المتخيّلة إلى حقيقة مادية مشاهدة فتتناغم الأرواح    و تتحد و إلى الأبد...تلك هي صورة طيفك السريالية و هي تداعب أوتار قلب منكسر من نزف الذكرى..

رسائل شوق فواحة عبقة تنشر شذاها فيتعطر القلب و يغدو زهرة ياسمين في جنات حروفها العاطرة  لسيدة النقاء و الطهر الشاعرة شذا رفعت في قصيدتها " لوحة سريالية " ..لوحة سرياليّة تشترك فيها عناصر أربعة و لا تبوح بسرّها إلا باجتماعها جميعا ..فهي لوحة كليّة  مألّفة من أربعة أجزاء فما حقيقة كلّ جزء منها ؟ و ما هي الرسائل المرسلة أو الإيحاءات الفنية الجمالية التي تبعثها ؟

في هذا المقطع تنعكس صورة الشّتات النّفسي و التّخبط الرّوحي الذي يؤدي إلى الاهتداء إلى الحقيقة و يتزاحم الخيال و ات  و الاستعارات المكنية لتؤسس معا مفهوم اللوحة السّريالية في جوانب ممّا تتضمّنه السريالية كنظرية أدبية         و اتجاه  فنّي كانت قد ظهرت في أوروبا .. فالشذوذ النّفسي و الجنوح إلى الخيال من العناصر المؤسسة للسريالية كمفهوم و مصطلح..

تعم ّالروح ... ضوضاء

وتتلعثم الحروف ...

تزهو الأشياء ببهائها...

تزرع الليلاك في كفي...

تكتب على شفا ورقة...

رماها الخريف...

     صُور عديدة و كثافة  ملحوظة للألفاظ في هذا المقطع  ساهمتا في إزاحة السّتار عن الصراع النفسي الذي ارتجت أركانه و تصدّعت من داخل الوجدان مما نجم عنها فوضى عارمة انتشرت في روحها الآمنة كما تنتشر النار في الهشيم الجاف  اليابس .و تركتها متقطّعة الأنفاس ، شاردة الذهن يتوزّعها نوع من عيّ اللسان و قد برز في صور تلعثم حروف قلبها    و شعرها متداخلا مع تمرّد بعض الأشياء و إيثار الزّهو و الاعتداد ببهائها على حساب تلك الفوضى النّاشبة ..و كم كانت النّتيجة غير متوقّعة و هذا من طبيعة السريالية نفسها إذ هذه الفوضى و المتناقضات تسبّبت في زرع زهرة الليلاك أو الليلك و يكون كفّها اللطيف       ذلك التّراب الذي تنمو فيه و تكبر ..و هي إشارة واضحة لغلبة الأمل في قلبها و انتصار الحبّ على حساب الخريف و مساءاته و قد طفقت تكتب برغم الفوضى و تلعثم ألسن الحروف    و على شفا ورقة حكاية حبّها .و المعروف بأن زهرة الليلك ترمز إلى احتدام الشوق و تجدد الأمل       و دفء الابتسامة و كلّ معنى جميل يكون وقعه على النّفس بردا  و سلاما      و أمنا و طمأنينة ...

و تبقى اللوحة في أمس" الحاجة إلى أجزائها المتبقية ليأتي هذا المقطع ليزيح جانبا معتما منها و يضيء جانبا آخر منها ...إنّه الحلم ..هذه الجنّة الوهميّة التي أنبتت أشجارها روح الشاعرة الحالمة و آثرت الهروب إليها في ظلّ سطوة الواقع المرير و ما أجمل تعبيرها حين كتبت:

حلم تطاول على اليقظة...

في مفترق الطريق...

تتضاحك...

عيون الاطفال بالمرح...

تلهو نسمات في الظل والضوء...

الأرض عطشى للودق...

بانتظار لقاء على المفرق...

قهوتي أذابها لحن فيروزي...

" سلملي عليه "...

       و لتكتمل اللوحة السّريالية يأتي الحلم ليفرض نفسه على اليقظة متحديّا الواقع و غلبته و نفوده باسطا سطوته و مشيّدا بناءه الخاص في وجدان الشّاعرة ..و ما الحلم عند السرياليين إلاّ بداية الحقيقة و اختلال ميزان الأشياء  ..لتصل إلى مفترق الطرق و تتخذ قرارها النّهائي و الحاسم عمّا تكابده من فوضى و اضطراب و تلعثم... وها هو حلمها يبوح بتفاصيله ..                   و تتراءى لها عيون أطفال أبرياء يضحكون و يمرحون ..تلّطف أجواءها نسمات عليلة تلهو بأسرّها المتهادية المتماوجة بين ظلّ ظليل و ضوء منير ينتظرون لقاء مرتقبا لحبيب غائب حاضر عل مفترق الطريق ..و زاد المشهد رومانسية و رونقا و لطافة ارتشاف الشاعرة لقهوتها التي أثرت حبّات سكر فيروزية على أنغام موسيقى " سلملي عليه ..."

و تتوالى الأيام و هي على تلك الحال صابرة حالمة ليدور الزّمان دورته ،           و تنفتح زهرة الليلاك ، و هي بين حلّ و ترحال تمدّ خطواتها بين مفترق الطريق و شواطئ بيروت الحالمة السّاحرة و كأنّها تعيد مشهد سارة زوجة إبراهيم بين الصّفا و المروة...

زهرة الليلاك تفتحت في كفي...

بانتظارك...

خطوات على شاطئ بيروت...

و لا يفارقها الذي بقى حبيس التّرقب لتعيد حكاية موسى و هو خائف يترقّب ..و الترّقب انتظار قد يكون فيه خيرا و قد يأتي بالشّر ...و من شدّة شوقها و صبرها يصرخ الصّمت و يسمع له عجعجة متسبّبا في صدوع و شقوق طالت فوضى الروح الصاخبة ..ثمّ تجنح مرّة أخرى إلى الارتماء في أحضان الخيال لتصوّر عدد الليالي التي قضتها و هي تنظر فتصفها بالشّلالات المتدفقة المتجددة و كم من غيمة عانقتها و مرت بالقرب منها و لم تحني منها إلاّ أطلال الظلام الدامس...و هذه التشبيهات المركبّة زادت في جمالية مشهد الانتظار و جعلتنا نتعاطف معها و نرحم معاناتها هذه ..و قد نجحت في ظلك و أبدعت.

والأمل حبيس التّرقب...

صراخ الصّمت ...

شق ضجيج الروح...

شلالات من النجوم ...

تعانق السّحاب...

تلاقي دخان من الظلام...

        لم تقف صامتة  مكتوفة الأيدي أمام هذا الموقف الحرج المحزن الكئيب و آثرت أن تستصرخ النّور طلبا لنجدتها و الإشفاق لحالها و إنهاء مأساتها ..فهي ترى في النّور المنجد و المخلّص.. و النّور  إشارة إلى الفرج   و المخرج و بداية زمن جديد جميل..

تستصرخ النور...

ليحتضنها كف طفل اسمه ...

الشّوق ...

يرسم لوحة سريالية... ·

و هي في استجلاب النجدة و قد علاها الجؤار و الصراخ يأتي الفرج القريب و يتقدّم منها أولئك الأطفال الأبرياء الذين كانت تراهم يلعبون و يمرحون أماما و يحتضنونها بحرقة و حنان لتكتشف بأنّ تلك الكفوف الحانية المحتضنة ما هي إلا شوقها المتزايد و طيف حبّها الصادق لتكتمل اللوحة السّريالية . و كم كانت النّهاية مفرحة على الأقل بالنّسبة للقارئ حين يكتشف حقيقة أولئك الأطفال و ضحكاتهم و كثرة شلّالات النّجوم المزهرة ...إنّها بحقّ لوحة سرياليّة جمعت تقريبا كلّ عناصرها من خيال و حلم و حبّ و شذوذ نفسي ...

ما أجمل أن تعيش تجربة امرأة حالمة صابرة محتسبة ! ...

قسنطينة في 04.08.2020

 

25.                    قراءة في قصيدة محطّات العمر للشاعرة العراقية شذا رفعت

 

            الذكريات لحظات خاطفة لكن فعلها كالبركان في الغليان و الهيجان و أمّا تأثيرها فهادم للنفس و الاستقرار ...و ما هذه القصيدة إلاّ مشهدا مصوّرا وجدانيا لتلك اللحظة الفارقة ..قصيدة "محطّات العمر" للشاعرة النّقيّة الطاهرة العراقية شذا رفعت حيث تأخذ بألبابنا نحو مقامات نفسية سامية و بلغة عربية قويّة الأجراس غزيرة المعاني ...

النص:

محطات العمر

حقائب السفر

الطرق مكتظة بالذكريات

تنشد الهداية للآفاق

من اوهام تعاني الهذيان

حين اسافر اليك

كأن شوقي يطيل المسافات

حين اكتب اسمك تسبقني اليك الكلمات

تترجل في اول محطات الثواني

لتعلن اختصار فصل الخريف

فقط لأني أكتب اليك

 

محطات العمر العنوان يختصر الانسان و عمره و يضفي بظلاله على المشهد الانساني عامة و الوجداني خاصة ...

حقائب السفر الحقيبة ترمز عموما إلى أمرين ..الذكريات و الموروثات من جهة و إلى الأسفار و الانتقال من مكان إلى مكان و من حال إلى حال.. أي السفر المادي و السفر المعنوي... لكن الطرقات التي تؤدي إلى المنشود و المؤمّل تعجّ بالذكريات الجميلة و حتى المؤلمة منها ...و كأنها تحاصر النفس و تضيّق عليها الرؤية مع أن النفس تنشد في آخر المطاف الهداية و الهدى و الاهتداء نحو أفق بل آفاق رحبة ..مضيئة..منيرة ..تعجّ بالسعادة و الأمن و الطمأنينة... فما أكثر الأوهام المضللة التي تتراءى للسائر في تلك الآفاق المنشودة و الدروب المكتظة بالذكريات...إلى درجة قد تصيب صاحبها بنوع من الهذيان الذي يدخله في دوّامة الشك و عاصفة التيه...

 

الطرق مكتظة بالذكريات

تنشد الهداية للآفاق

حقائب السفر

الطرق مكتظة بالذكريات

تنشد الهداية للآفاق

من اوهام تعاني الهذيان

 

 

من أوهام تعاني الهذيان و لكن الحقيقة فارقة و مفرحة حيث أن قلب الحبيب عندما يسافر إلى محبوبه يستحيل الشوق نفسه إلى حواجز معيقة تمنع قلبي الحبيبين من أن يلتقيا و تخلق بينهما مسافات ...

ثم تستدرك و تستريح قليلا لتؤكد بأنّ مجرد كتابة حروف اسم حبيبها في جدارية الوجدان    و الذاكرة تتسابق إليه الكلمات فتكسّر تلك المسافات المضروبة و الحواجز المنصوبة ...و لكنها للأسف سرعان ما تترجلّ و تموت في أوّل محطّات الزمن و اختارت الثواني بالتحديد لتشير لسرعة تلاشي تلك الحروف و موتها...لتعلن للملأ و الوجود دخول فصل الخريف بريحه الشديدة و تناثر أوراقه الصفراء الذابلة و بقتامة مساءاته و أحزانه المتعاقبة ...و ما ذلك إلاّ لأنها كتبت اسم حبيبها في لوحة روحها الحالمة ...و إليك بمقطعها الأخير التراجيدي لتقرأه على هدى و رويّة لتشعر بغربتها و باستحالة ذلك اللقاء المرتقب...

حين اسافر اليك

كأن شوقي يطيل المسافات

حين اكتب اسمك تسبقني اليك الكلمات

تترجل في اول محطات الثواني

لتعلن اختصار فصل الخريف

فقط لأني أكتب اليك

الجزائر في 26.09.2020

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

26.                ميعاد موقوت مع رواية "ظلام منحوت" للروائي التّونسي الشاذلي القرواشي

-  و تُفتحُ الأبواب ...

          الشّاعر حين يؤلف رواية يمدّها من أنفاسه الجيّاشة حياة خالدة ،   و ينثر على فضاءاتها من غيمات عواطفه السّاميّة جواهر حسان فيزدان جيدها ، و تكثر ظلالها و يتزاحم مريدوها و خطّابها ؛ فكذلك رواية "ظلام منحوت" للأديب الشاذلي القرواشي الذي سبح بأرواحنا و عقولنا و عواطفنا و أحاسيسنا في سماوات عوالمه الخاصّة الفكرية منها و الفلسفية                     و الاجتماعية  و الجيوسياسية ، و الصوفية منها و العلمية فامتلأت نفوسنا المتلهّفة شبعا و أفئدتنا الظامئة ريّا فأنبتت بحول الله من كلّ زوج بهيج يسرّ النّاظرين ...فجاءت هذه التّأملات و الكشوفات عربون شكر ، و سفينة عرفان لمن تحترق الكلمات باحتراقهم و تضيئ الشموع من أنوار فتائل مهجهم .

"ظلام منحوت"  عنوان مثير و مستفزّ يعكس ظلالا و ألوانا و مشاهد و مفاجآت بل و يحوي آلاف العقد المتداخلة و لن تحلّ عقدهُ إلاّ بقراءة متأنيّة لأحداث الرّواية ، و فكّ شفرات عقدها واحدة تلو أخرى إذ أنها تترى كتناثر حبّات عقد متناثرة فوق بساط أزرق عبقري .

ثمّ إنّ النّحت عملية فنّية جمالية تتناغم فيها عبقرية النّاحت الحالمة مع تفاصيل المنحوت فيشكّلان معا قوّة إبداعية خلاّقة ، و طاقة إيجابية كاشفة تضفي السّعادة و الرّاحة للمارين عبر فصول روايتها و أحدات دروبها الشيّقة الممتعة ..

و دون سابق إنذار و لا مقدمات مشوّقة يجرّنا الروائي الشاذلي القرواشي إلى باحات روايته جرّا مزلزلا بمقطع قويّ يعكس دلالات صوفية و أخرى فلسفية عن مفهومي النّور و الظلام المنحوتين داخل وجداننا نحن البشر ، و كأنّه يقول لنا بأنّنا نحن مصدر النّور و الظلام و أننا قد أوتينا القدرة على التّحكم فيه و بإمكان كلّ واحد من البشر أن ينحت داخله نورا فتتراءى له حقائق الأشياء عيانا ، و تنقاد له رقابها فيهتدي إلى كشف أسرار نفسه المكنونة و معرفة طاقاتها المبثوثة فيها كما أنّه بإمكانه أن ينحت ظلاما فيعيش عيشة الظلام متلفعا بسراديب العتمة الحالكات يخشى الأنوار و يخشاها كل شيء و موجود .

-        وتبدأ الرحلة المباركة ...

يعمد الكاتب بداية إلى قلب الأشياء حين ينقلنا من العالم الحسّي المادي إلى العالم المعنوي المجرّد عندما يخترع فكرة بديعة عجيبة في آن واحد بعد أن هيّأ لها من العدّة والوسائل ما يكفي، حيث شحن نفوسا بشحنات طاقوية إيجابية، وجعلنا ننتقل عبر شخصياه "سارة ورتاج" من عالم النّور المشهود إلى عالم الظلام المنحوت بخوض الطالبة سارة غمار تجربة مثيرة للاهتمام، وهي محاول التسلل إلى عالم "رتاج " الكمهاء العمياء خلقة

عبر وضع عصابة سوداء على عينيها واكتشاف عالم صديقتها العجيب الذي لسه من خلال مشاهدتها للمنظومة الدقيقة للحركات والّسكنات والخطوات والتّصرفات الصادرة عن صديقتها رتاج

وتبدأ المغامرة وتدخل "سارة " بتدرج وحذر شديدين عالم صديقتها "رتاج" عالم صديقها الاظلام المثير...

ما أنّ تضع "سارة " خطواتها الأولى حتّى تبدأ وصديقتها " رتاج  "عبر وسائل متعدّدة و حوارات هادئة مستفزّة أحيانا التعرّف على هذا العالم الغريب المكنون الذي يستحقّ التنويه به ، و الوقوف عند ضفافه بل و الإصغاء إلى حداء ترانيمه ، و تراتيل أحاديثه ، و عجائب أحواله و دقائق تفاصيله          و آثار إيحاءاته... هو عالم مجرّد من أثقال الماديات و المحسوسات  ، يهيمن فيه العقل المجرّد و الإحساس المرهف و الشعور الكاشف عبر التقاط الموجات الإيجابية و السّلبية المتولدة من كلّ ما يحيط به من أشياء و أصوات و حركات و روائح مستعينة بذلك عن طريق السّمع و اللمس   و الذوق و الشمّ ، و بشيء   خامس عجيب ملفت ألا و هو "تداخل الطاقات " هذا العامل الأخير يعدّ فكرة جديدة خطيرة صادمة يحاول الكاتب من خلال شخصيات روايته تبليغها للقارئ و تجسيدها كحقيقة موجودة مؤثرة و غاية مرجوة و هدف سام منشود .

عالم خاص ...

 في هذا العالم الجديد لا وجود للمقدّس و لا للبديهيات و الأبجديات فكلّ شيء هنا قابل للنّقاش و إعادة تدوير و ربما تشكيل ..عالم يفتح الأبواب واسعة أمام عيون التّأمل و التفكير ، و ينظر إلى الأشياء و الأسماء و الوجود نظرة مختلفة تماما على ما عهده الانسان و قرّره العلم و أكدّته التجارب و الخبرات ..هو عالم يعيد قراءة حقائق الأشياء و الوجود           و الإنسانية من زوايا جديدة و رؤى مستحدثة .

و عبر حوار هادئ منطقي علمي و موضوعيّ ..حوار متدرج متأنّي يلج بنا الكاتب إلى إعادة طرح الأسئلة الخالدة الكبيرة  من جديد ، مستفسرا عن حقيقة الانسان و خلقه و بداياته و مساراته و مختلف مراحل تطور وجوده و لعلّ نظرية التّطور البيولوجيّ لداروين كانت المقدمة نحو تبيان أفكاره الجريئة ، و بيان أسرار عوالم فكره و طرحه ، و الوقوف على وجهات نظره و تقاطعات تساؤلاته المتكررة أنّه لا يوافق داروين  ..غير أنّه يصرّح بداية بأنّه لا يوافق داروين في إعادة أصل الانسان إلى سلالة القرود بل يسيح به فكره إلى طر ح فكرة جديدة رائدة مفادها بأنّ أنواع الحيوانات قد خضعت إلى التّطور البيولوجي و آلت كّلها في النّهاية في صورة إنسان ... فهي نظرية تتلف مع نظرية داروين في أصل إنسان ولّنها تتفق معه في فكرة التّطور غيرأنّه يقع في تناقص صرح مع نفسه إذ لا وجود للوسيط بينهما أيّ من اللبؤة والقطة مثلا ، فيسارع لتليل ذلك بإلقاء اللوم على خاصّية الانقراض ويعزو إليها اختفاء تلك الحيوانات المنقرضة و السلالات البائدة ، ثمّ يحاول جاهدا التشبث بالخيال على أنّه مربط الفرس ، وحجر الزاوية نافسا بذلك البديهيات والعقل نفسه ،وفي حقيقة الأمّر فإنّ الخيال نفسه لا يعّدو إلاّ أنّ سكون من الممكن عقلا ولا وجودا والكاب بهذا يناقض فكره بفكره ...

فالممكن عقلا لا وجودا هو وجود شيء في العقل فقط أيّ أنّه متخيل ولا يمكن أنّ يكون موجودا واقعا إلّا إذا تحققت شروط وجوده ثّم إنّه لن يوجد إلا لموجد له وهذان شرطان أساسين في إمكانية تحققه أيّ تحقق الخيال عقلا ووجودا . ثمّ يحاول البرهنة على فكرته الوجودية يضرب بعض الأمثلة ناسفا  لعرش البديهيات ، ونافيا للاستعارة وإحالة كلّ ذلك إلى الكائن المترسّب في الإنسان نفسه (ص.46).

ولتقرير صحّة ما يسعى إليه ارتمى في أحضان الاستغراق ، ناسبا إليه تقمص كائن من الكائنات (ص. 50) ، مركّزا على صورته حيث تنتقل صورة ذلك الكائن المتخيَّل   إلى روح المتخيِّل فيستحيل نفسه أي يتداخلان و يصيران كائنا واحدا متّحدا كمن تخيّل نفسه أفعى زاحفة فراح يقلّد حركاتها                       و أخلاقها إلى أن وصل به المطاف إلى المطالبة بتزويجه بأفعى من جنسه ..

و نرى الكاتب يشير بإشارات ذكية مقتضبة (ص. 52 وما بعدها) إلى نظرية بافلوف في تكوين المنعكسات الشرطية و الفطرية و إن لم يسمّها صراحة غير أنّه يضرب لذلك مثلا هو أقرب لتجربة بافلوف إذ بمجرّد ذكر ثمار بذاتها و تخيّلها كالتّفاح مثلا إلاّ و يقو الذهن بردّة فعل مباشرة فيفرز مذاقا لتلك الثمرة المتخيّلة فيحصل الشّبع ...و لا يزال كاتبنا يسرد من الأدّلة و الشّواهد عساه أن يقنع القارئ بصحة فكرته هذه، و ما استعانته بمثل هذه التّجارب إلاّ دليل على نيّته تلك .

ثمّ نراه يطرح الكاتب فكرة جديدة و مثيرة للاهتمام و هي علاقة الانفعالات بالأدرينالين و مختلف التقاطعات بينهما ، فمثلا عندما يكون الشّخص غاضبا و في حالة هيجان و ثوران تكون مقاطع كلامه قصيرة أي وحداتها الصوتية منغلقة بينما يحصل العكس تماما في حالة الرضى و الهدوء           و الاسترخاء أي تكون وحدات أصواتها منفتحة و تلكم فكرة عبقريّة رائدة.

و بدخول شخصيات جديدة إلى مسرح أحداث الرّواية (هشام و أخته زينب) فإنّه يلفن انتباه القارئ إلى رؤية هشام عندما كان غائبا للوعي لعدّة شهور نتيجة حادث مروّع وقع له محاولة منه إلى إضافة قرائن جديدة تصبّ كلّها في خانة إمكانية خروج الرّح من جسد صاحبها ة قيامها بجولات أثيرية تفقدية استطلاعية هنا و هناك حيث تقوم بالاطمئنان عن أحوال أحبائها      و في نفس الوقت تقوم بإرسال إشارات لطمأنة أحبابها غير أنّ أولئك الأحباب أحياء يرزقون و لا يملكون القدرة  الكافية لينتبهوا إلى روحه المحلّقة السّابحة فيرونها رأي العين و يسمعونها و يستجيبون لها كما يراهم هو و يسمعهم و يشعر بهم و بأحوالهم ..  

-        تناغم الأرواح و تداخلها ..

و في هذا السّياق يعرض الكاتب وجهات نظر متعدّدة لشخصيات روايته ؛ فوجهة نظر زينب النّفسية بحكم تخصّصها في علم النّفس ، و وجهة نظر سارة الفلسفية و دخول مسارات جديدة أدّت إلى تنامي فلسفتها بعد قيامها بتجربتها الملفتة ، و وجهة نظر هشام نفسه صاحب الرؤية العجيبة و أخيرا وجهة نظر رتاج المؤكّدة لتفاصيل رؤية هشام حبيبها الواعد ..

إذن فنحن أمام وجهات نظر مختلفة و متعدّدة ، متداخلة و متصارعة يديرها الكاتب بخبرته الحياتية و تجربته الطويلة المعتبرة و ثقافته الواسعة         و طروحاتها الفكرية ..فهل يا ترى سينجح في إقناع القارئ بوجهة نظره النّهائية أم سيدخلنا في دوّامة من الشّكوك و الأوهام ؟ ..

تفاصيل الرّواية و فصولها و أحداثها ستجيب حتما عن هذا التساؤل المحوري الفاصل ...

و كنتيجة أوليّة عن صيرورة تلك الحوارات و للحقيقة فإنّ الكاتب أقنع شخصيّات روايته بما ذهب إليه من أفكار ، و خاصة زينب و رتاج لكن القطار لا يزال بعيدا عن محطته النهائية و أرقام الشفرة لم تبح بحقيقتها و مع ذلك فقد استطاع بلغته السّامية أن يرينا عالمه الجديد مثيرا في أنفسنا الحماسة الكبيرة للمغامرة معه و الخوض في فضاءات فكرية فلسفية صوفية و التي تتطلب منه ألف ألف دليل .

ففكرة خروج الرّوح و عروجها مع بقاء الجسد التّرابي مكانه و ما يحدث لهذه الرّوح من أفراح و عذابات و خوضها لمشاهد مرعبة محزنة  و أخرى سارّة مفرحة تشبه إلى حدّ كبير معراج النبيّ محمد صلى الله عليه و سلم و ما عايشه و شاهده في تلك الرحلة المباركة من مشاهد قاسية و مهولة و أخرى آمنة مطمئنّة لكن مع الفارق بين المعراجين ذلك أنّ أرواح الذين رآهم الرسول قد فارقت أجساد أصحابها و لا مطمع في رجوعها إلى أجسادها التّرابية إذ أنها الآن تُعذّب أو تُنعّم بينما أرواح شخصيات روايته سرعان ما تعود إلى أجساد أصحابها فيكون لرجوعها أثرا مباشرا في تغيير أحوال حيواتهم و دخولهم عوالم جديدة مع قدرتهم على سرد حكاياتهم لعامة الناس و خاصتهم و بالتّفصيل الدقيق و ما حدث لهم من كشوفات خارقة في ذلك المعراج المؤقت ..فالمعراجان يشتركان من حيث المبدأ و يختلفان من حيث المآلات و التأثير            و النهايات ..و فرق شاسع بين رؤية نبيّ مرسل و عروجه و بين رؤية شخص عاديّ و عروج روحه ؛ ثمّ ينتقل الكاتب بنا للحديث عن الكرامات و الألطاف النّورانية ، و صفة المحبّة الماثلة في الذّات الانسانية  ثم ما فتأ أن عاد بنا من جديد إلى صيرورة الانسان و انتقاله من طور إلى طور إلاّ أن انتهت به الرحلة إلى قالبه الأخير الحالي حيث يفرّق الكاتب بين شكلين للنوع الإنساني ...إنسان عالم الماورائي         و الإنسان الأرضي وحيد الخليّة كما يزعم و يقرّرهُ ..

و ليزيد فكرته جلاء يستحضر العاطفة كشاهد معنويّ متسائلا إذ كيف للمكفوف بنوعيه ذكرا أو أنثى القدرة على الحبّ كونه لا يرى ملامح حبيبه و محاسنه و مواصفاته مستدلا بعجز بيت شعري لبشار بن برد.. و الأذن تعشق قبل العين أحيانا ..لكنّه للأسف الشديد سرعان ما يعود إلى الصوت و نبراته و تردّداته كردّة فعل لما يجول في أذهان الآخر            و ما يكتنفه من أسرار مستترة و مواجد رابضة ..و لست أدري هل هذا فعل منه مقصود يخفي أسرارا ستبوح بها أحداث و مجريات روايته مستقبلا و مخصصا للعاطفة حيّزا آخر .

-         إسقاطات  التّوجه الصوفيّ ..  

ابتداء من الصفحة 62 بدأت الرّواية تأخذ منحنى صوفيا خالصا ، ؛ حيث تبرز الأحلام و الرّؤى كمعالم هادية للغوص في دواخل ذواتنا  علّها تجيب عن بعض التساؤلات بحلّها لبعض شفرات الحياة المعقّدة و لعلّ الكابوس الذي تراءى لسارة حينما أسلمت روحها للنوم أوّل القطرة التي أفاضت الكأس.

و تستمرّ مغامرة "سارة" إذ تقرّر بإلحاح و قناعة مواصلة تجربتها فتقرّر الخروج مع صديقتها "رتاج" معصّبة العينين مرتدية نظارتين سوداوتين لتكتشف هذا العالم من جديد الذي يعجّ بالحركة و الضجيج و الأصوات ..و ما هي إلاّ لحظات و تستنج "سارة" بأنّ العامل الأساسي في هذا العالم المظلم إنّما يعود بالدّرجة الأولى إلى ضبط العقل و الإحساس و قدرتهما الفائقة في تفسير تلك الفوضى العارمة و حجم الضجيج المنبعث من كلّ صوب و حدب تفسيرا صحيحا و دقيقا إذ لا مجال للخطأ أو التّردّد و بذلك ينقلب السّحر على السّاحر، و تصبح "رتاج" الكفيفة هي الدليل طريق "سارة" المبصرة لما لرتاج من خبرة عالية مع تلك العصا البيضاء و نبرات أصواتها المتصاعدة و النازلة ..يأخذ الكاتب بأسلوبه الممتع بشآبيب نفوسنا عبر جولة ثانية إذ نسافر معه إلى ألمانيا أين تبدأ مغامرة جديدة و ممتعة لسارة في ظلّ حريّة أكبر و انفتاح أوسع و كاريزمية ألمانية حديدية؛ إذ تتمكن سارة الفتاة التونسية من هزّ عروش "فيليب" الألمانية فتوقعه في شراكها المحكم ، كاسرة بذلك جدار الصمت الألماني الملة و فلسفية غيبية ننطلق معها في مغامرة تأمليّة استكشافية و فلسفة غيبية عن حقيقة الخلق و الانسان و الوجود ..

و من خلال حوارات منطقية و شفّافة بين سارة و فيليب يحاولان معا فكّ لغز الانسان الغيبي و معرفة ماهية أصوله الأولى و ذلك بالربط بين تصرّفات مشتركة بين الانسان و الحيوان للدلالة على وحدة المصدر و التّلقي في شكل ثنائيات (الأسد/الغزالة)و(سارة / الجرادة) ..و لإعطاء البعد الانساني للرّؤى أحم عنوة حلم فيليب الألماني الجنسية غير المسلم كدليل آخر على تقاسم البشريّة لوحدة الوجود الإنساني و كيف استفادت "سارة" من تجربتها القديمة مع صديقتها "رتاج" و كذا جملة تفسيرات "زينب" النّفسية لحام "هشام" و بهذا يقرّر الكاتب حكما أوليّا عن وحدة الرؤي و كونها نور كاشف للغيب ، مقرب للأرواح المتباعدة ، المتحابة و المتناغمة ، و مفسّرة لكثير من غوامض الأحداث البشرية الغيبية منها خاصة و التي لم يصل العلم بعد إلى تفسير كنهها و معرفة ماهيتها و هو بهذا يوافق القرآن الكريم في رؤية الملك "عزيز مصر" للبقرات السمان  و السنبلات الخُضر في سورة يوسف عليه السّلام.

يغلق الكاتب السّتار مرّة أخرى ثمّ يولّي وجهته نحو زاويّة عريقة لسيدي أبي القاسم بلخيري رحمه الله يقطن بها شيخ كبير يعدّ قطبا من أقطاب الصوفية الربانيين (ص. 124 و ما بعدها) ليقحم من جديد تفسيرا كيميائيا لعروج الرّوح في حالة وقوح حادث ما كحادثة هشام ليعطي لها بعدا جديدا متمثّلا في تفاعل كيمائيّ بين ذرات الجسد ذاته عبر عملية الاستنساخ في شكل أثيري بحث ليستدرك بعدها و يقرّر بأنّ هذا التفسير العلمي الكيميائي لم يقل به العلم الحديث ، و بذلك يستمر في نهجه و مسار أفكاره الجريئة متظاهرا بأنّ صاحبه "هشام" بتفسيره السابق قد لاذ بالخرافة متهاويا في شراك الأشباح و الأطياف ..و لكنّه يستمر في بسط فكرة خروج الروح و معراجها مع بقاء الجسد مكانه لم يبرحه قيد أنملة ..و بهذا الصنيع المتعمّد يضرب بيد من حديد بالبديهيات عرض الحائط ،ساردا حكايات و قصص أشخاص ربّانيين استطاعوا فعل ذلك بعد مجاهدات للنّفس مضنية و قاسية  و تمكّنوا من تحرير أرواحهم من أجسادهم و القيام بالسياحة بها في فضاءات لا يحويها مكان و لا يجري عليها أزمان ...و المعروف عقائديا بأنّ الله سبحانه و تعالى هو الوحيد الذي لا يجري عليه زمن و لا يحويه مكان عكس الموجودات جميعا بما فيهم الانسان نفسه جسدا و روحا ..نعم قد تختزل المسافات          و تضيق و ينحصر الزمن و يختصر لكن تبقى نسبة معيّنة و لو كانت مهملة خاضعة للزّمن ز لا قبل للروح من أن تنفذ من ملك الله و سننه الغلاّبة.

و بإشارات صوفيّة والهة و عاشقة تتوشّح نصوص كاتبنا و تستظل تحت صفصافها الوارف إذ يسرد لنا عودة الإبصار إلى "رتاج" بعد مخاض عسير من المدّ و الجزر، و الأمل و الألم ، و الحلم و اليأس و كيف استقبلت عالمها الجديد البهيج و كيف بدأت تتعلّم أبجديّاته الأولى      و مفرداته المتولّدة مقارنة  بعالمها القديم المعتم الدامس التي كانت تحياه و تتحسس من خلاله كلّ ما يطوف في مدار شعورها من حركة أشخاص و أصوات صادرة من هنا و هناك و  روائع عطور تعوّض الأجواء ..و ها هو كاتبنا يترك عالم "رتاج" ليدخلنا في عالم "سارة" من بعدما كدنا ننسى حكايتها الجديدة و مغامرتها اللافتة مع صديقها الألماني فيليب ليغرقنا رغم أنوفنا في بحار من التّساؤلات و المتناقضات حتّى .."سارة " هذه الفتاة الحسّاسة المرهفة التي تسعى بكلّ ما أُوتيت من قوّة فكر حاضرة و شدّة بأس صلبة لتتحرّر من تأثير خارجيّ و داخليّ طمعا في ولوج عالمها الخاص حيث لا توجد خطيئة أصلا كما عبّرة ذات مرّة لصديقها الألماني بل و أكثر من ذلك فقد طلبت منه مشاركتها خوض معامع تجربتها المقبلة الغريبة.

      فكرة "سارة" جنونيّة بكلّ المقاييس إذ تريد العودة إلى أصولها الأولى و اللاعودة إلى عالمها الحالي المعيش و ذلك باسترداد و افتكاك بأحقيّة و جدارة جذرها النباتي و الحيواني القابع في سراديب داخلها ..و تبدأ و صديقها مغامرتهما فيقرران الاعتزال في كهف سحيق شبه عاريين على طريقة سكان الكهوف القدامى بعيدا عن ضوضاء مدينة "ميونخ" الألمانية و تناقضاها الصّاخبة و يدخلان حالة من الاستغراق و التّأمّل و السّكون قابعين داخل ذواتهما عساهما أن يتمكّنا من الاندماج كلّيّا مع الطبيعة الصّامتة المحيطة بهم من كلّ جانب و اتجاه..

    و تنجح "سارة" و تواصل اندماجها المتدرّج في الطبيعة بينما يفشل صديقها فيليب في تجربته و يقرر بعدها طواعية الرجوع إلى بلدته "ميونيخ" تاركا صديقته "سارة " وراءه تنتقل من مكان موحش إلى مكان أشدّ وحشة و لكنّها في حقيقة أمرها تشعر بالاطمئنان و الأنس طالما هي تعتقد بأنّها قد اندمجت روحا و قالبا مع أصولها الأولى النّباتية         و الحيوانية .

تتعمّق "سارة" في تأملاتها الكاشفة و بلغة خاصة لا تدركها و تعرف كنهها إلاّ هي و العالم المحاط بها لتعلنها صراحة لا مواربة فيها للقارئ بأنّ الموت في حقيقته استمرار في ذوات أخرى حيث تسافر المخلوقات في أسفار متجدّدة و في أشكال جديدة و هياكل أخرى ..و هي فكرة قريبة إلى فكرة تناسخ الأرواح في صورة أجساد أخرى حيوانية كانت أو نباتية لاستكمال رحلة الحياة الخالدة بعدما ظنّ الانسان بأنها ماتت و فنيت و أصابها العدم .

و يستمرّ الكاتب الشاذلي القرواشي و بلغته الصوفية العاشقة و الدّافئة في سرد نصوص تلو الأخرى أملا منه في إقناع القارئ بوجهة نظره الجريئة حين نراه يصوّر لنا موقف "فيليب" الألماني و هو يجتثّ وردة من أصولها و يعدّه نوعا من الأعمال الوحشية الكامنة في ذات بالإنسان إذ هو باجتثاثه لتلك الوردة و اقتلاعها إنّما يجتث ذاته الموزعة في روح تلك الوردة الباسمة العذرة ليعيدنا إلى فكرة وحيد الخلية و تلك الجينة العاشقة التي حوت أجزاءها كل الموجودات حيوانا أو نباتا ـ و توزّعت في ذواتها بغض النظر عن الشكل الذي آلت إليه خلقتها في نهاية المطاف.. تجربة "سارة" التّأمليّة في نظر الكاتب لا تعدّ عزلة أو انعزالا أو انفصالا أو حتى انفصاما للشخصية و إنّما هي خلوة يختلي فيها المحبوب بحبيبه فكيف إذا الحبيب أصله الذي تفرّع منه و نما              و نبت ..فانهماكها اللامتناهي بمحادثة ذاتها الموزّعة في عطر الورد      و حفيف الأوراق و نسمات الهواء و رفرفة أجنحة الطيور و ترانيم زقزقاتها و وحشة الغابة و عذريتها و سكون الليل و سباته جعلها تدخل في حالة صيام متواصل ممتدّ غير أنّها في حقيقة الأمر تتغذى عن طريق تداخل الطاقات أي تداخل طاقتها الأثيرية في طاقات تلك الموجودات على اختلاف أجناسها و أنواعها و أشكالها و أحجامها..و هي فكرة تشبه إلى حدّ ما تجربة مريم عليها السلام العذراء الناسكة الورعة حين كان يدخل عليها زكرياء عليه السلام فيجد عندها ما لذّ و طاب من الطعان و الثمار و الفواكه غير أنّ الفارق بين الواقتين أنّ طعام مريم عليها السلام من جنس طعامنا المعروف بينما طعان "سارة" من جنس طاقوي أثيري لا يُرى و لا يشعر به و شتّان بين الأمرين ..

و قد صرّح الكاتب كم من مرّة بأنّ الاندماج مع الأشياء يجعلك تأخذ بنصيب معيّن من طاقتها المبثوثة فيها ..تلك الطاقة تمدّك بالارتواء و الشّبع       و القوة و العزم و المضاء ...

و بعد هذا الإبحار في عالم الأثير يرجعنا الكاتب عبر شخصية "هشام" ذلك الشاب التّقي النّقي ، الصّوام الورع ليفتح السّتار مرة أخرى على عالمه الرّوحي الصوفي الحالم إذ لاحظ صديقه "عصام" بحكم خبرته و سنّه تغيّرات عجيبة و تحولات عميقة في شخصية صديقه "هشام" و يزيد الكاتب فكرة تداخل الطاقات توضيحا و جلاء عبر حوارات دافئة هادئة بينهما و إمكانية تحوّل الانسان نفسه من حالة الكثافة الصّلبة إلى حالة الخفّة و ذلك بتكثيف طاقته الداخلية و السيطرة على الأشياء المحيطة به و الاتصال الأثيري بالطاقة النورانية الكونية فينقلب بذلك إلى كائن أثيري يشبه إلكترونيا شاردا حرّا داخل مدار الكون برّمته ..و يا لها من فكرة بديعة ..

المحبّة كخلاص للعالم ..

ثمّ يخصّص الكاتب للمحبّة حيّزا كبيرا من الاهتمام و العناية الخاصة مرورا بالأنوار القدسية و اتحادا بالموجودات التي يعدّها جواهر متّحدة في طريق الحقّ وصولا إلى الفناء في الجمال على اختلاف مسمياته من ليلة بيضاء إلى الغراب الأسود إلى النيرفانا ..و بذلك يجعل من المحبّة وطنا كبيرا يسع البشريّة جمعاء على اختلاف عقائدها و دياناتها و توجّهات أفكارها ..و بلغة الأديب الحصيف و البليغ يورد جملة من التّشبيهات البليغة عن عروج الرّوح و استعداد الذات البشرية للذوبان في بحر الفناء الهادئ العميق في كلّ محسوس ماديّ حتّى اللغة ذاتها تقف عاجزة عن التعبير و الوصف حيث يتداخل الدال في مدلوله   و يصيران معا تسابيح أجنحة حالمة تنتقل بسلاسة و مرونة و حريّة من مدار سامّ إلى مدار أسمى و أرقى إلى أن تدرك الرّوح نقطتها السّامية فتسقط الحروف          و تتهاوى ، و تتلاشى المعاني ،و تتراجع الملفوظات على حدّ تعبير الكاتب نفسه .

و فجأة ينقلب "عصام" إلى خطيب مفوّه ، و ناصح أمين تاركا صديقه "هشام" يسمو في معارج الأنوار القدسيّة [أنتم يا أبناء السّماء ...أيّتها الأرواح النّقيّة الطاهرة ..عودوا أيّها المقاتلون القدامي، يا حكماء الساموراي ]..هي صيحة عارف ملهم ، و دعوة مضفق لا لبس فيها              و لا تردّد لإنقاذ البشريّة و الأرض مما اعتلراها من ظلمات منحوتة        و غزتها من دماء ملوّثة و غشيتها من حروب مدمّرة ..إنّه ببصيرته الثاقبة يتنبأ باقتراب الطوفان الجارف المدمّر ما لم تتحرّك هذه الأرواح الخيّرة التي آثرت سلوك طريق النّور على اختلاف أجناسها و معتقداتها و أفكارها    و مواطنها ..و لا قيمة للمبادئ السّامية و القيّم الفاضلة  العقائد الخالدة ما لم تترجم على أرض الواقع ، و تمشي على الأرض فيراها النّاس رأي العين ؛ فالشكليات و المظاهر سرعان ما تتبخر و تتأخر بمجرد سطوع أول ومضة لأشعة النّور الباسم .

الجنس و حضوره اللافت ...

      و ما يلفت الانتباه حضور "الجنس" كفكرة خالدة و أزلية سرمدية ،      و بلغة طاهرة و سامقة ، و بتناغم مطرب رنّان مع جملة الأفكار المعروضة و المبثوثة في حدائق هذه الرّواية القشيبة المدهشة حيث راح يختار الكاتب من الألفاظ أشرفها و من المعاني أزكاها فيلتقي الماء على أمر قُدر.. فجاءت ألفاظه و معانيه شعلة مضيئة تلتهب التهابا فتنتشر بسرعة البرق ، فاتحة فاها لتلتهم شهوة عارمة صاخبة و ليالي حمراء راقصة     و تماهي جسدين عاشقين حالمين إلى درجة الذوبان و الفناء .. لقد تناول الكاتب مسألة الجنس بلغة فاتنة مغريّة جارفة و برومانسية حارقة بلغت أوّج الجمال و البهاء و لبست أروع الحُلل و الحليّ           و قالت بملء فيها : هيت لك ..هيت لك.. و قد أفلح الكاتب في إثارة نيران الشهوة حتى في نفسية القارئ الذي كاد أن يحترق من حمم لظاها المضرمة ..

     و هكذا تسري سنن الله تعالى في كونه و يجود [المزن بمياه الخصوبة ، و يتداخل كلّ شيء في كلّ شيء، و يزهر الرحم المهيّأ منذ ملايين السّنين (ص. 183)].و بعد هذا الكلام الموزون المسجوع بقافية العواطف المتأجّجة يلتفت إلى "رتاج" التّي نصحها الأطباء بالذهاب إلى مكان هادئ و المكوث فيه  ليكون اندماجها مع عالم الألوان و الأسماء و الأشياء طبيعيا غير مؤلم ولا صادم و لن تجد أهدأ من الصحراء          و جوّها الروحاني .. و هي غارقة  في تأمّلاتها العميقة الكاشفة ، و إثراء قاموسها الحياتي النّفسي حدث و أن زارها "هشام" صديقها القديم        و حبيبها المستقبلي الوفيّ النّقي فلم ير منها إلا ما يطمئن روحه المهتزّة ، و قلبه المتردّد  و تسرّ عينه الرقراقة   بعد أن أسمعت آذان قلبه الواله العاشق كلمات الحبّ و الوفاء له تصريحا و تلميحا بل و لمسا حانيا يمور عاطفة  و صدقا ليغادرها و قلبه مطمئنّ ، قرير العين ، عازما على الاقتران بها ،و مواصلة الرحلة إلى آخر لمشوار .

     بعد مغادرة "هشام" استمرّت "رتاج" في التنقل من مكان إلى آخر تأمّل الأشياء بتفاصيلها و دقائقها كالألوان و تدرّجاتها ، و الحشرات و تنوّعها ، و الطّيور و مشاكساتها ..ثمّ بلمسة جمالية يسدل السّتار عن عالم "رتاج" ليفتح آخر لسارة و صديقها فيليب (ص.198).

بعد تجربة موسمين كاملين تعود "سارة" من جديد إلى ميونيخ بصحبة صديقها الألماني فيليب و في داخلها العديد من الأسئلة العالقة و الكثير من المفاهيم المكتسبة و جملة من المواقف الحاسمة التي وقفت عليها جرّاء تجربتها الانعزالية و محاولتها الجادة الرامية لاندماجها الكلّي في الطبيعة بأجزائها المختلفة  حيث أكسبتها جرأة و صرامة في النقاش و الحوار فبدأت بانتقاد تصرفات المنتمين إلى جمعيات بيئية الذين تحوّلوا في نظرها إلى مجرّد حيوانات لاهثة و هائجة في رأييها و بأنّهم قد أخطأوا الطريق و صاروا أسوأ مما كانوا عليه سابقا ..و كان للتاريخ الإنساني و على قمّته الرجل الأفريقي نصيب من أحاديثها إذ نجدها تنتقد المسيحية التي جعلت من المسيح تمثالا منتصبا يأكل الشّعوب الفقيرة المستضعفة و مشيدا بالحضارة الغربية المستغولة المستهترة ثمّ نجد "سارة" و استنادا على ما مضى من طروحات تؤكّد لصديقها فيليب بأنّ مصير الرّجل الأبيض و حضارته المزيّفة المصطنعة سيؤول إلى دمارها و فنائها إذ هو بصنيعه هذا يسير إلى حتفه وهلاكه لا محالة و ستكون الطبيعة من أكبر المتضرّرين و لن ترحمه آنذاك و ستصبّ عليه جامّ غضبه و عندها لا ينفع ندم ..و يورد الكاتب أدلّة عديدة على اقتراب هيجان الطوفان الطاغي الجارف و ما أجسام أولئك الشباب اليافع الهارب و هي تطفو ميّتة بعد أن كانت تأمل بعيش رغيد خارج حدود أوطانها الأصلية و كيف أصبحت أجسادهم طعاما سائغا للحيتان ، و باتت آمالهم و آلامهم تسكن في بطن الحوت الكبير.

       و بهذه المأساة ينكشف خداع الحكومات، و لعبة السياسة القذرة التي تعطي بيد و تأخذ بيد و تضرب بيد أخرى  من حديد مقدمة مصالحها الشخصية على مصلحة الانسان و الضمير و المحبة و القيم الفاضلة السامية ، و يستمرّ الكاتب في إيراد شواهد أخرى كثقب الأوزون الفاره فاهه و استمرار ذوبان الثلج في القطبين المتجمدين ، متوقعا حجم الكارثة الإنسانية الهائلة في حالة ما هاجت تلك المياه الذائبة و أتت على ما تبقى للبشرية من يابسة و بر حيث لن تترك رطبا و لا يابسا إلا و جعلته كالرّميم.

      فما كن من "سارة " إلا المبادرة للانخراط في منظمة عالمية لحماية الطبيعة بحماس منقطع النّظير و وعيّ متبصر لعلّها تساهم بأفكارها        و طروحاتها و جهودها في الوصول إلى حلّ عاجل مرضي يعود بالأمن و السلام و المنفعة على الإنسانية و ربوع أرضنا الخضراء و كوكبنا الأزرق الجميل. و يلفت الكاتب الانتباه إلى فكرة مهمة تتمثل في تغليب الجانبي الجمالي على حساب قوانين الطبيعة و سننها الغلابة حيث يضرب مثالا حيّا بالكلب الذي فقد طبيعته الحيوانية مسلّما أمره لحكم اليشر ليصبح تحفة جمالية مركونة ببت جميل أو متحف كبير..و هذا مؤشر آخر و قويّ مؤذن بخراب الإنسانية و فنائها المرتقب.

و يعود بنا الكاتب مرّة أخرى إلى "هشام" و حبال أفكاره ممتدّة في عمق التاريخ ليستلهم منه تجدّر صفة التّوحش المستشري في جسد الإنسانية برغم ادعاء الانسان للتحضر و التمدّن و الرّقي و ما بورما و البوسنة      و الهرسك و قبائل التوتسيو الهوتو كعيّنات و شواهد ..

و عبر حوار هادئ يتناقش الصّديقان "هشام" و "عصام"  فكرة التّطرف الديني و التعصب المقيت الديني في الاسلام و المسيحية على حدّ سواء و كيف انقلبوا هؤلاء المشايخ و السّدنة إلى مناجل للقتل حاصدة للرقاب دون رحمة و شفقة مبتعدين كلّ البعد عن قيّم الدّين السمحاء نفسه التي تجعل من المحبّة و الرّحمة و الـتّعايش السّلمي الآمن ،          و إشاعة الحبّ و اتخاذها أشرعة لسفائنها نحو الهجرة و الفرار إلى الله تعالى.

و العود أحمد ...

و ها هو كاتبنا الشاذلي القرواشي يعرّج بنا بفكره السّابح الثاقب إلى "رتاج" مع حلم جديد يختلف كثيرا عن أحلامها السّابقة و هي كمهاء فقد أصبحت معبّرة للمنامات مقتدرة لتفاصيل الرؤيا و الأحلام و بامتياز ،   و لا تزال "رتاج" تسعى جاهدة للربط بين عالمها المجرّد السابق            و عالمها المرئي الجديد المكتظ بالألوان الزّاهية و التفاصيل الدقيقة الموحية و الأحداث الغريبة المثيرة.

و بسرعة لافتة يغلق تلك النافذة المستعجلة عن "رتاج" و جديدها ليزجّنا مباشرة أمام إحدى مقولات "سارة" عن فكرة الخير و الشر إذ ترجع ذلك إلى الأصول النباتية و الحيوانية ليبدو جليّا تأثير تلك التّجربة المتفردة التّي سبق و أن عايشتها بحثا عن السّكينة و الاطمئنان عن طرق اندماجها مع الطبيعة و أجزائها ، فالحلّ في رأيها يتأتى في الإسراع بإيجاد حلّ حاسم تساهم فيه كلّ الطّاقات الخيّرة التي تحوز على كمّ هائل و وافر من العواطف العابرة للنفوس و القارات نتيجة امتطاء صهوة الفكرة عن الشيء و ليس العكس.

ثمّ يتعرض الكاتب لفكرة " الله جلّ جلاله " الذات الإلهية المقدّسة الموصوفة بالكمال و الجمال حيث يقرّر بحسم و جلاء و قوّة موقفه الصارم إذ يقول على لسان "سارة" :[إنّ الله ذات غير منفصلة عنّا، و في اللحظة التي نبدأ في البحث عنها هي ذاتها لا اللحظة التي يتمّ فيها الانفصال(ص. 223ــ 224)] و بهذا يطوي و للأبد صراعا فلسفيا لم يخب أوار ضرامها قديما و حديثا .

ليوضح بعد بأنّ مستقبل البشريّة يكمن في صراع الانسان  ضد ذاته  لا  في صراعه مع أخيه الانسان   و لا يتحقّق ذلك إلاّ بإخراج ذاته من براثن التّوحش و الرغبة الملحة و الشديدة في الاستهلاك على حدّ قوله.

و لعلّ الكاتب يريد تذكيرنا من جديد بتلك المؤشرات الطافحة و المسيطرة على المشهد الإنساني من استغاثة مرجان البحر و شعابه، و أنين الأسماك و تضوّرها ، و تهاوي الطيور و تهافتها ، و صيحات الذعر من هول الأعاصير و غضبها ، و هجرات الشعوب المتلاحقة نتيجة جثوم اليأس و القنوط على آمالها ..كلّ هذه المؤشرات الخطيرة يأمل الكاتب و بحرقة زائدة أخذها بعين الاعتبار و حملها محمل الجد عسى أن تتحرّك زحوف البشريّة قبل فوات الأوان و حلول الكارثة و طغيان الطوفان تجريفه..وبإضاءات سريعة يعود بنا الكاتب إلى "زينب "                و "عصام"  تينك  الشمعتان اللتان أضاءتا ليل الحبّ و سماواته فسارا على هدي أشعته إلى آخر نقطة في الوجود إلى درجة تماهي الذاتين      و غيابهما و ذهولهما عن المكان و الزمان  .

و في نفس لحظة الغياب يرينا قطعة من الليل نفسه و قد تجلّى فيها "هشام"في خضم الأنوار القدسيّة يمتطي صحوة التّسابيح في جوّ من الخشوع و البكاء و حشرجة الأصوات المنبعثة و كلّ ذلك تحت رقابة عين صديقه "عصام " و أنوار بصيرته النافذة التي فتحت له أبوابها طواعية و رضى..و يطرح الكاتب جملة تساؤلات تتقاطع بين أنثوية "زينب" الجارفة و قداسة أنوار "هشام" الكاشفة و إمكانية الجمع بينهما            و التوفيق بين والمهما أم أنّ هناك طرقا أخرى و صيّغا لم يهتد يا إليها بعد .

يشعر القارئ و الرواية على أبواب النهاية بأن الكاتب يسرع في غلق تلك المشاهد المترابطة بنصوص قصيرة مكثّفة نسبيا مقارنة بما سبقها من نصوص و كأنّه يريد أن ينفض يديه منها و بلسان  حال كلماته يصرّح " هذه أفكاري أضعها بين يديك دون الفصل فيها عساك أن تكمل الرحلة ..رحلة البحث و التنقيب ..رحلة التّقصي عن الحقائق الكبرى العالقة ..رحلة الغوص في ذوات الأشياء و عدم الاكتفاء بالأسماء         و الأشكال ..رحلة استكشاف الذات و الوقوف على مناب أصولها الأولى النباتية و الحيوانية ..و كذلك كان الحال بالعودة إلى "رتاج"        و كيف تسنّى لها الاتصال بصديقتها الحميمة المقربة "سارة" عبر الفايسبوك و كيف تجلّت حرارة الحوار الدائر بينهما و استقبالها للمفاجأة الصادمة المتمثّلة في عودة حاسة الإبصار أين كان للدّموع الحرّى حديث آخر ليختم لنا الكاتب روايته بعودة "سارة" صحبة صديقها فيليب الألماني إلى وطنها الأصلي "تونس" حيث كانت "رتاج" بانتظارهما التي غرقت في حوارات ملأت خلدها لحظات قبيل تحقق اللقاء ..و بزاوية مفتوحة منفرجة ينقلب الكاتب إلى مرشد سياحيّ متميّز عارف ليقدم خدمة اشهارية عن تونس ..تونس الحضارة و التاريخ و التراث ..هذه الأرض الخضراء   المشرعة أبوابها و المتناصة مع السواح الذين يعرفونها أحسن من سكانها المحليين الذين أنستهم هموم العمل و قساوته و قلّة ما في اليد جمال بلادهم الخلاب و قيمة كنوزها المنثورة كحبات اللؤلؤ الحسان ..

و بلمسة أدبية فنية يقحم الكاتب نفسه كآخر عقدة في روايته ليؤكد حضورها القوي كشخصية مهمة في فصول روايته تاركا أبواب روايته مفتوحة على مصارعها مستغرقا كعادته في تفكير طويل عميق و تأمل هادئ دافئ مع تغيير بسيط في الديكور إذ طلب  من نادل المقهى تقليل نسبة السّكر لفنجان قهوته على غير عادته ليفسح المجال لشخوص روايته من مغادرة فصول روايته ليحلّ مكانهم ضيوف جديدون يحملون في حقائب سفرهم حلولا و أجوبة جديدة خلاقة ..

حقيقة الظلام المنحوت ..

و بعد هذا التّطواف السّريع في سماوات رواية "ظلام منحوت" يكون الظلام قد أفصح عن بعض مكنونته و مجاهله ، و باح بلفيف من خباياه و أسراره و لكن تبقى بعض البقع المعتمة الحالكة التي تحتاج إلى أضواء كاشفة تركها الكاتب عمدا فاسحا بذلك المجال للفكر ليقارع فكرا مستنيرا آخرا و للدليل ليزاحم دليلا ظاهرا مفحما .

و ختاما ففي هذه الرواية "ظلام منحوت" اكتشفنا أديبا مبرزا و فيلسوفا محنّكا و مفكرا مقتدرا و صوفيّا ناسكا عاشقا و باحثا عن الحقيقة متحررا و عقلا متفتحا مرنا و نفسا كبيرة أبيّة آثرت الرحلة في مجاهيل الغيب المقفلة عساه أن يضع بصمته الخاصة و المميزة و يهدي البشرية شمعة و لو واحدة وسط ظلام منحوت مطبق قد تكون هي نقطة الضوء نحو بداية نجاة الإنسانية في عالم متجه نحو تدمير نفسه بنفسه.

و ما زاد هذه الرواية بهاء و تشويقا و رواء امتلاك الروائي الشاذلي القرواشي لكلّ أدوات الكتابة الأدبية و تمكنّه من مهارات فنون الكلام المتعدّدة ، و قيادته السلسة لرقاب المعاني و الألفاظ و ارتياده لسفن الجمال    و السرد الماتع و الحكيّ الشيّق فخرجت هذه الرواية في أجمل حلّة   و بأبلغ كلام و بحريّة و تحرر كبيرين فكانت بالفعل خير ظلام منحوت في ميعادها الموقوت مترنحة بين الجديد و الموروث ..هذا و بالله التوفيق.

الجزائر في 08.10.2020

 

 

 

 

 

   

 

 

 

27.     بورتريه عن الشّاعرة العراقية شذا رأفت

بين فكيّ كماشة الدّال و المدلول

1.  جعجعة مطحنة الغربة ..غربة الوطن و غربة الأهل إذا حرّكتها عواصف الذاكرة ، و هيّجتها براكين الشّوق تداعت لها زخّات الدموع سيولا و أنهارا و تقرّحات الأنا شهيقا و زفيرا ونزيف الحروف نثرا و شعرا لما هالها مما ترى و تسمع ..

"يفيض الحبق وجدا

و يرسم خريطة غربتي

بين عينيك و القمر"

        تهوى قراءة العيون لذلك يتكرر لفطها في قصائدها و لكن بمعان جديدة مولّدة ...لذلك فمن المستحيل أن تنسى ملامح وطنها برغم الغيّاب فنراها و الهيبة تملأ روعها صانعة لنفسها مصلّى للاعتكاف و الصّلاة  لتستدعي التّاريخ القديم ..تبتل مريم إذ هي بالمحراب و مناجاة زكريّاء ..     و أسواق الشعر العكاظ حيث ما فتأت ترسل غيمات مطرها ليتلقّفها الركبان   و تذهب بها الأخبار .. ذلك عزاؤها الوحيد لتستحضر نهايتها السّعيدة علّها تخبو بعض جمرات  أشواقها المحتدمة في تنّور ذاكرتها التي لفّتها نكهة الصمت  و التأمل و الاستغراق.

في محراب الغيّاب

يختفي مطر القصيدة

حسرة مبعثرة

بنكهة الصّمت"

2.  "شذا" رسّامة شاعرة ..ألوانها حروف الشّوق و لظى جمرها ...ريشتها روحها العاشقة و قد دبّ فيها مرض الحنين ..لوحتها أفق عيون وطنها التي لم تشبع بعد من مغازلة حورها الليلي و بياض لحاظها القمري.. فراحت ترسم لوحتها السّريالية بألوان ماء الحنين ..لم يغب عن خلدها بأنّ تجميع الضباب أمر مستحيل و لكن يفعل الحبّ و الشوق و الذكرى أفاعيلهم في نفسيتها العاشقة الحالمة المشرئبة نحو أفق عيون وطنّ عاثت فيه ذئاب و ثعالب ..

" لا زلت ارسم الحنين

ضبابا أجمعه ..

لأرسم أفق عينيك "

و يبقى النّجاح بالظفر برسمة لوطنها أمل يراودها و جمر مشتعل لا يبرده إلا ماء لقاء بارد قريب.

3.  صوّر وجدانية كثيرة ، وارفة ظلالها ،دانية قطافها جيّاشة الإحساس و العاطفة تداعب نوطات أرواح موسيقة تعشق التّرحال و السيّاحة في روضات وطن ينزف ..

حروف تترى تنسي بعضها بعضا ..تنساب كأفعى ترقص على ألحان حاو عاشق ..صفاء معين و صدق شعور أجنحة فراشاتها المرسلة من أوكار دالها و شرنقات مدلولها ..

فتسرح بمخيّلتها ..مرهفة  سمعها و حسّها و ذاتها لصوت الوطن المبحوح داخلها ..فتقرأ بعيون روحها الثاقبة رسالة  كان قد كتبها لها خصيصا من فرط الحنين و شدّة الشوق .."كتب لها" عنوان قصيدة أرسلها لها على عجل  ليفضي لها ببعض شجونه و أتراحه ..

" نوافذ الانتظار تصل إليك

كهمس في مجداف حائر

يصل عطرك عبر القوافي

أمطر صوتك دندنة الهمس

تزهر في جوف النّسمات

قصائد الحجيج "

        للانتظار شفراته الخاصة و لن تفتح إلاّ لمن يحملون تلك الأشواق العابرة للمسافات             و الأماكن    و الزّمن ...نوافذ الوطن تبقى رقابها و أنظارها تتلهّف في كلّ لحظة عودة تلك الفراشات المهاجرة ..فالوطن يدرك بأنّ عطر القوافي المنتشر بين جنباته المحمول في قوارب همس مكسورة المجداف و هذه صورة معكوسة ينقلب فيها الوطن هذا الرمز و هذا التراب إلى آدمي له عين و لسان  و شفتين و روح ...ينتظر بلهفة عودة الحجيج الذين حُرم من سعيهم و طوافهم و حجهم و بركتهم ..

تتهادى في دجلتي

أحلام النّدى

على شفاه الورد

لقصيدة أنا في انتظار

مفرداتها "

تبحث عن مفردات قصيدة وطنها الذي طال انتظارها برغم أحلامها الوردية و رسائل الحب الوردية التي أرسلتها لوطنها مرات و مرات ...هذا ما أخبرته بها "أوراق قديمة"

4.  الزيزفون ..الحبق ..الزنبق ..الأكفادو ..لليلاك ..الكادي قائمة طويلة لتوظيفاتها قصد ربط جسور تواصليه بينها و بين أناها ..بينها و بين وطنها ..و بينها و بين القارئ ...جسور معلّقة موصولة أقامتها لتشفي غليل اشتياقها لوطنها المغيّب البعيد القريب ..موظفة أوجها دلالية لنصوصها النثرية و الشعرية و ببنيات تشكيلية و تعبيرية ساحرة ...

حبّها الكبير للطبيعة و جمالها لا يكاد يعزب عن نصوصها الباذخة و قد أكسبتها خبرتها في التعامل مع الزّهور و الورد قاموسا ثريا و معاني أرحب ...و لا يخفى ما لمدلولات و رمزية الورد و الأزهار في استنطاق و استثارة مكامن الجمال في الطبيعة البشرية .. فلكل زهرة و وردة ملامح و أبعاد عميقة تتناغم مع موسيقى النفس الداخلية فينتج من اجتماعها سيمفونية عالمية إنسانية .

" يا راحلا إلى عينيها

سائر على أجفان الوقت

تعتلي شوق الورد

لهفة كإغفاءة النّجوم

تقطّعت الذكرى"

قاموس حروف رقراق يعانق النجوم الجاريات في السماء مرفرفة أجنحته النورانية المعتّقة بخمر الحنين و الشّوق فتشرق الآمال  في فضاءاتها كشمس ولهى متيّمة تنشد دفء جنبات أرواح ارتحلت و نبضات شوق متسارعة  غائبة .. و ها هو الورد و الكادي و الليلاك و أخواتهم تهيج ميادة مقبّلة دجلة و الفرات لتستيقظ عشتار و شهر زاد من سباتهما لتتصافحا مع روح كلماتها الحانية و معانيها الحالمة .

" تنادي مسافات الوجع

سطوة التاريخ

بحكايات شهرزاد

و نبض البحر"

و تارة أخرى تذهب بمخيالها بعيدا لتستدعي عشتار على لسان شهرززاد و حكايتها ألف ليلة و ليلة ...

"عشتار قصيدة الشوق

نسجت حروفها

من مخمل الورد

عزفتها قيتارة شهرزاد "

و لا يمر عليها صباح من الصباحات إلا و تشد أغنيتها الفجرية :

"في أنشودة القمر

تعتلي صهوة نغمات الوتر

عازفة أوركسترا الورد

في خمائل الكادي و الليلاك"

تمتلك "شذا" معازف جدّ خاصة و أوتار قيتارة أخص ..أوتارها الورد و جمهورها مجاني الكادي و الليلاك المخملية ...و آن الأوان للجمال أن يرقص رقصته معتليا صهوة النجوم حيث فراغ الأثير الممتد إلى ما لا نهاية ...

5.  لا أفق لها في هذه الحياة إلاّ أفق وطنها ..و لا حدود تحيل بينها و بين حبّها السرمديّ ..ذاك هو طريقها الذي رسمته قناعاتها المبدئية و رضيت به لنفسها في "الطريق إلى القدر"

"أمست الأحلام

كفراشة تنوء أجنحتها

تحت قطرات الماء"

اقتباس قرآنيّ لافت و توظيف جديد ساحر ..فقصّتها كقصّة كنوز قارون التي تنوء بحملها الجبال و قد طقطقت به و بها البغال و البرادين ...مسكينة تلك الفراشة الضعيفة الخفيفة و قد أضحت أجنحتها من الثقل كمثل تلك الكنوز أنّى لها أن تطير و هي بعيدة عن رياض وطنها و قد أثقلتها أرزاء الغربة و أصفاد الهموم و أغلال الأحزان ...صورة حزينة مؤلمة لنفستها المؤرقة المعذّبة ...

6.  و تزداد غربتها قساوة و تقرّحات ..فتهرب إلى سفين شراع الأحلام لعلّها تجد في هروبها هناك بعض الراحة و الهناءة ..و لكن سرعان ما تتبدّى لها أطلال ذاكرتها المهرّبة المشتّتة المرمية ..

"أطلال تؤرّق ذاكرة النّوارس

في سفن..

ترسو في أجفان التّمن

ليفيض الحنين.."

7.  ما أروع الرّحلة على متن سفينة الشوق التي صنعت أخشابها شاعرتنا شذا رأفت و أبت إلا أن تكون ربانّها و تجعل من حروفها أشرعتها نحو طيوف وطنها المرتسمة في سماوات وجدانها و ذاكرتها المكلومة...

فكثّفت من زخات صورها الجمالية ..و استدعت رموز التاريخ و الأسطورة ..و اكتفت بالإبحار داخل وحدة أشعارها الموضوعية باسطة أيادي إنسانيتها و ترانيم تجربتها الوجدانية الذاتية ...معالم هادية أخالها كسفينة تمخر في بحار أرواحنا المتلاطمة الأمواج ، لترسو بها في نهاية الرحلة المثيرة في مرافئ الإنسانية و السلام ..رسائلها المشفّرة و المرمّزة و المكشوفة تلفّها صور الاشتياق و الحنين و تغذيها  أجنحة الأمل المرتقب بحروف إنسانية المصدر نورانية الوجهة في طريق قدرها المحتوم في صورة لقاء وطن ..

و مع رشفات من فنجان قهوتها تنتهي رحلة سفر في ثنايا حبّ لا حدود له تعالى على الماديات و المسافات و الأماكن و راح يبثّ غيمات أشواقه في زمن غزل له شالا من حديد و نار ...

" فنجان قهوتي    

سكب امنياته

فاض الحنين

في اوردة الشوق

رق وبخور

في مواسم الوجع

ارسمك شوقا

على ضفاف السنين

وابجدية تتلاشى

خلف شعاع عينيك "

الجزائر في 17.01.2021

 

 

 

 

28.                      قراءة جمالية في قصيد "حلم" للشّاعرة التونسية  أحلام فتيتة ( أم إلياس)

 

       الحلم صور تخييلية تحدث أثناء النّوم بعضها خيالات جامحة و بعضها الآخر خيالات منطقية  ..   و دأب علماء النفس خاصة لرصد هذا التخييل محاولين إعطاء تفاسير له علمية مقبولة .. و الملفت في قصيدة شاعرتنا أنّها توافق  سيجموند فرويد في تفسيره لمعنى الحلم ..فقصيدتها تعدّ من باب الأحلام         و   الرؤى  أي أنها " عبارةٌ عن الدوافع والرغبات المكبوتة واللاشعورية عند الإنسان"  ..

   و الأحلام  كما يقول علماء  النّفس تحمل في خباياها  الكثير  من الرموز والمعاني التي ترتبط بشكلٍ مباشرٍ بحياة الإنسان .. لكن أحلام اليقظة نوع أخر تماما ..و حلم شاعرتنا من هذا النوع يشترك في المنطلقات العامة و الخطوط الكبرى مع التعريف السابق و يختلف عنه في حيثيات كثيرة و تفاصيل مهمة بمعنى أن حلمها يتقاطع مع الأحلام في دائرتها الكبرى ثم يأخذ لنفسه مسارات أخرى حرّة طليقة هي من صنع الشخص ذاته كأن تعتريها حالة من التأمل أو السياحة الروحية في عالمها الوجداني الخاص و هي تمشي بين الناس و في الأسواق و الطرقات ...

و اللافت للانتباه أنّ حلم شاعرتنا تمثّل في  قصيدة عروضية   رأتها في اليقظة بعد تحليق طويل لأجنحة  روحها في ماضي و حاضر ومستقبل حلمها  ممتطية  متن سفين فعولن تارة و مفاعلتن تارة أخرى  صانعة بذلك إيقاعا موسيقيا متناسقا و متناغما ...

و ارتأت أن توسم رؤاها أي قصيدتها باسم "حلم" ..اسم نكرة غير معرّف ..و التنكير من الأساليب البلاغية التي تساق لأغراض عديدة كالإفراد و التعظيم و التبجيل و التقليل و التّكثير و النوعية ...و لعلّ قصيدة "حلم" تأخذ بقسط وفير و حظّ كثير من هذه الأغراض البلاغية . و يبقى متن القصيدة و موضوعها الحكم الفصل في ترجيح دفّتا حكم الميزان.. القصيدة حوار مباشر بين ابن قانط ساخط قرّر الهجرة إلى ما وراء البحار و أمّ هالها خبر عزمه  الهجرة فاختارت نصيحته باستحضار جيوش عواطف أمومتها الجياشة علّها تفلح في إقناعه عن العدول و التّريث البقاء معها .

فكان حوار ممتع  شيّق استعمل فيه الطرفان موهبتهما في و الحوار و براعتهما في الإقناع غير أنّ القصيدة تسدل ستارها تاركة عقدة النهاية معلّقة و أطنان من التساؤلات الحائرة عن نتيجة ذلك الحوار  الدافئ بين الأم الرؤوم و ابنها المكلوم .. 

بعد هذا التّطواف  السّريع تتضح معالم الحلم المقصود و المنشود ..حلم ذو رأسين ..حلم ابن بالهجرة إلى ما وراء البحار بعدما حاصرته جحافل اليأس و جعلته يفقد الثقة في بلده و القائمين عليه ..و حلم أمّ حانية تريد إنقاذ ابنها الغاضب اليائس بارتيادها لطرق عدّة يربطها جميعا تلك العاطفة الأمومية الثائرة  فاتحة نافذة صغيرة تطلّ بها على مشاهد من بعض المراحل العمرية بأحسن لفظ و أدق وصف و أرق عطف ..فلنستمع لحوارهما اللافت ...

       توصيف الحالة النّفسية و المادية  للابن اليائس المحطّم نفسيا و المسلوب فكريا و حضاريا

تنتاب الابن حالة هستيرية  من المشاعر الهائجة تدفعه و بكلّ أدب و حماس ، ملتمسا العذر من أمّه عساها أن تتفهّم موقفه من الهجرة ... فذلك الحلم الذي عاش من أجله قد تبخّر ..أن أعيش لهذا الوطن عزيزا مكرّما أرتع و ألعب في حياض حلميّ القديم قد تهاوت أعمدته و أساساته و جفّت مياه نهره التي كانت تمدّه بالخصب و الرواء ..حلمي القديم  تنكّر له الزمان و رماه جثة مهيضة الجناح فبكى حاله و أقدم على الانتحار و لم يبق أمام إلاّ يحلم بالهجرة ..أن يحلّق بعيدا كطير حرّ طليق   ينشد حلمه الوردي فيما وراء البحار ؛ فذلك مسيري و قدري الذي اخترته عن قناعة و دلائل و شواهد ..ألا ترين حيّنا الذي نسكنه و قد استحال إلى قفر مهجور تتغشّاه ظلمات الحزن و الكآبة ...اتركني أماه فقد هدّ التّعب فكري و نفسي و بدني فقد اتخذت قراري الذي لا رجعة فيه ..قررت الهجرة و كفى .و ما تكرار لفظة "دعيني" إلاّ انعكاس لحالته النّفسية المزرية ..  و استعمال فعل الأمر للدلالة على أن يسمع من أمّه ردّا إيجابيا ..فورود فعل الأمر هنا ليس لضعف و لا لقوّة و إنّما للاستئناس و السلوان ..

الابن :

دعيني أحلق طيرا طليقا

تعبت دعيني نويت السفر

فذاك الذي كان بالأمس حلما

رماه الزمان ، بكى و انتحر

و ذا حينا صار قفرا حزينا

بيوت تهاوت .. و جف النهَر

الى ما وراء البحار مسيري

الى النور إني سئمت الضجر

المقطع الثاني:

       حديث المشاعر و دفء النصائح

قوّة المرأة و ضعفها في عاطفتها كما يقال فكيف بقلب أمّ ترى فلذة كبدها تحترق و لا تهرع لإخماد نيرانها بماء الحبّ  الدافق و ثلوج العاطفة المتناثرة ..و بأسلوب إنشائي تشرع في إسداء نصائحها مغلّفة ذلك النّصح بشالات الذكريات و مرابع الصّبا و حكايا تشبه ألف ليلة و ليلة   أخالها شحنات إيجابية  مرسلة من محيط بحرها الزاخر.. هي بمثابة رسائل واضحة قويّة للأبناء الذين اختاروا ترك أوطانهم و الهجرة إلى ما وراء البحار..

الأم:

الشّحنة الأولى ..دعوة لابنها المسلوب إلى التمهّل و عدم التّعجّل و ضرورة تدوير تلك الرؤية السوداوية عن الوطن من جديدو  المشار إليه بالحيّ من باب إيراد الجزء للدلالة على الكل و هنا "الوطن" ..و في إعادة الأم لنفس اللفظة "حيّنا" ؛ "الحي" رسالة قويّة شدة حرص الأمّ على مخاطبة ابنها بنفس اللغة و الألفاظ لتتضح الرسالة جليّة لا تشويش فيها و لا ضجيج .. و تلفت انتباهه بأنّ الخير لم ينقطع بعد فإن ذهب الكثير فقد بقي القليل و كنّت على ذلك بظلّ الشجر و هذه صورة بيانية تقطر عذوبة و إغراء...

تمهل بنيّ و لا تتعجل

فمازال في الحي ظل الشجر

و بأسلوب العاطفة المرهفة تلفت انتباهه بأنّ حضنها لا يزال غطاء ساترا لك و مأوى آمنا يقيك من قواصم الدهر ..و تؤكد له للمرة الثالثة بأن غيماتها لا تزال حبلى بالماء و الغيث و المطر و أشارت لذلك باستمرارها في إنشاد لحن المطر ..كناية على الخيرات و البركات و الخصوبة و النماء التي ما انقطعت مزنها و عطاءاتها و فيوضاتها..

و ما زال حضني غطاء و مأوى

و مازلت أنشد لحن المطر

الشّحنة الثانية ..

لتختتم شحناتها الإيجابية بتذكير ابنه بالتضحيات الكبيرة التي بذلتها و تبذلها من أجل توفير لقمة عيش كريم و بأنّها أفنت عمرها في سبيل ذلك و ما اشتعال شعرها بالبياض إلا شاهد على ذلك ..أم تراك نسيت طول سهري و أنا أخيط الثياب و لا أتوقّف إلاّ عند طواف وقت السّحر لأنام لسويعات معدودة مستيقظة في الصباح الباكر لأبيع تلك الثياب المخيطة و أرجع محمّلة بقوتك ..أفعل هذا منذ سنوات و لا أزال كذلك و دون ضجر و استياء... تستعمل الشاعرة على لسان الأم  الضمير المتصل "الكاف" في قولها "لأجلك" لتضع أصبعها على الجرح محمّلة ابنها تبعات قراره هذا ... رسالة قويّة و حاسمة .

إنّ جنوح الأم لهذا الأسلوب المؤثر الرقيق و المتدرّج هو محاولة منها تذكير ابنها بحجم و عظم المعاناة التي عاشتها أمّه من أجل أن تحيا سالما غانما . و قد نجحت الشاعرة في اختصار تلك المراحل العمرية و المشاهد التي تخللتها في إضفاء صورة ملحمية تراجيدية يغفل عنها الأبناء حين يبلغون أوجّ قوتهم الفكرية و البدنية .

فهذا البياض الذي لفّ شعري

تقدّس ليلا بطول السهر

فقد شهد النجم ما كنت خِطْتُ

فلا طاف بي النوم حدّ السحر

و في الصبح أسري لبيع المَخِيط

لأجلب قوتك .. دون ضجر

الشحنة الثالثة ...

بعد تذكيره بذلك الواقع المرير الذي لم يكن ليراه و هو في ذلك العمر تجنح الشاعرة في صورة الأم لتسأل أسئلة تقريرية و لس استفهامية كخطة عملية و أسلوب فعّال في الإقناع و إقامة الحجة و التأثير على نفسية ابنه تمهيدا لتغيير موقفه من الهجرة و البقاء في وطنه بين أهله و ربعه.

و اعتماد على توصيفها الجيّاش لتلك المراحل العمرية المتسارعة تعمد إلى تذكيره بشيئين يلخّصان توصيفها ذاك ..العيون و القلب ..و خصّت هذين العضوين لدلاتهما الكبيرة على مكانة الابن في تلك المأساة الملحمية التي نسجت خيوطها عاطفة أم ملتهبة صادقة ..

تعبيره بالعيون للدلالة على أنهما ما ذاقا طعم النم لسنوات و سنوات و ما ضعف رؤيتهما إلا لطول سهرها و تركيزهما من كثرة الخياطة ..و أمّا تخصيصها للقلب فقد ألفت في ذلك أسفارا و أسفارا ..و خصت من أعما ل القلب الإلحاح في الاستجارة بحمى الله  و ستره للدلالة على شدة الهموم المثقلة التي ألمّت بها ..و في ظلّ تنبيهها ذكّرتها بتلك  بأغلى الحكايا المفرحة و المحزنة التي ضمّتها ساحات بيتها و كيف تحلّت بالصبر  لتخطي تلك العقبات ..

لتختم فصول حكايتها بمناشدة ابنها بالعودة إلى تلك العيون التي سهرت عليه و خسرت الكثير من نور بصرها من أحله ..دعوة مباشرة لاستعادة حلمها و هو رؤية ابنها بجانها لنصنع من جديد و معا أحلامنا المؤجلة و المنتظرة..

فكيف تهون لديك عيوني

و قلبي الذي يستجير القدر

هنا البيت ضج باغلى الحكايا

بألوان صبر تخطّى الكدر

فعد يا عيوني لأنك ذخري

باحلامنا نستعيد العمر

القصيدة من الشعر الرومانسي الذي يتميّز بوحدة الموضوع بحيث لا يكشف عن أسراره حتى يأتي القارئ على آخر بيت فيه ..و القصيدة مثال حيّ لضرورة فتح الحوار بين الأولياء و أبناءهم و عدم التّخلي عن الرسالة الأبوية بحجة بلوغ الأبناء مرحلة عمرية يستقلون فيها بأنفسهم و أعمالهم و معظم قراراتهم ..فالابن مهما كبر يبقى في حاجة إلى حبّ والديه و نصحهم و توجيههم ..و لعلّ هذه الخلاصة هي أبلغ رسالة توجّها الشاعرة للآباء و الأمّهات...

و القصيدة ثانيا هي من نوع الشّعر الاجتماعي الذي يعايش هموم و أحزان و مصائر النّاس و لا ينعزل عنهم في قبّته العاجية و مثليته المبالغ فيها ..فوظيفة الشعر النّزول إلى المجتمع و محاولة إعطاء حلول ممكنة   و مشاركة المجتمع و الأفراد في تطوير و بناء الوطن.

اعتمدت الشّاعرة أساليب المباشرة و التقريرية في بعض أبياتها كضرورة حتمية لتبيان رسالتها المنشودة فإغراق القصيدة بمشاهد الخيال و صوّره قد تجعل القارئ يلج متاهات  لا مخارج لها فتضيع الرسالة المقدسة التي أرادت تبليغها للقراء.. و قد نجحت في ذلك.

و جمعت الشاعرة بين الأسلوب الخبري و الأسلوب الإنشائي متنقلة بين أزهارهما كفراشة حالمة أو نحلة عاملة و تلك أدوات ناجعة ساهمت في إعطاء الرؤية الواضحة لنبل رسالتها للآباء كما للأبناء و أيضا للقائمين على شؤون الأوطان و الحكومات ...

الجزائر في 21.01.2021

 

29.                      مقاربة بين الموروث و الوافد في قصيدة "جلباب التأويل" للشاعرالعراقي سالم الحمداني

       بين مطرقة الحداثة و سندان التراث تسير القصيدة سيرا متأرجحا علّها تفلح  تحت ضربات التأويل من جهة و انسلاب الفكر العربي بالريّاح الآتية من الغرب من جهة ثانية ـــ  في التّوفيق بين النظرتين المتضادتين  و الجمع بين الضرّتين المتخاصمتين .

و الشاعر يتخذ من العنوان "جلباب التأويل" مدخلا أساسيا في طرح إشكاليته  لما يحمله  هذا الأخيرمن دلالات فكرية و فلسفية قويّة و حاسمة ، جاعلا من الجلباب مضافا و من التأويل مضافا إليه لتوافقهما من جوانب كثيرة ، فإذا ما جئنا لنسبر غوره و نستكشف خباياها وجدنا توافقا و تعاضدا بين المضاف و المضاف إليه يخدمان فكرة الموضوع..

فالجلباب ثوب واسع تشتمل به المرأة يغطي  صدرها ورأسها و التأويل صرف المعنى الظاهري إلى معنى أخفى تتقبّله قواعد اللغة العربيّة و وجه الشبه بينهما الإخفاء و التواري و التغطية  و هذا المعنى هو المقصود من سياق هذا العنوان "جلباب التأويل" و ستنكشف أسراره أكثر عند تعاملنا مع متن القصيدة و مقاطعها المثيرة ، و العنوان دعوة صريحة في وجه أولئك الذين يتكئون على عصا التأويل بحجة الموروث و المحافظة عليه أو الوافد الجديد و محاولة طرح مقاربة جديدة للتوفيق بين النّظرتين المتصارعتين .

المقطع الأوّل :

يصوّر الشّاعر حالة الغربة الشّعورية التّي تسدّ عليه أفاق النّظر و تحرمه من الانطلاق الحر إلى أبعد نقطة من هذا الوجود اللامتناهي .. و بريشة رسّام بارع يرسم لنا لوحة نفسية و كأنّنا نراها رأي العين تعكس يده الممتدّة المنطلقة لتشقّ فضاء عوالم جديدة أكثر إشراقا و تحرّرا بعيدا من إكراهات جسده المسجون        و المرهون داخل قضبان أسوار التّراث و نُسَخ التأويل القديمة الصفراء ..و اختار التعبير باليد لما ترمي إليه من دلالات فهي أي اليد السند و العضد لذلك الجسد المسجون بين أقبية الموروث ..و التّعبير باليد دون غيرها من أعضاء البدن ينمّ على بعد نظر و  رؤية و قوّة حضور و غلبة و حسن استعداد و عدّة ...كلّ هذه المعاني تندرج تحت مسمى اليد و أكثر.

و تعمّد استعمال "الخلع" لرمزيته الدينية لتناسبها مع السيّاق العام للقصيدة ؛ فالخلع  فراق الزوجة بعوض يأخذه الزوج منها، أو من غيرها، بألفاظ مخصوصة، ولا يمكن للزوج أن يعود إليها و سمي بذلك لأن المرأة تخلع نفسها من الزوج كما تخلع اللباس من بدنها ..فالشّاعر يريد لهذا الزواج الذي طال أمده أن ينقطع حبله و لكن بالتراضي احتراما للعشرة الطويلة وتطييبا للنفوس و الخواطر ..و استعمل "الكوابيس" للتعبير عن الحالة النّفسية التي آلت إليها حالة الأمّة بإصرار البعض على التمسّك بالموروث دون إعمال للفكر    و فتح لباب الاجتهاد ..إنّ ضرورة مواكبة العصر و تحت طائلة التفكير و التأمل و النظر جعل من يده تلك تقرر السفر في تلك العوالم دون إذن من جسده المرتهن و هو نوع من الخلع و التمرّد ..و لم تكن تحمل من زاد لها في هذا السفر إلا بعض تمتمات تاء متقطّعة ، و التمتمات هي التّلكؤ في إخراج الحروف من مخارجها كناية على قلّة بضاعته و زهادتها في مواجهة هذا الفكر الغربي الوافد الباهر أو ربّما يقصد الشّاعر بعض الأفكار التنويرية المتردّدة و المتوارية عن عيون التراث و منجله في غفلة منه و التي تحاول أن تجد لها وطنا آمنا تستقرّ فيه بعيدا عن عين الرّقيب و سلطان القديم .. و للتعبير عن تجذر ذلك الموروث        و استفحاله و تحكّمه الشديد في النّفوس و العقول أتى بثلاثة رموز تعكس قوّة هذا الكابوس الرّابض           و المتحكم في رقاب أتباعه و مريديه.. الدّسائس..القبور..النّذور..هذا الثلاثي المرعب المتسلّط المتجبّر...أمّا الدّسائس فمن ورائها عقول متسلّطة و أطنان من الأموال و الذهب و جيوش من المريدين الذين هم رهن إشارة شيوخهم إلى درجة التقديس و العبودية ..و أمّا القبور فهي إشارة إلى أضرحة شيوخهم الذين اتخذوا منهم وسائط تقرّبهم إلى الله زلفا و لجلب بركتهم و إرضاء شيوخهم الأحياء منهم و الأموات يوقظون الشموع و يذبحون النّذور و يقومون بطقوس تعبّدية ما أنزل الله بها من سلطان ..و هي من الشّرك المضلل الموروث فاستمرار عروش هؤلاء الشيّخ و وسطائهم و تواصل تدفقات الأموال متعلّق ببقاء هذه الطقوس و الزُرد و البدعيات و هؤلاء المخدوعين الجهلة  من الأتباع و المريدين..

يدي تمتد لتشق الفضاء

بعيدا عن جسدي المسجون

تخلع عنها كوابيس جلبابها

تسافر دون إذن مني ،

في جعبتها بضع تمتمات

تحاول أن تواريها عن أنوف الدسائس

وترانيم القبور ،

تنثر دمها شآبيب نذور  ،

المقطع الثاني:

من شدّة الهمّ الجاثم على نفسية الشاعر لم يعدْ يتحكّم في حركات أعضاء بدنه و هيئته النفسية الداخلية التّي تصدرعنها جميع  التصرفات و السّلوكيات الظاهرية ..و قد يظنّ الرائي أو القارئ بأنّ سبب طرقه لرأسه إنّما هو نتيجة تفكير عميق أو تأمّل بعيد ..لا هذا و لا ذاك بل هو ردّة فعل لتلك الهموم الرابضة المحتدمة الأوار، المتقرّحة الجروح..

 قرار حاسم صادم تطلقه يده الهاربة المتمرّدة "لن أعود" إلى تلك المرابع المورّثة ..إلى تلك الأشراك الطقوسية البدعية ..إلى تلك الخرافات المسيطرة المتحجّرة .."لن أعود" حتّى أظفر بإبهامي المغتربة فاليدّ دون إبهام نصف مشلولة ..الشاعر يريد أن يسيح في مجاني تلك الأفكار الواردة   و يسبر أغوارها و يميّز بين ثمارها الحلوة منها و المُرّة ..النافعة منها و الضّارة..هي رحلة استكشافية و مغامرة جريئة بعيدا عن مرابعه الأولى و مراتعه القديمة و تأثيراتها النفسية و السلوكية.

أطرقت مرة دون خشوع مني :

لن أعود

حتى أظفر بابهامي المغترب ..

و ككلّ رحلة استكشافية يتخلّلها حبّ المغامرة و التّطلّع و كثير من المفاجآت السعيدة و المحزنة و كمّ هائل من المعارف الجديدة المكتسبة و مدّ وجر بين الموروث و الوافد و بين انسلاب العقل و انبهاره أمام تلك المناهج الحديثة المدهشة  و المنجزات الحضارية الخارقة العجيبة  ...

أي نبوءة اعتمرت نبضها ؟!

أي فضاءات تحملنا على جنح واحد ؟

والقيظ لهيب من رياح !

والمدلول يتنمر

على أرصفة الليل

بعد أن خير بين لونه وذاكرته !!!

قد تستفز الكلمات بنحيب المعاني

والفكرة متأرجحة بين الموت والرقص والظنون ،

والدال هام على دروب الحقيقة يتسكع

كالسكارى

يفتش عن شيطان بلا مكيدة

أو بيضة سقطت من فم التأويل !!!

وقلب ليلى ..

لا زال يتشبث

بمعشوق واحد

كلّ تلك التراكمات و الصراعات و الصور المتلاحقة تكشف عن مغامرة و صراع  بين الدّال و المدلول .. صراع بين وافد صادم و موروث جاثم .. بين تنمّر مدلول متسلّط و عقلانية دال متحرّر..و تحت جلباب التأويل و المحافظة على القديم على رأي مجنون ليلى الرافض لكلّ النساء و المتشبّث بليلاه ؛ ففيها موته و فيها حياته و لا فرصة و لا مجال لمعشوقة ثانية في قاموس حياته ..و الشاعر يعدّ هذا النوع من التفكير و التوجّه  من التعصّب المقيت و التحجر المميت و خاصة المتعلّق منه بالأفكار و المناهج و العقائد ..

و الشاعر يدرك خطورة اختياره لهذا النهج التّحرري الفكري المتحضر و يعلم بأنّه سيلاقي الأمرين من أجل تمرير أفكاره الجديدة في ظل تلك البيئة المتعصبة و مجتمع  لفَظَه و نفض منه يديه ـــ  يوصف بأحادية النظر و التأويل ؛ و سيصير حاله كحال متسكع سكران تتقاذفه الولدان بالأحجار و الفضلات  و يتجرأ على سبابه و لعنه  الصبيان  و المجانين ..هو يعلم بأنّ ليله سيطول و يمتدّ و بأنّ فجره الصادق الذي ينشده دونه جهاد مرير متواصل و صبر جميل ..

 و  بين  ثلاثية الرّعب :الموت والرقص والظنون ستؤول فكرته الجديدة المتحرّرة  و بذلك يحدد  مصيره الحتميّ بين ثلاث مآلات أحلاه مرّ ..موت محقّق يطاله من أولئك المتعصبين المتحجرين أو جنون في طرقات و شوارع المدينة مشيرا إليه بالرّقص أو شكّ دائم مستديم ..

و هذه المآلات الثلاث دلالة على أنّ المجتمع لم يتخلّص بعد من جلباب  تأويله و إلا لكان اقترح لنا حلاّ رابعا متمثّلا في قبول فكرته الجديدة .. أو اقتراح حلا توافقيا يجمع بين الفكرة القديمة و الفكرة الوافدة و ترك الحكم للقارئ ولكن  القارئ لا يظفر بمثل هذا الحلّ المفترض .

يا له من خيار صعب  بعد أن خير بين لونه وذاكرته !!!كما عبّر الشاعر عن تلك المغامرة المحمومة ..

و عمد الشّاعر في مقاطع قصيدته النثرية  إلى ركوب صهوة  الفعل المضارع  إشارة منه لاستمرار هذه الإشكالية الفكرية الفلسفية إلى لحظة كتابته لهذه الأشعار مع  إمكانية إيجاد حلول لها إذا تظافرت الجهود و صدقت النيّات و توفّرت الشجاعة الأدبية في مناقشة و إثراء الموروث الفكري و الثقافي و الفقهي         و العقدي حين قال:

يفتش عن شيطان بلا مكيدة

أو بيضة سقطت من فم التأويل.

القصيدة صرخة في واد و رجع صدى لرحلة شاعر عاشق للحرية و الانعتاق غير متنكرّ لأصوله و تراثه يحاول أن يغرس بذرة في صحراء قاحلة فارهة ..وقد نجح في توظيف فلسفة شعره و جمالياتها في بسط موضوعه و الدفاع عن قناعاته و الاستماتة و الثبات مستحضرا نهايته المأسوية التراجيدية من موت متربص أو جنون مستدام أو شكّ رابض .

و مرّة أخرى ينجح الشّاعر في إثارة موضوع حسّاس بلغة الشعر و الوجدان موظفا رجاحة عقله و موسوعية ثقافته و خبراته الحياتية  و صدقيّة طروحاته ..

الجزائر في 23.02.2021

 

 

و هذا نص القصيدة كما وردت:

 (  جلباب التأويل )

يدي تمتد لتشق الفضاء

بعيدا عن جسدي المسجون

تخلع عنها كوابيس جلبابها

تسافر دون إذن مني ،

في جعبتها بضع تمتمات

تحاول أن تواريها عن انوف الدسائس

وترانيم القبور ،

تنثر دمها شآبيب نذور  ،

أطرقت مرة دون خشوع مني :

لن اعود

حتى أظفر بابهامي المغترب ..

أي نبوءة اعتمرت نبضها ؟!

أي فضاءات تحملنا على جنح واحد ؟

والقيظ لهيب من رياح !

والمدلول يتنمر

على أرصفة الليل

بعد أن خير بين لونه وذاكرته !!!

قد تستفز الكلمات بنحيب المعاني

والفكرة متأرجحة بين الموت والرقص والظنون ،

والدال هام على دروب الحقيقة يتسكع

كالسكارى

يفتش عن شيطان بلا مكيدة

أو بيضة سقطت من فم التأويل !!!

وقلب ليلى ..

لا زال يتشبث

بمعشوق واحد .

.........؟؟؟

30.                    قراءة في قصيدة " هلْ سيرجعْ..؟ "للشاعر العراقي وليد جاسم الزبيدي

بكاء الوطن سمة بارزة في ديوان  شعرنا العربي و يندرج هذا الصنف تحت مراثي الأوطان   أو بكائيات الوطن  ..و لهذه البكائية حدّ أعلى و حدّ أدنى يتراوح بين فقدان الوطن من أرض و راية و سيادة و نشيد كمراثي شعرائنا و هم يبكون مدائن الأندلس و عروسها المفقود وبين  الرغبة الشديدة في رؤية الوطن يتعافى من جديد بعد زلازل مدمّرة و حروب طاحنة   جرّاء احتلال غاصب أو حروب داخلية حالقة  أو خيانات داخلية   أو ديكتاتورية حاكم أو أسرة غاصبة ظالمة غير شرعيّة ...و لعلّ قصيدة "هل سيرجع" للشاعر العراقي وليد جاسم الزّبيدي خير مثال للنوع الثاني من بكائيات الوطن ..فالوطن في مخيّلة العربي تتعدّى رقعته الجغرافية التي ولد فيها الشخص و نشأ فيها  وأصبح ينتسب إليها ..بل يتعداه إلى كلّ بقعة تضمّ شعوبا عربيّة و إن ناءت و بعدت  ..و مصطلح "العربي" يختلف مفهومه عند الدارسين بحسب الموقع الجغرافي فابن خلدون رحمه الله في مقدّمته يقرر مثلا بأن العربي في الشمال الإفريقي تعني المسلم كانتماء و هوية و لا يقتصر مفهومها فقط على القومية العربية ..فالوطن بهذا المفهوم أوسع و أرحب ...و هذا المعنى الكبير قد صرّح أحد  الشعراء حينما أنشد :

و حيثما ذُكر اسمُ الله في بلد ،،، عدَدتُ أوطانه من لب أوطاني

اختار الشاعر تفعيلة الرمل لغنائيتها البكائية التّي تتناسب مع موضوع القصيدة و لكونها تشير إلى عدو محدد للخيل العربية ؛و هي إشارة مبطّنة منه إلى ضرورة إعادة مجد الوطن المحطّم إلى سابق عزّه و فخاره .فالخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ كما جاء في الحديث الشريف .

لم يلتزم الشاعر بقاقية معيّنة و لا برويّ موحّد وحيد  بل راح ينوّع فيهما  ليخلق لنفسه مجالات أكبر و أرحب للتّعبير على مدى الآلام النّازفة و التّقرحات المثخنة التي أوجعت قلبه و أدمت روحه و يجعل نفسية القارئ في أريحية كبرى ..و بأسلوب إنشائي يقطّع قصيدته إلى ثلاثة مقاطع رئيسة  تلخّصها و تجمعها ثلاثة تساؤلات كبرى :

هل سيرجع ..؟ ؛ كيفَ نرجعْ..؟ ؛ هل سنرجع.. ؟

و الرصد الدقيق للقاموس اللفظي لهذه القصيدة يبرز ملاحظة مهمّة جدا إذ لم يعمد شاعرنا لتوظيف رموز محدّدة بعينها ليتخطّى محدودية وطنه الأصلي العراق  إلى باحات وطنه الكبير و أمّته الأكبر..و هذه الالتفاتة تحسب له و توحي بارتباطه الوثيق بهموم وطنه الكبير و بعد نظرته الشمولية الكلّية  لمفهوم الوطن عنده ..  و حتى لا يتهم بالتعصب الديني و الانتصار لمذهب ما خلت قصيدته أيضا من الرمز الديني ..    و اكتفى بركوب متون الشوق و الحنين  و العناق و الفراق ... و هي ألفاظ تلتصق أكثر بالحبّ و العشق ..فمحبوبته الأولى و الأخيرة و معشوقته الأبدية إنما هي وطنه الكبير .  و تحت ظلال هذه الأبعاد الكاشفة نستهلّ قصيدته الميمونة .

أمام هول الصدمة التي ألمّت بوطنه الكبير و الفاجعة التي أتت على الأخضر و اليابس فيه تغزو الشّكوك   و الظنون نفسية الشّاعر لتحاصره و تسيطر عليه سحبا  قاتمة سدّت عليه آفاق الرؤية فأصبح اليقين ظنّا   و شكّا  و أضحت انتصارات الوطن الكبير التليدة مجرّد أوهام  و خرافات ..و اندثرت معالم ذلك الوطن الذي طالما تغنّى بصورتها و أجادها و تاريخها ...

أمام ضربات هذا الهمّ الرابض يتردد  الشّاعر في إمكانية رجوع وطنه الكبير إلى سابق عهده فنراه يختار كعنوان لقصيدته هذا التّساؤل الصادم   " هلْ سيرجعْ..؟ " ..كردة فعل لما تسيطر عليه من توجسات ..

و "هل" حرف استفهام لطلب التَّصديق الإيجابي كما هو معلوم ، ويُجاب عنه بـ نعم أو لا وإذا دخل على المضارع خصَّصهُ للاستقبال فالشاعر يبحث عن إجابة تشفي غليله و تزيل شكوكه و هو إمكانية الاستدراك و الرّجوع إلى حالة العافية و الصحّة التي كان ينعم بها سابقا ...نعم ..لا .. من يملك الإجابة و هو يرى بأمّ عينه وطنه وطنا تنزف جراحه و قد أستباح كلّ من هبّ  و دبّ ساحاته  و أريقت دماء أبنائه على مرأى من الإنسانية المتآمرة ..نهبن خيراته و ثرواته ..قتل علماءه و هجّرت أدمغة نوابغه ..عنوان حائر يبحث عن إجابة هي أكثر حيرة منه ..أتبع الشاعر العنوان بنقطتين دلالة على تعمّده عدم الإفصاح عمّا يجول في خاطره و ختمه بعلامة استفهام للدلالة على حيرة عقله و عدم اهتدائه إلى جواب شاف ..

المقطع الأول:

هلْ سيرجعْ..؟

ما تكسّرَ أو تَقَطّعْ..؟

بعدما كانَ هشيماً

كلّ موضعْ..

أو تخلّى كلّ مفزعْ..

عن هوانا،

رحلتْ بعضُ قرانا ..

وفراقٌ صارَ دمعاً

في ليالٍ سوفَ تُشرعْ..

تساؤلات مشروعة عن وطن مسلوب ينزف ..نفس التّساؤل لكن بتغيير طفيف و تعديل ذكيّ ..عن أيّ وطن يتساءل ..عن إمكانية الجير و الوصل ...جبر انكساراته المتراكمة المتواصلة ..و وصل أرحامه و أهله و مدنه و قراه ..الخطب جسيم  و في كلّ شبر منه مفزع و مهرب فلا أمان و لا سلام و لا إصلاح في الأفق ..ليصير الرحيل  عنوان قصّة هوانا بدل قصص قيس و ليلى و عمرو و بثينة ، وأضحى  فراق القرى و زخات الدموع  و الهروب تحت جنح الظلام أبوابنا المشرعة نحو مستقبل مجهول فلا مفزع يهرع له و لا نجاة في الأفق تنشد  و ها هي المواضع و الأماكن تضيق وتزداد ضيقا و تنضم إلى ذلك الليل المعتم القسمات.. 

المقطع الثاني:

كيفَ نرجعْ..؟؟

هلْ سيُبنى ما تحطّمْ..؟

أو يكونُ الجرحُ بلسَمْ..؟

إنّني جئتُ ولا أدري

إليك...؟

أو بأني راحلٌ عمّا لديكْ..؟

والأماني في سباقْ

كطيورِ النورسِ الآتي

تصوير باذخ مؤلم للكفية التي صار إليها وطنه و ما كثرة تشبيهاته البلغية إلا محاولة منه لتقريب صورة وطنه الكبير و غربته ..فالأماني و الأحلام أضحت في سباق مع الزمن و حالها كطيور النورس المهاجرة ..فتارة هنا و تارة عناك و قد لا تعود يوما ...

وشوقٍ للعناقْ

آهِ يابحرَ الفراقْ..

كيفَ أرمي بعضَ حرفي

وأنا بعضٌ لخوفِ..

من سرابْ

وجنونٌ في ظلالٍ

وكفكرٍ في كتابْ

يغيّر الشاعر شكل تساؤله في هذا المقطع موظفا " كيف"و هي اسم مبنيّ على الفتح يستعمل للاستفهام الحقيقيّ أو غير الحقيقيّ للدلالة على  تعمّده للإتيان  باستفهام تعجبيّ إنكاريّ ..فتعجّبه مشفع بإنكاره كدلالة على ضبابية الرؤيا و شدة إنكاره لما تراه عينه و يلحظه عقله ..

هلْ سيُبنى ما تحطّمْ..؟

أو يكونُ الجرحُ بلسَمْ..؟

إنّني جئتُ ولا أدري

إليك...؟

أو بأني راحلٌ عمّا لديكْ..؟

و كأن زلزالا مدمرا أتى على مدائن وطنه و قراه جاعلا منها رميما تدروه الرّياح ..فعلى امتداد البصر لا ترى العينان إلا الخراب و الدمار .. و هل يستحيل الجرح النّازف بلسما و علاجا لهول ما يراه ..في الحقيقة هو يعجز عن الإجابة لكنّه يرغب و ما وجوده هنا إلا دليل على حبّه لتربة وطنه و أهله لكنه لا يدري أراحل أو آت ..و قد أحسن الشاعر في توظيفه  للطباق (البلسم /الجرح؛ راحل/جئت ) وهي نوطات موسيقية تعكس نفسيته من جهة و تبيّن يالشيء و ضده حجم الكارثة التي وقف عليها و يقف...

تصوير باذخ مؤلم للكفية التي صار إليها وطنه و ما كثرة تشبيهاته البلغية إلا محاولة منه لتقريب صورة وطنه الكبير و غربته ..فالأماني و الأحلام أضحت في سباق مع الزمن و حالها كطيور النورس المهاجرة ..فتارة هنا و تارة عناك و قد لا تعود يوما . .كم اشتاقت روحه لعناق الأحباب الذين كانوا يوما هنا ..يتجولون في الربوع ..يتسوقون ..يتسامرون .. و لكنّه يغرق في بحر الفراق و يصير يخاف من بعض حروفه على نفسه من شدة اللاأمن و الخوف و الموت المتربص به ... أصبح فاقد حت للكيفية التي التي يتخلص بها من يعض حروفه التي قد تشي به و تسبب له الموت ..و ما السراب و الجنون و الفكر و الكتاب إلا أدواته الجديدة في مواجهة مصيره المهزوز  كمواطن عاشق محب لوطنه و مصير وطنه المكلوم ...

المقطع الثالث:

هلْ سنرجعْ..؟

المقطع الثالث:

هلْ سنرجعْ..؟

لو رجعْنا نحوَ بعضٍ من سنينْ

وبدارٍ من حنينْ

قدْ تصدّعْ..

بعدما كانَ رياضا

نحتمي فيهِ ونمرح

لو بنينا... لو سهرنا

لو وضعنا من قلوبٍ

كلّ خطوٍ

لو رفعنا في دروبٍ

كلّ ظلٍ

ما انتهينــــا..

ويظلّ الشّكُ فينا ما حيينــــا..

هلْ ســـنرجـــعْ..؟؟ هلْ سنرجــــعْ..؟ هلْ ســنرجــعْ..؟

 

و يأتي  التساؤل الثالث  الذي يوجهه مباشرة  لأفراد مجموع وطنه الكبير .. فما رآه من خراب و تقهقر   يشيب له  الصغير و يتذكّر سنين ولّت كان الاستدراك فيها ممكنا ..فلو اجتمعوا  في دار الحنين و المحبة ما كان شرخ التّصدّع  لتزداد شقوقه بهذه الفظاعة و الحجم ...

و قد كان وطننا من قبل رياضا باسقة ..نجدد فيه براءة طفولتنا فنلعب و نمرح كيوسف و إخوته ..و هذا اقتباس قرآنيّ جميل و فارق ...

وليلجأ إلى "لو"  حرف امتناع لامتناع و لو لا تبني حطاما و لا ترجع تليدا ...و لكن فرطنا و ما اجتهدنا ...نمنا و ما سهرنا ..و ارتضينا الراحة و الدعة و الكسل ..فما حصادنا إلا نتاج بذرنا و حرثنا ...فكانت عاقبة أفعالنا و تفريطنا النّهاية و خاتمة نومنا ربما السقوط الذي يقف بعدها أبدا لا قدّر الله ...

ثمّ تغلبه الظنون و تحاصره الوساوس فينطلق لسانه من جديد  بتقريرات  ثلاثة  ...

هل سنرجع ؟ هل سنرجع ؟ هل سنرجع ؟ ليؤكد بأنّ حركة التغيير و قرار الرّجوع راجعان  إلى كل حر عربي ينتمي إلى هذا الوطن الكبير النازف ..و تعبيره بالجمع فيه دلالة على ضرورة الاجتماع و الوحدة و التكامل في بناء ما انهدم و تكسّر و جبر ما تقطع ...

الجزائر في 15.01.2021

 

 

 

 

 

 

31.                  جمرة من احتراقات الشّاعرة  الجزائرية خديجة قادري

 

        'هنا' تكرّرت في القصيدة أربع مرّات و هي إشارة قويّة للقارئ بضرورة الانتباه لما سيتبعه من أقوال و أحكام و يمكن توظيفها كعنوان للقصيدة  .. و الترجيح  بين أربعة عناوين مشتقة  من رحم القصيدة نفسها ..هنا روحي ..هنا جمر ..هنا وجع ..هنا نبض    و بعد النّظر و التّأمل ترجّح لي "هنا روحي"  لمناسبته لمعاني القصيدة و خباياها    و أسرارها .

    القصيدة تتسم بالوحدة الموضوعية بالرّغم من كونها تدندن على أوتار الخليل العمودية      و هي على العموم  كتلة ضخمة رهيبة  من العواطف ساهم في وجودها عناصر ثلاثة : ذات أنّانة  و معاناة ممتدّة  و فرار ميؤوس ..ثلاثية مرعبة تعكس فظاعة  نفسية الشاعرة   و شدّة العواصف الهوجاء الثّائرة بين جنبات روحها المسالمة ..لذلك فمن  اللائق أن يتمّ التّركيزعلى تلك النفسية و معاناتها و ليس أفضل من القيام بعملية إحصائية لمفردات قصيدتها للخروج بنتائج هي أقرب من حقيقة نفسيتها المتقرحة الجروح .

1.     الذات الأنّانة: الرّوح ؛ اليسار كناية عن القلب؛ النبض {02}؛ القلب {2} ليكون المجموع أربعة  دون حساب التكرار.

2.     المعاناة الممتدّة: الجمر؛الاحتراقات{2}؛الوجع؛البخار؛البؤس؛الغرق؛الفرار؛بلا أمل؛التشظي؛الوهج؛الخيبات؛الدمع ؛ الدّثار ؛ دون ذكرليكون المجموع أربعة عشر دون حساب التكرار.

3.     الفرار الفاشل :الحكايا؛الهدهد؛ النّداء؛المداراة؛ الصبر؛ الغفوة؛ الملام ليكون المجموع سبعة .

الاستقراء الأوّلي للألفاظ الموظّفة في قصيدة الشاعرة يلحظ الاختفاء الكليّ و الشبة التام لألفاظ الأمل و إمكانية العودة و لمّا جاء لفظ الأمل سبقته  الأداة "لا" لتفيد النّفي ممّا يوحي بأننا أمام نفسية محطّمة إلى أبعد الحدود . هذه المسحة حزينة المعتمة القسمات هي السمت العام لموضع القصيدة و تداعياته  و تسير القصيدة على هذا النحو الجنائزي المسائي من أوّل بيت تنبيهي إلى آخر بيت تقريري.

يلاحظ أيضا بأن نسبة مجال المعاناة يفوق بأضعاف المجالين الآخرين دلالة على استفحال المأساة في نفسية الشاعرة و بلوغها مراحل جد متقدمة اليأس و القنوط .

و السؤال الذي يفرض نفسه بقوة : من أو ما هو الشخص المادي أو المعنوي الذي أدخل الشاعرة في عالم سوداوي قاتم يشبه بكثير النفق الذي لا مخرج منه ..

 

أعدت قراءة  القصيدة مرات و مرّات فلم أهتد إلى من استحقّ هذه المسوح الحزينة ؟ فلا مفاتح شفرة منثورة و لا رموز تاريخية و لا دينية و لا جغرافية ..لا شيء إلا كتلة كبيرة من الأحزان المتراكمة ..ظلمات بعضها فوق بعض ..

الشاعرة تستعمل ضمير الغائب لكنها لا تصرّ باسمه ...فمرة تجعله مستترا حين تقول :ٍ  بلا أملٍ و يُسمعنــــي نــداء.. و مرّة تستعمله متصلا كقولها : تشظى فيه من وهج انكساري أو قولها في صدر بيت آخر:  أداريــــه عن الخيبات صبراً أو عجز البيت الأخير: حذارِ من إفاقتــــــــهِ حذارِ.. و تمضي على هذا النحو لتجعل القارئ يتلهّف شوقا لمعرفة من/ما المخاطب في قصيدتها ؟.. و لكن للأسف الشديد تستمر في إخفاء من تبكيه إلى آخر بيت لتدخل عقل القارئ في حسابات متداخلة.

التوصيف الوحيد الذي جادت به شاعرتنا هو مجرد تلميح و إيحاء حين قالت : حذارِ من إفاقتــــــــهِ حذارِ.. فلا شكّ بأنّه شخص مهم للغاية و مؤثر بحيث لو استفاق لتغيّر الحال و سقطت أسماء و حضل ما لم يكن في الحسبان .. ربّما حبيب أو قريب أو فاعل سياسي أو أو ..و ربّما شخص معنوي و قد يكون الوطن هذا العملاق النّائم المرعب الذي جعلوا منه رقعة شطرنج أو منصة خطابة للمطبلين و المزمّرين ...و ربما يكون شيء آخر هم من أخص خصوصيات شاعرتنا ...

لم أعمد كعادتي إلى عرض بعض ما تيسّر من الشروحات و التوضيحات للقصيدة لسبب وجيه و المتمثل في كون الشاعرة قد نهجت في نظمها للقصيدة أسلوب السهل الممتنع ..سهل للفهم إن في ألفاظه أو معانيه و ممتنع على الزيادة فيه لأنّه مكتمل واضح كأن تزيد السّكر للكسر مثلا ..

أخير ا و ليس آخرا و تحت ظلال هذه المعاني أترك للقارئ فرصة الغوص في بحار معاني قصيدة الشاعرة خديجة قادري و الحريّة الكاملة في تقفّي آثار الجمال و البهاء المنصورة في مجاني قصيدتها الرائعة ..و للقارئ تعود مسؤولية الترجيح و لما لا إدخال لاعبين جدد في رقعة الشطرنج الممتعة .

هنا روحي هنا جمر احتراقي

هنا وجعٌ توطنَ  في يســاري

هنا نبضٌ تهدهـــــدهُ الحكايا

و هذا القلب أصبح كالبخــارِ

فنبضي عاش من بؤسي غريقاً

بلا جدوى يفتّشُ عن فرارِ

بلا أملٍ و يُسمعنــــي نــداء

تشظى فيه من وهج انكساري

أداريــــه عن الخيبات صبراً

و مالي غير صبري من دثارِ

فيا  أهل الملام  إذا  مررتمْ

بركب الدمع يوماً في الجوارِ

غفا دمعي فمرّوا دون ذكرٍ

حذارِ من إفاقتــــــــهِ حذارِ..

الجزائر في 18.01.2021

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

32.                    قراءة جمالية في قصيدة "لك وحدك" للشاعرة الجزائرية خديجة قادري

العنوان : لك وحدك

"وحدك" تكرّرت ستّ مرات باحتساب العنوان ..وعمدت إلى  التكرار لتحقيق ثلاثة أبعاد  نفسية تتوزّع بين تأكيد و تنبيه و تخصيص..

 تأكيد تقريريّ  لقيمة المستهدف  من الخطاب داخل النّص الشعري و تنبيه ضروريّ للقارئ على  ضرورة العناية بالسرّ المنطوي بين خفايا هذا الحرص الشّديد من الشاعرة و تخصيص مميّز   لأن ما تضمّه جوانح النفس لا يمكن للحروف و الكلمات و اللغة من إيفاء حقّه ..

و تقديم الجار و المجرور «لك وحدك " لتبيان أهمية الشخص المقصود و هو أسلوب من أساليب اللغة العربيّة و يوجد الكثيرمنه في بطون الكتب و في القرآن عيّنة منها  كقوله تعالى :"ربّ ابن لي عندك بيتا في الجنة " قدّمت العندية  "عندك" عن الجنة و نعيمها ..

و استعملت ضمير المخاطب المتصل للإشارة إليه للدلالة على أنّ موقعه بين جوانح القلب    و سويدائه فذلك مقامه الحقيقي ثم أكّدت و خصّصت بـ"وحدك" لتبيان مكانته الجليلة في قلبها من جهة و فراغه من أيّ اسم أو حبيب محتمل من جهة ثانية  و كأنّها تعكس حكاية أم موسى عليهما السلام في قوله تعالى "فأصبح فؤاد أم موسى فارغا" أي فارغا من كل شيء لامتلائه بابنها و انشغالها بحاله .

الشّاعرة توجّه رسالتها على سبيل الاختصاص و الإطلاق و تلفت انتباه المرسل إليه و القرّاء على اختلاف منابتهم و مستوياتهم من باب الاستئناس لا غير و إلاّ فهي له وحده لا يشاركه فيها أحد من العالمين  فقصيدتها من الإخبار لا غير .و هذا الأسلوب المعتمد يعدّ من براعة الاستهلال و الإغراء إذ يدفع بالقارئ إلى محاولة فكّ شفرات رسالتها و التّوق لمعرفة هذا الفارس المشار إليه و معرفة ما يخفيه من أسرار و تشويقات .

نرى الشاعرة في هذا العنوان قد أتقنت فن التّواصل  بربطها بين المرسل و المرسل إليه      و الرسالة و ما يرتبط  بهم من تغذية راجعة و قنوان و تشويش و خشخشات  .. عرفنا مبدئيا المرسل و المتمثل في الشاعرة و علينا معرفة المرسل إليه و موضوع الرّسالة للوقوف على مخطّط الاتصال " جاكوبسن" بعناصره المعروفة .

تخلو القصيدة من الّرموز الدينية و التّاريخية و الجغرافية و الحضارية فأنت أمام نص مفتوح على مصارعه تلمس فيه بحار من العواطف الجيّاشة الثائرة و صور وجدانية حافلة ثائرة و أشواق هوجاء كبركان يغلي ..يعجّ بالتشبيهات و الإيقاعات الموسيقية كالطباق و نحوه و ما يتركه من موسيقى داخلية ..و لكنّ في نهاية المطاف لا تهتدي للمرسل إليه و بذلك آثرت الشاعرة أن يبقى المرسل إليه غامضا مجهولا ..نشعر به في كل مقطع من مقاطعها و كأنّه حيّ بيننا و لكن من خلال الأخر أي المرسل في شكل اعترافات و أشواق و تشبيهات و كنايات ..و يبقى السّر محفوظا بين جوانح الشاعرة و فقط .و النتيجة قطع الأمل في الاهتداء إلى المرسل إليه ..

و هي رسالة أخرة واضحة من الشّاعرة تدعونا فيها للاهتمام بموضوع الرسالة و فحواها لحكمة ما تبقى متوارية وراء حُجب الغيب ..

فضّلت الشاعرة استعمال الكاف كضمير للمخاطب لتمرير رسالتها بقوّة و حسم للدلالة على قوّة حضور المخاطب أو المرسل إليه في وجدانها و في ذاكرتها بل و في كل نفس منها و حركة تصدر عنها و هذا يشبه إلى حد كبير العشق الصوفي ..عشق الحلاج  "أنا هو و هو أنا " ..و لعلّ أوّل مقطع في قصيدتها النثرية يؤكد ذلك و يثبته ؛ فنحن نرى بأنّا تبتدأ صباحها بالغوص فيما يليق بصباح معشوقها مستحضرة ربّما ما كان يستثير فكر محبوبها  و انتباهه  من وشوشة العصافير و هي تتناغم مع ترانيم النّايات الباكية الحانية لتستدرك بسرعة بأنّها ما نسيته طيلة الليل و ما فارقها طيفه و ما رحيل الليل و بداية صباح جديد إلاّ بساط  آخر لمواصلة ذلك اللقاء بتغيير فقط في ديكور و تفاصيل لقاءنا من جديد...لكنّه بساط من طراز آخر و من عالم عجيب ، خيوطه  عشبية نسجت من آخر شعاع  من نور باق يليق بجمالك و مقامك .

المقطع الأوّل :

يليق بصباحك

وشوشة العصافير

وعزف النايات

ففي رحيل الظلام

على عشب آخرِ شعاعٍ ألتقيك

ما يلفت الانتباه تصديرها مقطوعتها بفعل مضارع ليفيد استمرارها في رصد تلك الصباحات مهما امتدّ بها العمر و استحضارها لتلك الصور و المشاهد التي كانت نستهوي محبوبها و تأنس تأملاته كرمزية لتجدد الوفاء و الثبات على عهود المحبّة إلى آخر نقس منها و هذا جمال آخر يفوق كلّ خيال .

المقطع الثاني :

و تستمر في توظيف الفعل المضارع لتستمرّ انكسارات حيرتها عند كلّ لقاء جديد هاربة إلى أحضان الخيال لترسم بريشتها السحرية و ألوانها القزحية لوحة تقريبية للحيرة اللاهية  كأطفال أبرياء أو أحمال لاعبة على أبواب قلب من خشب  و قد فقد كل معنى للحياة و الحب من بعد خصب و ريّ و اخضرار و ما خصبه و حياته إلا بوجودك و دفء أنفاسك  و العكس صحيح.. و تشبيه القلب بالخشب كناية على موته و جفاف شجرته الباسقة في  ربوع النفس.

و عزاؤها الوحيد في تلك الربوع القاحل آثارك هنا و هناك .. و تلح على تكرار"آثارك" للمرة الثالثة لتؤكد للقارئ بأنّ هذه الآثار هي أنفس ما ورثه عنه و تهرع لتبيان ذلك ..

ففي المرة الأولى تشبّه آثاره بخيل مسرجة مرسلة تستنفر فرسان الشّوق الخافت في زوايا مروج القصب الأصفر .. و وصفها للشوق بالخفوت دلالة على قطع الأمل في رجوع معشوقها الذي غاب أو غيّبه الموت ..و ربّما هذه هي الإشارة الوحيدة عن المأل الحقيقي له ..فمن المفروض أن يكون الشّوق محتدمة نيرانه لا تزيده الذكرى إلا توهجّا و لهيبا و لكن في حال شاعرتنا يتبدّى لنا الشوق في صورة مصباح يخفت أو سفينة تغرق أو أمل يخبو .. و في ظل هذا الشوق الخافت لا يسعها إلا عقد مناظرات جدلية  للحيرة و أخواتها  في تلك الأرض الجافة القصبية لعلمها بعدم حصول مرادها و تحصيل غرضها..

ألتقي اِنكسار الحيرة تلهو على باب قلب من خشب

هي آثارك

تسرج الشوق الخافت

وتجادل الحيرة في زاويا القصب

و أما في المرة الثانية  فتصرّ على قيمة كنوز أثاره  التي تحتفظ بها في خزائن ذاكرة وجدانها و بصيغة المخاطب الحاضر دوما و ارتيادها لصهوة جواد المستقبل و لم يبق أمامها إلا اللهو في بقايا الخطايا التي ترسّبت بعد رحيل و اختفاء محبوبها و هي كناية مستترة على تبدلّ حالها و بيئتها فكأنها ارتكبت خطيئة بل خطايا فعوقبت بحرمانها النهائي من محبوبها ..        و نراها تبحث عن دواء نافع شاف لأثقال التعب التي ترزح فيها نفسيتها المعذبة  و لن تهتدي إلى ذلك بل يعدّ ذلك ضربا من المستحيل كما عجز القدماء في اختراعهم لإكسير يجعل من المعادن البسيطة ذهبا حقيقيا ..و موضع الغرابة  في تعبيرها  بأنّ محبوبها قد ارتحل و لم يترك لها من آثار إلا بقايا خطايا و مثاقيل من تعب  و هذه إشارة أخرى على قنوطها من رجوع معشوقها المحتذى به. 

هي آثارك

تلهو في بقايا الخطايا

واكسير التعب

و في المرة الثالثة و الأخيرة و بصيغة المضارع أيضا  ترفع الستار على نوع آخر من الآثار لتؤكد التصاق و تعلّق  طيف محبوبها بأذيال ثيابها أنّى حلّت و أنّى ارتحلت لتشبّهه بعطر ساحرة اغتسلت بدموع السّحب كناية على طبيعة السحر المعمول و استحالة برئها و شفائها منه و هذا بعد جمالي عجيب يجمع بين عدّة متناقضات و مفارقات و مركبات أعجب من ثياب و عطر و سحر و دموع و سحب  .. فعلاجها من تعلّق طيفها بنفسيتها من أمحل المستحيلات ...

هي آثارك

تَعْلقُ بثيابي ...

كعطر ساحرة

تغتَسّل بدموع السُحب

 المقطع الثالث : في هذا المشهد الوجداني المشهود تلجأ الشاعرة بعد توصيف مفصّل لحالتها النّفسية إلى طرح تساؤلاتها هاربة تبحث عن إجابات شافية .. تأمل في استمالة غيمات حبلى لتمطر غيثا يعيد اخضرار خشبها المقعّر و بسمة قصبها المهرّبة ...لا يسعها و الحالة تلك إلا أن تسترجع بعض قناعاتها و تعلنها على الملأ و الأشهاد ...فنسيان  محبوبها من المستحيل حصوله و ذكره خالد مخلّد بل إنّه ثابت من الثوابت التي لا تمحى و لا تتخلّف ، أوليس من العجب العجاب أن يحي إنسان مقطوع الشريان ..أن يدب جسم منزوع الرأس .. بل إنّ محبوبها لهو الشيء وخصّت الرّتابة و الصخب كمثال حيّ تاركة للقارئ إضافة ما يحلو له من تناقضات هي من طبيعة حياة المحبين عند الحل و الترحال ..و خلاصة اعترافاتها استحالة نسيان محبوبها .

لستُ أنساك

وأنت الشريان

النابض

أنت الحياة

أنت الرتابة والصّخب

بعد شحذ لهمّتها و إعادة إعلان لقناعاتها المبدئية التي لا يطالها التغيير و التبديل  تكشف قليلا عن مدى ضخامة الحريق الذي شبّ في خشب و قصب وجدانها الملتهب ..و توظيفها للفعل المضارع للدلالة على استفحال الحريق و بلوغه إلى نقاط متقدّمة جدا في ربوع وجدانها المحترق ..و مما زاد الوضع سوء تلك التساؤلات التي تترى و لا تتوقّف صادف جيشا من التعب كان قد اقتحم حمى ذاكرتها و عاث فيها فسادا و خرابا حتّى ضجّت الرّوح بالأسئلة الحائرة و كانت وقودا مستعرة إضافية ...

يتسع الحريق

تطلق خلفي

ألف سؤال ...

وسؤال

و جيشاً من العتب

أضجّ بأسئلتك

و في ظلّ هذه الاحتراقات و التساؤلات يتحرّك الحنين و تهيج العاطفة نحوك و تلتفت الذاكرة إلى الوراء بحركة دائرية لتخبره عن حالها و تطلعه عن مدى وفاءها له و حبّها الأسطوري لتعلن له:

أستدير ..لأطلعك

لكَ وحدكِ و وحدك

ترف اجاباتي

الناعمة

وفرو الشغب ..

و كأنها إجابة مودّع يائس تمثّلت في صورة ملاك  مجنّح حاملا بين جوانحه إجابات حاسمة لكنها ناعمة مرهفة رهافة حسّها المحترق و حنانها الجيّاش لإعلان حقيقة ما يختلجها من إجابات و اعترافات ...فقد انتهى زمن الشغب و قد بلغ الحريق نقطة اللارجوع و أشرفت الحياة على نهايتها .

المقطع الرابع : بعد وابل تساؤلاتها و مدّ و جزر تعلن الشاعرة عن قراراتها الحاسمة و تعلنها صيحة مدويّة في آذان الزمان و الإنسان و الوجود بعالميه المشهود و الغيبي ..تتعمّد من حين إلى حين من تكرار هذا المقطع القصير" لك وحدك و وحدك يكون " ... و لكن تدخل عنصرا جديد إضافيا " يكون" لتعلن قرارها الأخير الذي لا رجعة فيه .

 

جملة قرارات نجملها في : الولاء ..الوفاء ..الحبّ ..التستر ..الصلاة .. خماسية تعلنها في شكل قرارات نافذة غير قابلة للاستئناف أو النقض .

و بلغة الأنثى و الضعف و الاستسلام لأمر محبوبها تتحفنا بصيّب من الصور الوجدانية الروحية فنراها مرّة في صورة مريم و قد تجلببت و تسترت و تارة في صورة زكرياء و هو يتعبدّ في المحراب ..و ثالثة نراها و قد تقمصت دور طفلة جميلة القسمات و الضحكات ..و كلّ آمالها أن لا يلفها ذلك الصمت من جديد الذي خلفه دويّ الرصاص فأضحى نحيب الريح صمتها الأزلي ..

لك وحدك و وحدك يكون

الولاء ..

يكون الوفاء

يكون الحب

يكون ...ما لم تنجبت السحب ...

لك وحدك أتلحف

عباءة الشوق

أصلي حافية القلب

في محراب الساعات

‏ أطرز دفاتري كطفلة بجميل الضحكات

كي لا يحبل الصمت

برصاص الكلمات !.

كي لا تنطفئ

لوعاتنا

و تردّ الريح بالنحيب والبكاء

في الفلوات .

هذه القصيدة النثرية تطبيق عملي لنظريات الحداثة و مثال بارز و حيّ في الالتزام بشروطها و مدخلاتها و مخرجاتها ..فنجد التوصيف أولا ثم الانتقال إلى طرح التساؤلات لتختم  بإصدار أحكام و مقررات و بذلك يمكن اعتماد هذه القصيدة و القراءة في  مقررات الطلبة التعليمية كأنموذج عمليّ لتلك النظريات الحداثية .

 

 

33.                  زفرة في حبّ الوطن قراءة  في قصيدة أماني محمد "أم المعتصم "

 

          حين يبكى القلب  وطنه  شوقا  و لهفة في لحظة استغراق و هيام تخرج الحروف منه باكية كغيمة حبلى ، متأججة كنار محتدمة ، تأتي على الأخضر و اليابس من القلب و الرّوح ..و يصبح مجرد مسّ أو لمس  ثرى الوطن سلوى و السّلوى    كل ما يسلي النّفس عن الكرب والهموم والأحزان، وينسيها جروحها و كروبها    و كأنّ تراب وطنها تدثّر بالقداسة و البركة فبمجرد لمسه و التّمسح به  تنزاح الأتراح و تنجلي الهموم  و الأحزان و يعم السرور و الطمأنينة أرجاء النّفس .

عندما تنقلب صورة الوطن الآخر(المُستقبِل) و يذوب بتفاصيله  في بوتقة  الوطن الأمّ فإنّه يضحى كلّ جزء فيه من أرض  و سماء و هضاب و تلال و صحاري و غابات و بحار و وديان  و غدران  نسخة  طبق أصل  الوطن الأمّ المتربّع على عرش القلب والمتحكّم في نياط الروح و مجاريها .. فالأوطان و إن تشابهت في معالمها  و تضاريسها فيبقى للمنزل الأوّل حنين خاص و طعم لا يضاهيه شيء آخر في الحلاوة و الطّلاوة.

فهي ترى وطنها في تحسّسها لنبضات قلبها حين تؤزها و رياح شوقها و  تهزّها  هزّ عنيفا و تقوى رغبتها    و تشتدّ إرادتها لرؤية وطنها ؛ و هي تراه ثانيا  في لهفة كلّ مشتاق تمسّحت  نفسه  بثراه و ذابت مهجته   و هو يظفر بلقاء فتسمو روحه تعانق الأفلاك في السماوات ..و التعبير بالرجاء فيه ملمح نفسيّ لافت ..فالرجاء من الأضداد فهو يحمل الأمل و في نفس الوقت يدلّ على الخوف ..فأملها في رؤية تقاسيمه مشوب بخوف ذلك أنّ هجرة الأوطان طويلا تجعل بعض التخوّفات و الهواجس تتسلّل إلى النّفس لكن الغلبة في النّهاية هي للأمل أي الجانب الإيجابي في النفس .

المقطع الأوّل:

سـلـوى لـروحـي أنْ أمــسَّ ثـراكا

أنَّــــى اتّـجـهـتُّ فـــلا أرى إلاكـــا

فــي نـبـضةٍ لـلقلبِ حـين يـؤزّني

شـوقـي إلـيـك ويـرتـجي رؤيـاكا

فــي لـهـفةِ الـمُشتاقِ مـن زفـراتهِ

عــنــد الــلّـقـاﺀ يـعـانـقُ الأفــلاكـا

المقطع الثاني:

 و في غمرة الأشواق و لهفة الاشتياق يتمثّل لها وطنها كشخص مادي له قلب و سمع          و عقل فنراه تستعمل حرف النّداء أملا في إجابة شافية تطفأ نيران الشوق المتأجّجة ..و كفى بالوطن معشوقا فها هي تبثّ له أسرار هواها  الهائمة المكنونة في مهجة القلب و لا تخفي صبابتها لوطنها و تيه أفكارها   و تناغم نجواه بنجواها فكأنّهما صنوان واحد .. فلا يسعها و الحال كذلك إلاّ أن تسيل دموع عينيها كسحب باكية راجية منه الإشفاق و الترفق بحالها  و تشتدّ حالتها و تتفاقم عند كلّ غياب و شبه جفاء .

يـامـن إلـيـكَ أبــثُّ أسـرار الـهوى

فــي الـقلب تـسكن هـائما بـهواكا

فـارفـق بـصـبٍّ تــاهَ فــي أفـكارهِ

ويـبـثُّ فــي نـجـواهُ مـن نـجواكا

سـالتْ دموعُ العينِ مثل سحائب

عـنـد الـغـيابِ فــلا أطـيقُ جـفاكا

المقطع الثالث:

حذفت حرف النّداء "يا" عن  "وطني"  للدلالة على أنّ الوطن َ متجذّر في سويداء قلبها ، متحكّم في  حركات روحها و سكناتها ..فكأنّها تراه رأي العين و تتحسس نبضاته و ترتوي من غيماته ليستحيل حبّ وطنها رشفات من ذلك الجدول بل الجداول الطافحة بالرواء و البركات ..و على سيرة "أم مريم" عليهما السّلام و سننها تعلن للوجود نذر قلبها و تشهد على نذرها ذاك دموع العين  التي جعلتها عربون فداء لوطنها و شواهد عيان عن ولائها له...

و تجعل نبض الوطن في لمسها لحجره المبارك كعلامة حياة و رمز قداسة فتهوي بقلبها المنقاد الموتور لتقبّل ثراه غازلة من زرقة سمائه وشاحا تتشح به ..و هذا تشبيه عقليّ بليغ جدا إذ يجمع بين أمور ماديّة     و أخرى معنوية و عقلية و مثل هذا الجمال لا يجتمع إلاّ لضليع متمكنّ من اللغة العربية التي لا ترخي زماما إلاّ لعاشقيها ز خاصتها. عجبا  فمجرّد لمس بسيط لحجر من أحجاره إلاّ و انقلبت نفسيتها من النّقيض إلى النقيض و أضحت عبدا مطيعا مأمورا لا حول له و لا قوّة ..

و في قمّة ثوران حبّها و هيجانه تلتفت إلى حبييها الغائب عنها الحاضر في شغاف فؤادها لتمزج بين حبيبين غائبين تناغما و اتّحدا فصار روحا واحدة لتصوغه شمسا مشرقة لا ترى النّور و الإشراق إلاّ بعينيه الذي استحالا عينيها التي تبصر بهما الأشياء و الحقائق...تشبيهات بلغت أوجّها من البلاغة و الرُواء و زاد في بهائها المنقطع النّظير روحها الصادقة و وفاءها الممتد و حبّها اللدني الذي لا حدود له و لا قيود ..

وطني رشفتُ الحبَّ منك جداولاً

ونــذرتُ قـلـبي والـعـيونَ فِـداكـا

لـما لـمستُ بـذي الـحجارةِ نـبضةً

قَـبّـلتُ تـربـكَ واتّـشـحتُ سَـمـاكا

وطني تَجلّى في الحبيب فصغتُهُ

شـمـساً وفــي عـيـنيّ ذي عـيناكا

عاطفة جيّاشة أخالها كبركان هائج مضطرب سلب الظنون و الأوهام فأضحى العشّاق و المحبّون من ضحاياه و رهائنه أو كنيران محتدمة أتت على الأخضر و اليابس ..

الكاتب / بولمدايس عبد المالك

الجزائر في 26.01.2021

34.     بروتريه عن الشاعرة  الجزائرية  عبلة لفتاحة ملكة الإحساس و سفيرة الإعلام

 

1.     في خضم المعركة و من عين العاصفة و على تراتيل أحمال ثقال تنوء بحملها الجبال  تطلق ملكة الإحساس عبلة لفتاحة نذرها الجازم القاطع الذي لا تراجع فيه        و لا إخلاف  جاعلة من روحها سراجَ ضوء يسير على هدي أنواره السّائرون والمدلجون               و الحالمون و القانطون  .. كم هي موجعة وخرزات الآلام الحادة ..كم هي قاسية         و شديدة أمواج الدموع العاتية و هي تؤزّ جدر الدفاعات الأولى لكتيبة  العنفوان المقاتلة الثابتة .. تحدّ في أعلى درجات الخطر.. صراع في أوجّ عطاءاته.. عذابات تمثّلت في أرواح آهات متقرّحة الجروح .. زفرات مخنوقة حبائل أصواتها تئن بحشرجات مكبوتة ..جسد مهزوز من شدة عواصف الريح الغاضبة .. تحرّقات صبر بين مطرقة انتظار يائس و سندان انتحارشاخص .. ذلك مشهد عابر  في سلسلة كفاح بطولي مستمّر ... تطلق صرختها و تعلن للوجود بصيغة الـ نحن كدليل على حضور الأنا             و كبريائه و نرجسيته ..

"   نتحدى غصات الوجع

  نصارع عنفوان الدّمع

  ويحَ قلبي،، 

 خُنقتْ تلابيبه

فأصبح الجسد هشًا واهنًا 

بين  عذاب الآهات

حرقة الصبر

و الانتظار أو الانتحار"

 

2.     ياسمينة الإحساس جعلت من الإنسان محور صراعها الأبدي و أعدّت لذلك من العدّة و العتاد ما يعينها على خوض معامع طاحنة ضروس ، حامية الوطيس في ظل عالم أناني مصلحيّ لسان حاله جعجعة مطحنة و لا دقيق ..جعلت من المحبّة الإنسانية شغفها الثائر ..تنظر يعيني زرقاء اليمامة و تحلّق بأجنحة حمائم السلام البيضاء  .. حنان دفّاق كشلاّل حالم يحيي وصال ذلك  الليلي الملاح ..أشرعتها ابتسامات عابرة لقارات النفوس الخجلة تربت بأيادي العناق على شفاه متشققة من آثار الصرخات   و الآهات .. بين أصابعها تداعب قيثارة تصدر ألحان سيمفونية  السلام لتراقص وجد الإنسانية البائس المؤرق .. 

 

" ما بيننا شغفٌ ثائرْ

 نظرةٌ تعانق الروح

 لمسة حنانٍ تحييِ الوصال

ابتسامةُ  خجلٍ تعانق الشفاه

و لحنًا يراقصُ الوجدَ طربًا"

أشياء لا تعدّ و لا تحصى تربطها بأخيها الإنسان أوّلها حبّ له مفتوحة أشرعته   و آخرها موت  فيه و فناء  ..

"ما بيننا أشياءٌ كثيرة

أولها  أحبك

 وآخرها لا حياة  لي من دونك"

3.     و تتعالى الآهات بين مدّ و جزر لتبلغ مستويات متقدّة من خوفها الشّديد و قلقها المحتدم حين تلتفت إلى أشباح الحنين المنهكة القوى ، الشاحبة اللون ، المغمورة العينين ..عندما تنظر بعين المحبة و السلام إلى مشية الاشتياق المتعثرة  العرجاء و قد راعها وعكاته الشديدة المقعدة و هو يتسكّع بين أزقة الليل الحالكة السواد ، المعتمة القسمات و العفراء الملامح..

" آآه،، كم أرتجف خوفًا

من أشباح الحنين المنهكة

و ترعبني وعكاتُ الإشتياق

وتفاصيل اللّيل الحالكة الهالكة  "

 

و تحت وطأة الفاجعة تتذكّر حال المرأة "حواء" و غربتها و شدّة معاناتها و قد عاث شتاء أهوج قاس بعواصفه المتلاحقة  بين جنبات روحها الحالمة العاشقة ..تتذكّر أنوثتها و قد عربد فيها العابثون فسادا و خرابا ؛ فانزوت وحيدة على لحن بارد جليدي تراقص أنفاس أرق أبى إلاّ أن ينام تلك الليلة بجانبها مداعبا أوتار حنين لفحته سياط جليد غاضب و صقيع بارد ...و هي هي .. السيّدة الرزان و ملكة الإحساس .

وأنا سيدة،،

تعربدَ الشِّتاء في داخلي

مثيرًا عاصفة الشوق

أنثى ،،

على وترِ الجليد

 أراقص أنفاس الأرق

أداعب صقيع الحنين الأحمق

و لا تستفيق إلاّ على ضوضاء صخب الألم الرابض ليستحيل الصباح إلى ألم لا رحمة فيه ، خانقا حلمها الوليد ، ليضيق بها المدى الرحب فتضيق آمالها و تنحصر أكثر       و تنزوي في نقطة ضيّقة منه .

وعلى ضوضاء الأنين

إستفاق ألمي

 فضاق المدى وخنق حلمي

4.     "عبلة " الإحساس تؤثر الانسحاب البطيء ..تلك السيدة.. الحالمة ..الإنسانة .. تعلن صرختها الموءودة البئيسة لتشهر سيفها المتعب على دقات طبول وجع أحمق كاسد قطّع أوصال أطرافها و أفرغها من شحنات إنسانيتها و ما تبقى من أنفاس أحلامها ليغدو كلّ عضو منها يتمزّق على مرآى من الإنسانية في مشهد تراجيدي كئيب ..حين يستسلم البطل لقدره المر الحزين تدخل الإنسانية في فوضى خلاّقة تجعل منها مأدبة للوحوش الجائعة و الطيور الكاسرة ..

" متعبةٌ أنا بالقدرِ الكافي

والوجعُ الأحمقُ

يبتزُّ أطرافي

 لا يمكنني أن أحتوي شيئًا

وكل مافيَّا

يتمزق شيئًا فشيئًا "

5.     حتّى الكلمات و الحروف طفقت تهرب من أبجدية لغتها التعبيرية ..فلا لبوح طاوعها و ألقى حباله و قال هيت لك ..و لا التّعبير حنّ و رقّ لحالها فآنس وحشتها و خفّف من آلامها .. و ها هي "عبلة " الإحساس ..الإنسانة ترزح تحت أثقال قلبها المرزوء الموتور و أقدام وجع هدّ جسدها  المتعب الواهن مبتزّا آخر ما تبقى في كنانته من محبّة واشتياق و أمل ..

" عاجزة عن التعبير

عن البَوح

بِـ ثُقل يحتل قلبي

و وجع يبتز  جسدي"

6.     بحرقة شديدة و لوعة متقرّحة تطلق آهاتها لترتّل آخر أمانيها و تحت مسوح الآهات المسترسلة تحفر رغبتها الملحّة .. أمنيتها الوحيدة أن تهدأ براكين آهات الحزن المرتسمة على صفحات شفاهها الذابلة .. أن  تسكن و لو لحين أنّات تناهيد حسرة مثقلة أرخت سدولها الليلية و أردفت أعجاز همومها  و ناءت بكلاكل أحزانها لتعيد ملحمة امرئ القيس و لكن  ببطلة جديدة واعدة و ديكور عصري حديث ..

" آآه،،،

كم أشتهي

أن تهدأ آه.._الحزن ،،

على شفاهي

أن تستكين ،،

تناهيد الحسرة

في صدري "

7.     قوّة المرأة  و ضعفها في عاطفتها فالتناقض خصيصة من أوكد خصائصها ؛فقد يظنّ قليل الخبرة بأنّ المرأة ستستسلم بسهولة و تنهار بسرعة إذا ما حوصرت و لفت رقبتها حبال الهزائم و الخسارة ..

تلك حيلة مؤقتة عابرة ؛ فسرعان ما تنتفض و تنتصر لهزائمها لتحلّق بعيدا بهمّة عالية    و نفس متجددة  كنسر كاسرعصيّ  لا يرتضي بغير القمم وطنا له و مرتعا .. فبخطى الواثق و على درب البطولة تعلن للوجود سرّ عودتها و مفتاح ثباتها و حدّة عزمها           و إصرارها الحديديّ  الناري وها هي  تتلو تراتيلها من على منبر الإنسانية في مشهد مشهود :

" لولا هدوئي لن يكون للإحساس معنى ..

ولولا حناني لن يكون للمشاعر دفء يستثنى..

 ولولا إحساسي لن يكون للقلب نبضا يتغنى ..

ولولا إيماني ما استمرت الحياة "

رباعية كاسحة لا قبل للجبال الراسيات من صدّ جيوشها الزاحفة  و ثني سيرها الحثيث ..هدوء تدثّر بشالات الإحساس الجياش المرهف .. وحنان دفاق كشلالات هادرة تمدّ النفوس بالدفء ..إحساس ممتدّ حبله روح أنثى يداعب نبض قلب حيّ يتغنّى بالفضيلة و الإنسانية .. و أخيرا إيمان راسخ ثابت لا يتبدّل ..يسير مع الحياة سيرا مضطردا لا نكوص فيه  و لا تردّد.. مبادئ إنسانية خالدة تجمع و لا تفرّق..تبني  و لا تهدّم ..تبشّر و لا تنفر ..تحبّ و لا تكره ..تعطي و لا تأخذ ..في ظل سلام إنساني أبدي  . 

الجزائر في 27.01.2021

35.                    قراءة في قصيدة"قلتِ .. وقالوا " للشّاعرة التونسية  مفيدة السياري

المرأة العربية بين نسيان الذّات و نكران المجتمع

          الحوار النّاجح فنّ من فنون التعامل مع الطبيعة البشرية سلبا و إيجابا و وفق علاقات ثلاث .. علاقة الانسان بربّه و علاقته بنفسه و علاقته بغيره ماديا كان أو معنويا ..يهدف أساسا لإذابة فطع الجليد المتراكمة بين المتحاورين تقريبا لوجهات النظر و تقليلا للصراعات النّاجمة عن القناعات و التوجّهات ..  و في حوارية هادئة تعقد شاعرتنا مفيدة السياري جلسة حوار بينها و بين نفسها سالكة مجموعة من خصائص الحوار من تحديد دقيق لموضوع الحوار فلا هو بالضيّق فيترك و لا هو بالواسع فتتميّع الفكرة  فيه                و تضمحلّ و اعتمدت فيه على عاطفة  أنثوية جياشة و إخلاص فياض مغر ، و تواضع جمّ و التزام واع مسؤول بنبل الرسالة التي تنشد تبليغها.

        و يتطلّب مثل هذا الحوار النّاجع توظيف جملة من المهارات اللفظية و النّفسية و كمّا هائلا من القيّم الفاضلة و حضورا ذهنيّا لافتا مؤثرا  .. و بركوب صهوة الضمير الغائب "هي" و "هم" توسم عنوانها  "" قلت ..و قالوا " لاغية بذلك ذاتيتها و أنانيتها كإعلان أوليّ مبدئي عن التزامها بالحقيقة و ليس غير الحقيقة ..و هذا يعدّ منها التزام أخلاقي  لما سيؤول إليه هذا الحوار القائم بين هي و هم و هذا ملمح آخر يتضمنّه العنوان مفاده إعطاء مصداقية أكبر لهذا الحوار البنّاء .. فما الذي قالت ؟ و ما الذي قالوا ؟..هي وحيدة فريدة إلاّ من حججها و قناعاتها و هم مجتمعون متضامنون ؛ فلمن تكون الغلبة لها أم لهم ؟

عنوان القصيدة الحوارية : " قلتِ .. وقالوا "

آثرت الشّاعرة أن تتقمّص شخصية الطرف الثاني كناطقة رسمية مفوّضة و دون انتظار تقحم القارئ إقحاما و تدخله مباشرة في صلب الموضوع .

و بحيلة نفسية ذكيّة  موظّفة مهارة الإيحاء تجيب عن سؤال افتراضي بينها و بين ناطقتها الرسمية ..و هذا أسلوب استهلالي ساحر للدلالة على أهمية هذا الحوار و مدخلاته و مخرجاته و بأنّه حوار متجذر قديم متجدّد.. عجبا لها تسأل ثم تجيب نفسها بنفسها و هذه رسالة تعليمية قويّة تذكرنا بقول رسول الله "هذا جبريل جاء ليعلّمكم دينكم" حين تعجّب الصحابة من ذلك الرجل ذي الوجه الصبيح الذي لا يرى عليه أثر السّفر حين كان يسأل الحبيب ثم يجيب ... و عبر تساؤلات كبرى تقيم المرأة الحجة و البرهان على نكران المجتمع لرسالتها المفصلية في بناء المجتمع و الأسرة و الفرد .

1.     التساؤل الأول : البدايات

.. _وماذا قلتِ لهم حين عادوا؟

_لاشيء...

من خلال إجابة الناطقة الرسمية دار حديث مسهب بينها و بينهم عند عودتهم من وظائفهم و أعمالهم تشعر فيه عدم رضاها بمدخلات الحوار و مخرجاته و حزنها مّرها الشديد من إجاباتهم الصادمة  ..و هذا ما حمل الشاعرة تصدير نصها بسؤال استفهامي "و ماذا " و انتهاجها للأسلوب الإنشائي في صورة استفهام الذي لا يحتمل صدقا و لا كذبا دلالة على استغناءها عن إجابتهم ..

فما استفهامها بهدف معرفة حقيقة مشاعرهم و مواقفهم من المرأة و إنما هو من باب الاستفهام البلاغي الذي لا يتطلب أصلا جوابا شافيا كافيا و إنّما يُأتى به من أجل تحقيق أغراض بلاغيّة كالتّشويق و التعجّب و التهكّم  و السّخرية كما هو واضح من إجابتها التهكمية الساخرة " لا شيء" محاولة منها إعطاء حوارها مزيدا من المصداقية و التأثير و الإقناع و الحركية و لا يخفى هذا الأسلوب البلاغي على أهل اللغة و الأدب و يفهم  هذا الأسلوب البلاغي من خلال السياق العام للكلام ... و بعد لفت انتباههم و انتباه القارئ  تنهال عليهم بجملة من القرائن و الشواهد لتنسف أعمدة عرش "لا شيء" .. و عبر زخات عاطفية مؤثرة تخاطب في الرجل وجدانه و عقله تدلي ببعض منتجات مخزونها الأنثوي ..

الزخّة الأولى :

ضمدتُّ جراحهم من التطواف

نزعتُ شوكَهم... دثّرتهم بودادي

وألبستهم فؤادي

ثم تركتُهم ومضيت.

لاشيء...

تفصح الشاعرة عن الزخّة الأولى من عطاءاتها و نضالاتها كامرأة تشغل حيّزا معلوما و حساسا في نسيج المجتمع الإنساني و تستلّ منها مشهدا يصوّر لقطات من عاطفتها الجيّاشة و حنانها المتدفق  متجسدا في سلوكيات أمّ أو أخت أو موظفة تشغل وظيفة ما أو ثائرة  و كيف  كانت  تستقبل الرجل أبوها أو أخوها أو زميلها تضمدّ جراحات نفسيته النّازفة و تمدّه بجرعات أمل جديدة و تسبغ عليه بفيوضات حبّها المتدفق .. تنزع عن طريقهم الأشواك حتى لا يتأذوا و تغطيهم بستر ودادها الدافئ دون أن تنتظر منهم مقابلا أو شكرا أو مديحا ..فقط عطاء مستمر و لا أخذ منتظر " ثم تركتُهم ومضيت" ..أكلّ هذا العطاء الحاتمي قد عميت عليه أنفسكم و طمست بصائركم على تلمّسه و رؤيته فلا تبصروه و تواصلون عنادكم و إصراركم على  موقفكم المخزي منّي " لا شيء" إجابة قطعت قول كلّ محتج مكابر .."لا شيء" تهكمّ و سخرية منها و كأنّها تقول لهم أتنكرون الشمس في هاجرة النّهار ..ويحكم أفلا تبصرون .

الزخّة الثانية :

ملأت قناديلهم المعتمة بالزّيت

وذبحتُ لهم آخر خيط بوح،

ثم... تواريت

لم يعودوا كما رحلوا... ولم أبق كما تركوني

فعند رحيلهم تأذّيت..

لا شيء...

و بصورّ تشبيهية و استعارات مكنية و تصريحية  بديعة مرهفة تتواصل زخّات غيماتها الحبلى و كأنّها تعاتبهم أو تذكّرهم بأحسن لفظ و أرق معنى و أصدق شعور ..كم مرّة خارت قواهم و تلبّدت سماء أرواحهم           و أقبلت عليهم سحب مظلمة من اليأس و التذمر فكانت لهم المنقذ المخلّص و هرعت تملأ قناديلهم بزيوت الحبّ و الحنان و التشجيع فعادوا لطريقهم مبصرين و لهممهم يركبون و لأهدافهم يعملون               و يجتهدون ...

كم مرّة جادت عليهم بكرمها الحاتمي فآثرتهم بآخر ما تملك من خيوط البوح الرقيق مستغنية عن الكنانة و ما فيها و هي في أمسّ الحاجة إليها ثمّ تتوارى عن الأنظار و تختفي و كأنّها لم تكن موجودة أصلا دون انتظار لثناء أو ظفر بغنيمة أو نيل لمصلحة ..و لكنّهم في كلّ مرّة يقابلون عطاءاتها الكبيرة و تضحياتها  الجسيمة بالنكران و الصدّ و الهجران و بكثير من العناد ..ونفس الصورة المحزنة القاتمة تتجدّد عند عودتهم إلى الديّار سالمين غانمين ... يعودون و قد تغيّرت أخلاقهم و تبدلت أحوالهم و لكنّني من شدة ما بذلت و ضحيت أراني  أنا كذلك قد تغيّرت و ضعفت و استهلكت  الكثير الكثير من طاقتي و نشاطي  و عطاءاتي...

أكلّ هذا الذي يرونه رأي العين من حالي قبل و بعد رحيلهم و مجيئهم ثمّ  يمرون عليه مرّ الكرام .."لا شيء" تعلنها بسخرية و كثير من الحسرة و التذمر ...لا حدث ..لا التفاتة ..لا اعتراف و لا شكر .

في هذا المقطع التّالي  تورد بعض الدلائل المادية و المعنوية  الأخرى لرسالة المرأة و تأثيرها على مجريات الحياة و جزئياتها و بأنّها رقم فاعل  في رقعة شطرنج المجتمع الإنساني إن على مستوى الأفراد أو المجتمعات أو الحكومات  ..

تغيرتْ أشياء في أطلال البيت

أصبحتْ أكثرَ خرابًا

لكن حين قوّضَها الرحيلُ،

بان نورٌ من ركام أحجاري القديمة

وبانت روحهم ...

من تحت الغبار غريبةً عني.

تاذّوا. . هذه المرة

رغم وجعي عليهم ، ها قد تعافيت!!

لا شيء..

و تبقى عاطفة المرأة و حنانها الدافق بوصلة الحياة و علامة فارقة في رقيّ و انحطاط الأسر و الجماعات ..فإقصاؤها عن رسالتها في الحياة و العمل على إبعادها من دواليبها مؤذن بخراب الدول و الجماعات فبدونها  تتحول الأشياء إلى أطلال مهملة هنا و هناك و يطال بعضها الخراب و النسيان و يصبح الرّحيل حصادهم المرّ ..و لولا بعض نقاط النّور المشعّة من جنبات روحي المركومة تحت أطلال الأتربة و الهاربة من سراديب الظلمات تهدي حيرتهم و ترتق رحيلهم لهلكوا و قضوا ..فبرغم نكرانهم الشديد  و تجاهلهم المقيت لا زلت أحنّ عليهم و أتوجع من تأذيهم ؛ فعافيتي في عافيتهم و العكس صحيح ...

أكلّ هذا و لم يدركوا بعد قيمة وجودي و تضحياتي " لا شيء "  ..؟

الزخّة الثالثة :

أشعلتُ نار سمرٍ، خمدتْ بعد ليالي البِعاد

آويتُهم من صمتهم

ورتّلنا معا أحاديث البلد الحارقة

واعددتُ لهم فناجين الحروف الثورية

ولما استووا كأبهى ما يكون العزف فينا،

نادوا الجفون الناعسة على الرفوف،

لتراقص الأنس فيهم بشهد الليالي العابرة.

كنت حينها... جَزْرًا بلا مدّ

بلا ظلهم، بلا وداعهم...

أومأت للفجر.... و مشيت

و ها هي شاعرتنا تستحضر التاريخ و التراث و على عادة   العرب تشعل نار السمّر في ليلهم الطويل الحزين  برغم جراحاتها النازفة المتقرّحة لتعيد الحكاية من جديد و تنسج شالاتها الدافئة  ..لتعيد حكايات عادة ألف ليلة و ليلة ..تلم شعثهم و تدندن على وتر الحكايا  و تأويهم في مسكن دفئها و حنانها من جديد ..تكسر جدار صمتهم  ..تعدّ لهم قهوة ساخنة على أنغام موسيقى ثورية منتفضة ..تحثّهم على النهوض من جديد و تدفعهم إلى الحركة و المضيّ نحو أهدافهم المشروعة ..و هذه إشارة قويّة لمشاركة المرأة أخيها الرجل ربيع ثورتهم و وقوفها جنبا لجنب في مواجهة الخطر الداهم  و الموت المحدق بهم ..

و لمّا تحققت آمالهم و اشتدّت  عيدانهم و أورقت أشجارهم و أثقلت قطافهم مضوا ليراقصوا نصرهم       و يحيوا أعيادهم من دوني لأحكي صورة  جزر  بلا مدّ كدلالة على الهوة الكبيرة بينها و بينهم ..مهملة      و مهمشة و محطمة ..و عند أول ومضة للفجر الصادق بعد أحداث ليل دامية صاخبة أومأتْ للفجر معلنة رحيلها و اختفائها مرّة أخرى  من نهارهم الزاحف .. في هذا المقطع أشركت الشاعرة القارئ في دواليب مأساتها الإنسانية تاركة له المجال و كامل الحرية في الحكم و القرار ليجد لسانه يتمم " لا شيء" حاكيا لسان حالها ..

بعد هذ الصور الدرامية المتلاحقة تطلق الشاعرة تساؤلها الثاني لتزيح الستار و تميط اللثام  عن بعض مشاهد المآلات و النهايات التي آلت إليها رحلتها المصيرية  ..

2.     التساؤل الثاني : النّهايات و المآلات

و ماذا قالوا لكَ حين رحلت؟

_الكثيرَ...

تسأل نفسها و تجيب ..أسلوب تعليمي مؤثر ..و قد أرهفت سمعها لتتلقّف بتوق و شغف كبيرين  إجابتهم فلعلّ قلوبهم ترقّ لها و تشفع لها أعمالها الجليلة و تضحياتها الكبيرة  ؛ فلعل و ؟ ...و لكنهم قد  قالوا الكثير ..

قالوا لم يتفاجؤوا بهذا التغيير

أوجعهم ... شرخُ وجعك..

بعد الغياب،

أخذهم رمل السراب. .

إلى دروب قديمة

عبثا كان... فقد صدّتهم كل الأبواب.

وهذا الأواب ،خاتمة المسير.

و للمرّة الألف لا تصدمها إجاباتهم الجاحدة المنكرة .. فعيونهم مطموسة عن رؤية شرخ و صدع وجعها  الممتدّ بله ملاحظتهم و التفاتتهم  لغيابها عنهم فهم في لهوهم يتقلّبون و لرمل السراب يسعون و يحصدون .. المساكين سيعودون لحالتهم القديمة و يتقهقرون من جديد فهي نصفهم الغائب و نبض قلوبهم المبعد ..فحينما  تصدّهم الأبواب  و تغلّق الأقفال و تحول بينهم و بين آمالهم  يكون  مصيرهم قد تحدّد و خاتمة مسيرتهم أوشكت على  نهاية سفرهم و حصاد إيابهم الأخير..

و تركت للقارئ أن يتخيّل حجم حسراتهم و ضخامة ندامتهم و حصاد سرابهم المزعوم ..   و لات حين ندم ..  و عبرّت عن ذلك المشهد الختامي الكئيب حين قالت :

قالوا الكثير...

قالوا... مازالوا على العهد كما كانوا

ومازالوا يذكرون الندوب الأليمة

أوجعوك.. لكن وجعك كان الأخير

وكان عميقا .... كوشم أمازيغي

كأجراس الروح تولول. .. كالتميمة

في مسامات الصخر المنسي،

او.. كرسم خرافي.

حينما تهبّ الرّياح العقيمة...

خببٌ عزفُه والحافرُ على صهوة الليل، يغني.

كم جميلا أن يحملوها حين استكانوا ،

بعد أن احرقتِ مراكب الصفح!!

      حصاد مرّ و ندم صاخب  حين يقفون على حجم خسائرهم الفظيعة و الأفظع منه و الأشنع خسارتهم لتلك المرأة التي كانت ترّقّع هزائمهم و تمدّهم بالأمل و التحدّي  و تقوّي هممهم الخائرة و تذكي عزائهم المنخورة المتهاوية ..حينها يتذكرون ذلك القلب النابض و الذرع الحامي فيلتفتون فلا يرون إلاّ بعض الآثار المتبقية مرمية هنا           و هناك ..بعض التمائم المحروقة و الرسومات المنسية على شواهد صخور هدّتها بعض الرياح العقيمة  و  أثار وشم أمازيغي هارب يغنّي على وقع خبب خيل مرسلة..

3.     الخاتمة:

تعتقد الشاعرة بأنّها بلّغت و بأمانة بل و بالغت في تبيان رسالتها لكنها تستدرك لتؤكدّ على تعنت الأخرين   و عنادهم الشديد و جدالهم الكبير في الردّ على حججها الدامغة و شواهدها القاطعة.

قلتِ الكثير...... لكنهم قالوا.... وقالوا.. وقالوا..

سلكت الشاعرة في هذا النّص الأسلوب الحجاجي لتقيم البيّنة على المجتمع و أفراده و بأنّها سعت للنصح و عملت ما في وسعها لإقناع أفراد المجتمع الإنساني المقصود و التّأثير عليهم بما أتيح لها من عواطف   و دلائل و قرائن و حجج  و أساليب بلاغية و بذلك تكون قد أخرجت آخر أوراقها الرابحة تبرئة لذمتها   و تنفيذا لرسالتها المقدسة كأنثى عموما  و أمّ على وجه الخصوص.. و يبقى القرار النهائي بيد  الرجال و هم يتحملون نتائج خياراتهم المتخذة ..فالشاعرة تؤثر في نهاية المطاف الانسحاب برفق    و صمت  و هدوء عن هذا العالم الذكوري لتيقنها من انقطاع  سبل  الحوار بينها       و بينهم  بعد احتراق سفن الصفح    بتعبيرها و تهاوي أشرعة التواصل المشرعة

.

الجزائر في 27.01.2021

 

36.                    حفر و تنقيب في قصيدة " سلام " للشاعر المغربي عبد الرحمن بوطيب

المعلومة قيمة حقيقية تكسب قوّتها ومصداقيتها من خلال مرورها عبر آليات وبرمجيات تمحيصية لا عاطفة فيها ولا محاباة.. وترتقي هذه المعلومة عموديا لتصبح خبرة علمية مسلّم بها تعتمد في وضع الاستراتيجيات والخطط والسياسات والبدائل.. ولا يقف بها الحال عند هذا الأفق العالي بل تتعداه إلى مساحة أرحب وأعمق وأعلى.. للتربّع المعلومة على عرش الحكمة.. فالحكمة  باختصار تعني وضع الأمور في نصابها في اللحظة المناسبة و بالقدر المناسب و للشخص المناسب .

و الحكمة من وجهة النظر الحياتية إنّما هي تزاوج مشروع و مبارك بين الجانب المعرفي الأكاديمي للشخص حول موضوع ما و خبراته العملية المكتسبة من مسيرته الميدانية في الحياة و مخالطته لتفاصيلها و حيثياتها و تقاطعاتها و حاصل هذا الزواج هو ما يصطلح عليه  بالمعرفة و مجموع المعارف المتراكمة  ينتج لنا الحكمة في أسمى معانيها و في أبهى صورها.. و قصيدة " سلام " للشاعر المغربي عبد الرحمن بوطيب تنحو هذا النحو و تفرغ منتوجاتها و خبراتها للأجيال بألفاظ منتخبة مختارة و معاني شريفة أخاذة .. و اختار شاعرنا قطار الشعر الحديث النثري ليستضيفنا على عادة الشعراء الكبار و المخضرمين ، و ما قصيدة زهير بن أبي سلمة عنّا ببعيد ..

سئمت تكاليف الحياة و من يعشْ  ** ثمانين حولا لا أبَ لهُ يسأمِ

 " سلام" عنوان و نتاج خبرته الطويلة في معامع الحياة و تناقضاتها .. سلام شامل أبديّ شعاره الجديد يطلقه في آذان الزمان و المكان و الإنسان ..و لعلّه استحضر ردّ سيدنا إبراهيم على الملائكة على سلامهم و الذي كان أبلغ من سلامهم و أشمل  " قالوا سلاما قال سلامٌ" هم خصصوا فنصبوا "سلاما " و هم مأمورون و هو  عليه السلام عمّم فرفع "سلام " فكانت إجابته أبلغ و تسعهم و تسع من يأتي قبلهم كما أنّها لا يحتويها زمن معين و لا تخص خلقا محدّدين معلومين ...فانظر إلى الفارق بين السلامين ...و لعلّ تفاصيل القصيدة سيزيح الأستار عن هذا الملمح الإنساني المتميّز الراقي؛ كما أنّ السلام من أسماء الله الحسنى و شاعرنا عبد الرحمن بوطيب يغرف من هذا المعين الثّر و يتشرّف بالعمل بمقتضى معاني هذا الاسم العظيم الذي وضعه الله  في أرضه للأنام ..و هذا ملمح ثاني عجيب دقيق ..و يبقى العنوان يضمّ في ثناياه أسرارا و نفائس  لمن أراد الاستزادة و حالفه التوفيق ..و قد جنح الشاعر إلى اختيار    و اعتماد هذا العنوان بالنّظر إلى خبراته الطويلة في معايشة الحياة و التي بلغت السبعين       و ما تراكم عنده من تجارب و أحكام و تفاصيل .. هذا ما توحي به النّظرة الأولى العابرة لعنوان القصيدة النكرة  ..

 

 

هذي السبعون منك بك اليوم غداً أقبلت

أمس الآن منك حروف أدبرت

     ضمّ  هذا المقطع القصير الزمان بأقسامه الثلاثة ..فالسّنوات "السّبعون " إشارة إلى الماضي التّليد و "اليوم" و "الآن" إشارة إلى الحاضر القريب و" غدا " إشارة إلى المستقبل البعيد و ما الحروف فيها إلا عمره الثلاثيّ الأبعاد المنقضي و الآني و التّالي ..

ما يلفت الانتباه جنوح الشاعر لاستخدام أداة الاستفهام "ما" التي تستعمل لغير العاقل و قد تكرّرت في نصه الشعري النّثري تسعة عشر مرّة و ما ورودها بهذا العدد الكبير إلاّ دلالة على أمرين:

1.     خروجه من هذه السنوات السبعين بخفي حنين إذ لم يصل بعد إلى إجابات شافيّة عن الكثير من المسائل العالقة في ذهنه و مخيّلته .

2.     حجم معاناته النّفسية الكبيرة و تحمّله لعبء تلك والتساؤلات الكبرى المؤرقة     والهواجس  المنغّصة طيلة  السنوات السبعين المنصرمة.

 

و بلغة مباشرة و بتشكيل أفقي للكلمات يطبق حزمته الأولى من التساؤلات دون استخدامه لأدوات الاستفهام إشارة إلى الكم الهائل من التساؤلات المعلّقة في ذهنية الشّاعر تنتظر ساعة تحررها و لقاء محبوبتها المنتظرة .. ونجده قد وظّف أربع مقاربات في قصيدته كدلالة على زئبقية المنهج الذي سيوظفه في محاولته للإجابة عن تلك التساؤلات ..مقاربة الانزياح ..مقاربة الخيالات و الأحلام ومقاربة  الأساطير و الخرافات و أخيرا مقاربة الزحافات،           و بجمع هذه المقاربات الأربع  يقحمنا الشاعر للدخول في عالمه مباشرة أو بالأحرى عوالمه الخاصة بعد تجربته الطويلة في الحياة نسبيا .

وما انتهاجه لهذا المنهج إلاّ  لتأثره  الواضح بمنهج الحداثة الغربي و خاصة المدرسة الفرنسية من جهة و جعل نصه مفتوح على مصارعه متضمّن  لأكبر عدد من المعاني الممكنة والمحتملة و المولّدة .. و اعتمد تشكيلا معينا و توزيعا خاصا لمقاطع حروفه للدلالة على التزامه الحرفي بمنهج الحداثة الغربي.

و بعد  فهذه ملاحظات محورية و مفصلية  بين يدي النص الشعري تعد ّبمثابة مفاتح ضرورية لفك شفرات هذا النّص الحافل الجموح.

النّص من النوع الذي يعتمد الوحدة الموضوعية و يدور رحاها في فشل الشاعر بعد هذه السنوات السبعين من وضع قدمه على عتبات الحقيقة الكونية الكبرى التي ستجيب على فيض تساؤلاته و اعتماد الوحدة الموضوعية يجعل من الصعب تقسيم القصيدة إلى مقاطع محدّدة تضمّ أفكارا جزئية لحقيقة كليّة واحدة .. لذا فالتقسيم المعتمد منهجيا فقط و للضرورة ليس إلاّ.

المقطع الأول:

         ما الحروف

         ما الزفرات

         ما السطور

   ما تلك منك  انزياحات

يمتطي الشاعر صهوة الانزياح كاختيار حر و واع لأسلوب  و طريقة حياته المعتمدة لقناعته المبدئية بتعدّد الرؤى  و اختلاف  التّوجّهات ..أسلوب يعدّه وسيلة موصلة و ناجعة لتحقيق الفرد لأهدافه المأمولة و غاياته المنشودة .. و ارتياد هذا الأسلوب في بسط رؤيته الخاصة يجعله ينفتح على عوالم جديدة من الدّال و المدلول مع ما يطالها  أو يصيبها من تحريف و إطاحة و عصيان و خرق للسنن و انتهاك و انحراف و مخالفة و اختلاف و تجاوز و هذا من مقتضيات ظاهرة الانزياح أو مقاربة الانزياح كما سبق ذكر ذلك ..فقد يورد لفظا معيّنا و يرد به معنى محددا و ربما يورده في النص و لكن بمعنى ثان و ثالث و رابع و هذا النص الذي بين أيدينا أنمودجا صادقا و عمليا . و الشاعر يخلق لنفسه فضاءات واسعة من التّحرّر من القيود الموروثة المفروضة مع تعمّد خلخلة المعنى أي المدلول و تشويه بعض ملامحه سيرا مع فكرته و قناعته ..فالحروف تارة تمثل عنده السنوات و تارة أخرى الوطن و ثالثة الرضيع و هكذا دواليك ..و إذا حاولنا تفعيل عملية الإسقاط على الحروف و الزفرات و السّطور وجدناها تقابل مثلا سنوات العمر (ساعات /أياما/ سنوات)و إذا ما أمعنّا النظر أكثر تولّدت لنا معان أخرى فالحروف محطّات مسيرة حياته بعددها المعلوم و بتشكيلها و تغيير مواضعها  تنتج صيغا جديدة كدلالة على تغيّر الحال و ما الزّفرات فيها إلا كناية على مصاعب الحياة و مصائبها من باب التعبير بالجز على الكل ..و السطور فيها إلا علامات فارقة للأفراح و الأحزان التي تركت آثارها في جدارية وجدانه و حفرت بعيد فيه ...و هكذا لو أردنا لها معاني أخرة فإنها  لا محالة ستتسع و تمتد و تستطيل ... و تسير مقاطع القصيدة في هذا الاتجاه العام المضطرد ..

ما الأحلام كانت ما تحققت   

                ولو في خيالات

و في طريق انزياحاته يغير راحلته ليمتطي متن مقاربة الأحلام و الخيالات إذ يعدها و سيلة أخرى للتحرر من ضغط الواقع  و إكراهات الموروث ففيها العزاء و السلوان لألوان انكساراته و تعثراته و خيباته ...

وترتمي في حضن جب حب

              تحرق المسافات

  تحرقك

وذا السفين يغازل منك السر الدفين

           ما ترتوي دنان

ما يركب البحرَ سطحُ قمر  

                 أحمر

    كان لك

ما ترقص فينوس في خوابيك

               والقصيدة

   وتلك روما رمادُ عنقاء

         يمامةٌ زرقاء

        وخلف الغاب غاب

ما فتحت منه الزرقاء اليمامة بعضَ أبواب

             أيأتي الغياب

 أترحل تترك الصحاب

و في هذا المقطع يستحضر التاريخ ليتخيل نفسه يوسف الفتى المفتري عليه لتكون عاقبته قعر البئر المعتمة الموحشة ...و عبر مقاربة الأسطورة و الخرافات يهرع إلى حضن  آلهة لاتينية رومانية و أخرى عربية فرعونية و حتى يهودية على طريقة السياب و شعراء الحداثة  ...

و من شدّة ظمأ شاعرنا لخمر دنان الحقيقة يختار الرحلة في التاريخ و عبر الاتجاهات الأربعة و على طريقة استحضار الألهة و الأرواح ..

" فينوس" ألهة الحبّ و الجمال و "سربروس" الكلب الذي قتل تموز الإله و "زع" آلهة الشمس عند المصريين القدامى و بوسيدون ابن الجبارين و "مايا"  باللغة العبرية إله الربيع  عند اليونانيين و "باخوس" إله الخمر و حتى "الشابل" و هو نوع من الأسماك  و "زرقاء اليمامة" و "السندباد البحري" و كل هذه الآلهة الخرافية و الشخصيات الأسطورية استدعاها و ترجّاها لتجيب عن تساؤلاته العالقة و لكن لا مجيب ....

 

 

              قف

    تمهل

    هذي الحروف ما هي لك

    إن هي إلا لوطن ورضيع

    رضيعٍ يشوي ظهر صقيع

قد جاء في أخبار الأولين الذاهبين في معارج الذهاب

      ها سندبادكم قد عاد

       لا البغلة معه تحبل بسربروس يعانق أنياب "رع"    

              وشعاع

يمشي على أرض ما كان يوماً معها في أعالي سماء

     "بوسيدون" هو ثائر

ومن "غرب متوسط" رذاذ

      "مايا" كسرت نايات

 "باخوس" فقد وتينَ رغاف

 

المقطع الثاني :

و لم يكتف الشاعر باستدعاء الألهة و الشخصيات الأسطورية بل خال نفسه راعيا خراف  في سفرية طويلة  على بلاد العرب عبر أطلسه المغرب مرتديا  جبّة صوفية زرقاء  و قد أثقله الهرم و هدّت قواه مطرقة الشيخوخة  يتهادى و بين يديه صحائف عذراء و أفكار وليدة غضة طريّة و تقرحات عذابات نازفة ..قاطعا مسافات و عابرا بلدن مصر بنيلها و برديها و العراق بدجلته و فراته باحثا عن مستقر لحيرة تساؤلاته التي هرم و أصابه الهوان و الرعشة و لمّا يقف بعد عند عتبات الحقيقة المتوارية ..

وهذا الشاعر بين نعاج ضعاف

        يسافر

                     في جبة شيخ

  يعلو صدرَ أطلس وعذاب

  تتهادى من صحائفه سطور   

            عذروات

   وألوان عذابات

  وفي القلب رعشة قديمة

       قُبلة كانت قِبلة بليلة

  أهداها وردة حمراء

رعشتُه الشقراء ولدت له منه  

           درعةَ

           سبو

           أمَّ الربيع

           بردى

           النيلَ

           دجلةَ

           وذاك البهيَّ الفرات

وما الشابل عاش في حضنك 

المقطع  الثالث:

و هذا المقطع تتمّة و نتيجة لرحلته الطويلة الشاقة يعلن فيه الشاعر مخاطبا وطنه الذي يحلم به و عبر امتطائه لقطار الزحاف المناسب للسياق العام الذي تنحوه القصيدة يشتكي كثرة التغييرات و العلل التي أصابت وطنه الكبير من زيادة و نقصان و تسكين قياسا على مفهوم الزحاف في الكتابة العروضية و البحر الخليلي ..

رحلته تلك جعلته يقف على حقيقة وطنه المشرد و المجزأ .. و في هذه المقاربة يعكس التشرد و الانقسام و العداوات التي فتكت بالعالم العربي من الماء إلى الماء...فلا الأوتاد و لا الأسباب بقت على حالها و اختمت تلك الخيام التي كانت تزينها و أصابتها العلل و طالها الخراب و الفساد ..

        يا

                وطني

      رحل إلى جب قصيد

  وذا شاعركم نفسَه يعيد

      يحلم لكم بفجر وليد

هيهات

             هيهات

                         هيهات

أنّى للجنين من سطورٍ على خدود الكواعب تميد

          قالت العرافة

   قرأها الفنجان من شاعر  

                وخرافة

    هو اليومَ ديوانُ عيد

    زحافاتٌ

    عللٌ

    أسبابٌ

    أوتاد تروح تجيء

    تعيد

    هو الذهاب الإياب

          كَرّةً يعيد

وما السحاب من جبين عرعار    

          ديمةٌ تتقطر

  ما الحروف حروف

  ما الدواوين دفوف

المقطع الرابع :

و هاهي الديّار مقفرة مهجورة ، موحشة صامتة ..فلا هزار يصدح و لا ديار تأوي أرواحا   و أنفاسا كانت تملأ باحاتها و غرفها و لم يتق إلاّ أطلال كهوف مهجورة ترجع صدى الريح و آثار أوتار قيتارة مقطوعة الأوصال و قد أوشكت السبعين سنة على الرحيل و لا يزال الحال هو الحال...

 

                      سكت الهزار

        نامت أنامٌ من أهل دار

      وتلك الكهوف صفوف

          

   تمزقت منها أوتار

وهذي الثواني السبعون ترحل

    ومن شاعر تبقى حروف

ألوان عذابات فيك يا وطني    

                          تطوف

المقطع  الخامس و الأخير:

ليصل بنا قطار العمر السريع إلى آخر محطّة من رحلة حثيثة بأعوامها السبعين فيجد الشاعر نفسه على كرسيّ الانتظار من جديد ينتظر عيد ميلاده الواحد و السبعين و لكن على طريقة المتنبي ..عيد بأي حال عدت يا عيد فدار عبلة على حالها ..

     هي الحروف

        سبعون

زحافاتٌ على سطح قمر أحمر تهدي للعيد قبلةَ أطلس جديد

             أسد يزأر

    من الليل اَلْلَيَّلَ يثأر

                           ويعيد

  في انتظار عيد ما هو بَعيد

و تبقى العلل و و الزحافات سيّدة الموقف و يبقى بصيص من الأمل يراوض شاعرنا الحالم و بين مطرقة الانتظار و قسوة الواقع و سيف الانتظار و انزياحات الدال و المدلول يسدل الستّار على مشاهد حزينة كئيبة كان بطلها وطن يغرق و شاعر شاهد ..

بولمدايس عبد المالك

الجزائر في 31.01.2021

 

 


تعليقات