سرد خافض رافع مع الشاعرة المصرية هدى عز الدين محمد محمد

 سرد خافض رافع مع الشاعرة المصرية هدى عز الدين محمد محمد



العنوان : حصادُ الخريف

             من المعلوم بداهة أنّ للحصاد وقتا خاصا و في غالب الأحيان  يكون في فصل الصيف و لكن في نثرية شاعرتنا يتقدّم بفصلين مستعليا على  فصل الشتاء و الخريف مجتمعيْن و بذلك يخالف السنن الكونية الغلابة ..فما السرّ في ذلك و ما هي الرسائل التي تريد شاعرتنا أن تبعث بها إلينا ...و هل الخريف غلة من الغلال التي يمكن للبشر حصادها و هذا ملمح آخر بديع ..مثل هذا الإغراء المقصود من الناثرة يدفعنا دفعا و يجرنا جرّا لاستكشاف خفاياه و أسراره ..و هذا من براعة الاستهلال.

فكرة النّص التي يعالجها هذا السّرد المحبك بدقة و عناية تتمثّل في جدلية الذكورة و الأنوثة و تقاطعاتها المختلفة و ما يدخل ضكن هذا المعجم من رجولة و غواية و شهوة و ذل و احتقار و استغلال و كثير من المفردات التي حفل بها النّص ...

الناثرة تريد أن يرى الرجل بعيون عقله لا بشهوة نفسه الملتهبة ..تريد منه أن ينظر إلى المرأة كإنسانة لها روح حالمة و طموح مشروع و نظرة متبصرة للحياة و للوجود و أن يكفّ  هذا الذي يدعي الرجولة بالتباهي و التفاخر أمام أقرانه بقدرته الفائقة و العجيبة على فض البكار ...و تلك رسالة قويّة جدا منها إلى أخيها الرّجل الأناني الشهوانيّ ..

و عمدت الناثرة هدى إلى توظيف رؤية يوسف عليه السّلام لتمرّر رسالة ثانية و أنّه مهما طال ليل الذل و الاحتقار فإنّ الصبح لا محالة سيشرق و يبزغ الأمل المنتظر أين تتحقق فكرة الرجال شقائق النساء و تنتهي مأساة الأنثى الشهوة ..الأنثى الغواية ..الأنثى السمر و المتعة .. "  تغرسُ العقمَ في بذورٍ عجاف، ليحصدَ الخريفُ ثمارَ الخصوبةِ "..

و هناك ملمح استشرافي آخر تختم بها سردها الماتع الصادم و هو أنّه على المرأة الأنثى أن تواجه واقعها بكل حزم و جديّة و أن لا تستسلم لشهوة الذكورة المنفلة و تتحرر من بطشة الذكر التي لا تعرف الرّحمة إلا التمادي في الاشتهاء و التمتع و الإذلال حيث تقول " وتجري المسافاتُ تسابقُ الخزيَ فيكتبُ الشعرُ  قصائدَهُ بمجازِ الخوفِ حتى يغرقَ الحياء." فهي دعوة صريحة لتمرّد الأنثى من سلطة الذكر ..

و في النّص رسائل مكثّفة مشفرّة و صريحة تختفي وراء سرديات جميلة و لكنها تخفي السم في العسل ..

 و ختاما فنحن أمام سرد مدهش و كاشف و فاضح ..و تصوير فنّي بديع حيث تكثر الصور الوجدانية الطافحة بالمكنونات و التشبيهات و الألواح الفنية الفائقة الجمال و البهاء .. و تعمد الناثرة إلى امتطاء صهوة الانزياح و التّخفي وراء ألفاظ جامحة كنوع من أنواع الهروب أو التأويل و هو إرادة معنى غير ظاهر اللفظ و الجنوح به إلى معاني ثالثة أو ربما رابعة ..

و قد نجحت في ذلك نجاحا كبيرا.

بولمدايس عبد المالك الجزائر في 20.02.2021

 

و إلى القارئ النص الكامل:

حصاد الخريف :

اليقظةُ بعمقِ الجنونِ تمزّقُ أثوابَ الفضيلةِ وماضيها شرفٌ في جيوبِ العهر، وسريرُ الأرقِ أضغاثُ أحلامٍ  يشدّ خصرَهُ بوشاح الجمال يراقصُ الأسرارَ  بجموحٍ ،وذراعُ الأماني مبتورٌ يمسكُ كفَّ الحياة؛  فالحريةُ بأرض الخرابِ رغيفُ عسلٍ مسموم تلدُ النفاقَ تغرسُ العقمَ في بذورٍ عجاف، ليحصدَ الخريفُ ثمارَ الخصوبةِ ويرتشفَ بقعةَ دمٍ تفيضُ من ضفافِ العذريةِ حيث الحبُّ يزرعُ غشاءَهُ البكرُ على صممِ العقولِ  كي تأكلَ النفسُ نايَ الراوي وتجري المسافاتُ تسابقُ الخزيَ فيكتبُ الشعرُ  قصائدَهُ بمجازِ الخوفِ حتى يغرقَ الحياء.

 

 

تعليقات