رأي في الحضارة ...

 


رأي فى الحضارة...



            تختلف آراء العلماء و المفكرين على اختلاف تخصصاتهم الإنسانية و العلمية في تحديد مفهوم دقيق و موحّد للحضارة يكون بمثابة المرجعية الثقة في الحكم على المجتمعات البشرية و العمرانية ...

           و هذا شأن المفاهيم الجامعة  المرنة ، و في ظل هذا التراكم المعرفي الكبير لمفهوم الحضارة هل بالإمكان وضع معيار للحكم يتناسب و أوضاع المجتمعات و ظروفها ؟

بمعنى آخر: هل الحضارة الوافدة على مجتمع ما خيرا محببا أو شرا محتما؟

إنه سؤال جوهري و أساسي بالنظر إلى النتائج المترتبة عليه في استمرار

 أو زوال الأمم و المجتمعات و حتى الحضارات نفسها !!

    و المتأمل في الأجوبة الكثيرة عبر الدورات الحضارية يجلب اهتمامه الطرق المنهجية المتنوعة في ترويض هذا الحصان الجامح المندفع كجلمود صخر حطه السيل من علٍ...

        و السؤال الكبير هو ما موقف الأمة العربية المسلمة من حضارة الآخر "الغرب": الرفض التام و المطلق أم القبول التام و المطلق أم ما بينهما أم ماذا؟

      إن الجواب عن هذا السؤال هو صلب اهتمامات الحضارة العربية الإسلامية

 و كيف تعاملت مع الحضارات التي سبقتها إذ نظرت إليها نظرة المتأمل الناقد

و العارف المتمكن؛ فقبلت منها ما وافق كلياتها العامة و أصولها الكبرى ،

و رفضت منها ما خالف خطها العام و سَمْتها المميّز..

      و بعد و في ظل طوفان العولمة الأهوج و تراجع لأمة العربية الإسلامية عن ريادة الأمم هل باستطاعتها المواجهة و الاستمرار و الثبات من جديد!  

و الجواب بنعم و لكن كيف ؟...          

في لغة النّظم الإعلامية و في لغة علماء الاقتصاد و الأعمال يستعملون مصطلحات خاصة ، علمية و تقنية تسهيلا و تبسيطا لتلك العلوم المعقدة و التي من بينها المدخلات و المخرجات و وحدة المعالجة و المكتشف و غيرها من المصلحات ...

و المعيار الذي نحن  بصدد بنائه يوظف هذا الكم من المصطلحات و يعطيها معنى وظيفيا جديدا إذ لا مشاحاة في الاصطلاح...

فالبيانات هي المنتجات الحضارية الخام الفكرية و الثقافية و الدينية و العلمية

 و الأخلاقية لأمة ما ، و ما المعلومات إلا بيانات خام  خضعت للفحص

 و الدراسة و التحليل و التعديل و الإضافة و الحذف و ذلك بعد مرورها بوحدة المعالجة الرئيسة لتعطينا في النهاية معلومات منظمة و مرتبة و جاهزة للاستفادة منها في اتخاذ القرارات الحاسمة و المواقف المناسبة للحكم على حضارة ما بالقبول أو الرفض أو ما بينهما...

هذه العملية يمكن تمثيلها تقريبا للفهم بهذا الشكل البياني التالي:

ــــالبيانات  ــــ     المدخلات   ــــ      وحدة المعالجة ــــ     المخرجات        المعلومات

 

وعندما نلجأ إلى عملية الإسقاط يمكن الخروج بمعيار دقيق يراعي خصوصيات الأمة المستقبلة من جهة و خصوصيات الأمة المرسِلة من جهة أخرى و هذا بيان لما أجمل :

الأمة العربية المسلمة أمّة تعيش في مجال زماني و حيّز مكاني منفتحيْن على الآخر "الغرب" قابلا للتأثر و التأثير، و بالتالي لا يمكنها الاعتزال و التقوقع على نفسها و إن أرادت ذلك ...

و من ثمّ فالواجب يحتم عليها التعامل الإيجابي مع الأمم الأخرى و الحضارات الغالبة وفق البيان السابق...

فوحدة المعالجة إنما هي ذاتية الأمة العربية المسلمة و شخصيتها المميّزة بمعنى المبادئ الأوليّة و الأصول العامة و المرجعيّات الفكرية العقدية التي تنفرد بها عن الأمم الأخرى؛ و إنّما رُتبت في شكل أدلة و ملفات وفق برامج معينة ، مختلفة و مرنة و هي غير قابلة للحذف و الزيادة و التعديل كونها محروسة بمضادات للفيروسات التي تحاول  الانبثاث داخل نصوصها العامة و كلياتها الكبرى...

و هذا لا يعني الرفض المطلق لحضارة الأخر؛و إنما هو إجراء وقائيّ ضروري لا بدّ منه حفاظا على شخصية الأمة الذاتية و خشية الوقوع في شراك الاحتواء أو الذوبان في ذاتية الآخر...

و وفق الشكل السابق فحضارة الآخر يمكن تمثيلها في صورة بيانات خام و هي ما يعبر عنها بالمنتجات الحضارية الوافدة- ما وافق منها و ما خالف، و ما نفع منها وما ضرّ ! .-

و عبر المدخلات و المتمثلة في وسائل الاتصال و الإعلام المختلفة يتم فحص

 و دراسة تلك المنتجات الحضارية الوافدة سلبا و إيجابا عبر جهاز الفحص

 و المراقبة  " Scanneur " و برامج مضادات الفيروسات و عند التأكد من خلوّ هذه البيانات من الفيروسات المدمّرة يتم إرسالها إلى وحدة المعالجة الرئيسة لتحليلها و نقدها و إخضاع مكوناتها – المنتجات الحضارية – إلى عمليات التّطهير ؛ و بعد ذلك يتمّ إخراجها من جديد في صورة معلومات منظمة و مرتبة و جاهزة للاستغلال و ذلك عبر المخرجات...

و خلال هذه المرحلة الحساسة تتمّ عملية إرسال المعلومات المحروسة إلى أدلة و ملفات وحدة المعالجة الرئيسة لتخزينها بهدف الاستفادة من بنوك معطياتها بما يوافق ذاتية الأمة العربية المسلمة و خصائصها المميّزة ..

ويمكن الآن الخروج بشكل بياني جديد للتفاعل الحضاري اعتمادا على ما تمّ بيانه آنفا:

المنتجات الحضارية ـ المدخلات ــ  وحدة المعالجة ـ  المخرجات ـ  منتجات حضارية

    الخام للآخر                                   الرئيسة                      منظمة و محروسة


و بعد  فتلكم محاولة تقريبية لوضع معيار صحيح و دقيق للتفاعل الحضاري بين الأمم يراعي ذاتية كلّ أمّة ، و يتيح فرص أكثر للالتقاء و لا يكرس فكرة إلغاء الآخر …

و الأمة العربية المسلمة في أمسّ الحاجة إلى هاته المقاربة الحضارية في ظلّ تراجعها الرهيب و انفلات مفاتيح الحضارة من بين يديها …

 

 

تعليقات