الأبعاد الوطنيّة و الإنسانيّة في قصيدة "خطايا العشرة المشتعلة " للشّاعرة السّورية فاديا محمد حمود

 

الأبعاد الوطنيّة و الإنسانيّة في قصيدة "خطايا العشرة المشتعلة " للشّاعرة السّورية  فاديا محمد حمود




 

أَزعُم بأن هذا اللون من التشكيل الشّعري بمضامينه ينتمي إلى الشّعر الحداثي الذي يجمع عدّة عناصر أساسية و إن قلّت و يمكننا تلمّس ذلك في طريقة التقطيع لمقاطع النص التي تترواح بين التكثيف و التخفيف و التوظيف الذكيّ لبعض الرموز كالهيكل و تشرين و اللون الأخضر و كذا جنوحها إلى شيء من الغموض الدلالي لخلق الدهشة من جهة و استفزاز القارئ إلى الاجتهاد في فك بعض العقد المنثورة بين ثنايا القصيدة و الشفرات المنتصبة هنا و هناك دون أن يفوتنا اعتماد الشاعرة على البناء الدرامي الذي يتيح للقارئ مشاهدة بعض المشاهد التصويرية الدرامية التي تصلح لأن تترجم إلى مقاطع مسرحية أو لقطات لشريط فيلم قصير ...

كلّ هذا الزخم اللافت تعكسه قصيدة الشاعرة السورية  فاديا محمد حمود التي تتسم بالوحدة الموضوعية من جهة و بتسليط الضوء على مشهد اجتماعي معيش من جهة ثانية .

تعمدت تجنيس هذه القصيدة قبل الخوض في مضامينها و سبر أغوارها لحاجة في نفسي .

العنوان : خطايا العشرة المشتعلة

العِشرة (بكسر العين) في اللغة العربية اسم مشتق من المعاشرة التي هي بمعنى المخالطة، والعشير يطلق على الزوج والصديق و  من معانيها الرفق و احتمال الأذى الصادر منهما و تليين الخلق و تحسينه كعلاقة تبادلية متعديّة ، و الخطيئة: من الخطأ، وهو عدم الإصابة، وقد يكون عن عمد، وقد يكون عن غير عمد، إلا أنه غير العمد أكثركما  يقول أهل الاختصاص ..و الجمع خطايا و هي عند المسيحيين بمعنى  تجاوز طوعي للمبادئ الدينية .

و عمدت الشاعرة إلى الإتيان بالجمع دلالة على كثرتها  و وصفها بالاشتعال دلالة على استمرارها و تفشيها و النتيجة الحتمية لهذا الاشتعال المستمرّ هو الإتيان على الأخضر     و اليابس من الحياة الزوجية  و الوصول إلى طريق مسدود  كما قال الشاعر:

و النّار تأكلُ بعضَها ...إنْ لم تجدْ ما تأكُـلُهْ

و أتت بصفة الاشتعال  "المشتعلة " و جعلتها معرّفة  للإشارة و التنبيه  على استفحالها     و تمكنّها و ملازمتها للحياة الزوجية  و كأنها أصبحت اسم جنس عام للدلالة على العشرة الزوجية ....

و العشرة في مفهوم الشاعرة يتعدّى حدود الحياة الزوجية ليتسع أكثر إلى الحياة الاجتماعية عموما التي يحياها أيّ مواطن و مواطنة في بلد ما بل و يتعدّاها إلى الحياة الإنسانية.

و يمكن الإشارة سريعا إلى الوظائف النحوية للعنوان ؛ فـ"خطايا" جاء خبرا لمبتدأ محذوف فالشاعرة تودّ أن تخبرنا عن وضع اجتماعيّ تشكل حديثا ..وضع كان نتيجة الحرب الأهلية الدائرة منذ عشر سنوات كاملة حصدت الأمن و السلام و زرعت بذور الفتنة و التشتت و التيه و الهجرة ...و أضافت الخبر "خطايا" إلى المضاف إليه "العشرة " لتلفت انتباه القارئ لتشوّه هذه اللفظة الجميلة و أنّ الاجتماع فيها أصبح فرقة و هجرة و الراحة فيها أصبحت تخوفا و رهبة و الأمن استحال إلى خوف متصاعد و ختمت العنوان صفة الاشتعال "المشتعلة" لتؤكدّ على استمرار هذا الوضع البئيس و قد سبق ذكر نزر من هذه المعاني المنثورة .و السؤال ما هو هذا الوضع الاجتماعي الجديد ؟ و القصيدة من ألفها إلى يائها إجابة شافية و كافية ..

فعبر ثلاث دوائر تتأرجح  القصيدة بين خصوص الخصوص و الخصوص و العموم و لن نقف مع الدائرة الأولى لأنها غير مقصودة بذاتها  ذلك لأن نحت ظاهرة الانزياح قد شوّهت معناها  و تجاوزتها إلى الدائرتين المتبقيتين من الحياة الاجتماعية الوطنية  إلى الحياة الإنسانية  الأرحب بعدها و مقاطع القصيدة شاهدة على هذا التوجّه الحداثي .  

و سنحاول عبر مقاطع ثلاثة الوقوف عند هذه الأبعاد الوطنية و الإنسانية المبثوثة في ثنايا قصيدتنا المدروسة .

المقطع الأول:

التعبير بالعشرة و هي حسن المخالطة للدلالة على وضع سابق قبل تأزم الأمر و انتشار الفتنة فهي تحنّ إلى ذلك الزمن المهرّب الجميل و تتمنّى من صميم فؤادها رجوعه من جديد و لكن للاءات السياسة سلطانها القاهر النافذ ..و اللاءات مفهوم سياسي يعني الرفض  التام لوضع سياسي معيّن و قائم ..

و المعروف بأن اللاءات في النحو العربي  خمس نكتفي بذكر اثنين..

 لا النافية  التي  لا محل له من الإعراب .

لا الناهية  حرف نهي وجزم عاملة ..

فأيّ اللاءات تقصد الشاعرة ...للسياسيين لاء ثالثة يسمونها بلا الرافضة فهل هي  من هذا النوع أم لا ؟ ..

لكن الملفت للاء الموظفة في القصيدة أنّها مشفوعة بصفة باسقة ..و البُسوق مظهر من مظاهر الشجرة الكبيرة ذات الجذور الضاربة في الأرض و الفروع و الأغصان الصاعدة في السماء و ما يتركه هذا البسوق في النفس من معاني الظلال الوارفة و الأمن و الهدوء و التمتع ...

إذن فلاء القصيدة هي بمعنى آخر جميل ..راسخ و مؤثر. إنّها المبادئ التي تشّربتها منذ نعومة أظافرها و نمت و ترعرعت على حبّها و تقديسها و على رأسها قداسة الوطن و حرمة التراب  ...فالمبادئ حالت بينها و بين التمرّد و الانتفاضة و آثرت السلم و الهدنة ..

لكن فم الواقع الأليم يعرب بلسان عربي مبين بعكس ما تتمناه للوطن و العيش الكريم ..فنيران فتنة الانشقاق لا تزال مشتعلة الأوار و لا هدنة خضراء تلوّح من بعيد و ما تلك الشعارات المرفوعة و الخطب الرّنانة إلاّ در للغبار و نوع من المسكنات التي أصبحت لا تغني و لا تسمن ..

و ما الخطوات التي يعلن عنها ببريئة إذ تفتقد للحكمة و تغليب مصلحة الوطن و أمن و سلام المواطنين ..فالنيران تحتدم أكثر و تتأجج و قد زادتها همجية الرّيح العابثة و لعلها تلك العصبة أو اللوبي الذي لا يريد للنار أن تهمد و تخبو...و التعبير بالريح لا الرياح فيه ملمحا قرآني عجيب ..فإفراد الريح للدلالة على العذاب و الشرور و الأهوال و المخاوف بينما يجيئ الجمع أي الرياح كمبشرات تحمل حبوب الطلع و التلقيح و النماء و الحياة و هذا بعد وطني إنساني في آن واحد .

لا يزال المرفأ الآمن بعيد المنال في تقدير شاعرتنا و لا تزال محطات الانتظار تعجّ بالحالمين و الهاربين و التائهين و لا تزال الفوضى عارمة صاخبة تؤز مضاجع الآمنين الناجين  ما لم توقف تلك الهجمة الشرسة الهمجية لتلك الريح الصرصر العاتية.

1.   المقطع لأول :

العشرة المشتعلة

لم تبق لاء باسقة

ولا هدنة خضراء

تمر دون لسع مزدوج

تلك المسكنات

ليست على قدر كاف من الحكمة

لتوقف همجية الريح

وما تخلفه من فوضى

للمواجع على امتداد الميناء

الذي يباهي

بأنه مرتع آمن للنسيم

ومحطة مثالية للجوارح

لو تطلب الأمر

المقطع الثاني:

و تستمر بكائية الوطن و الانسان و تعيث الفتنة فسادا ..و على عادة العرب في الجاهلية فهم يتطيرون ببعض الطيور و لعلّ طائر الفتنة الذي يحوم في الأنحاء و الأجواء لينذر بشرور قادمة مرعبة و بأنّه عصي على النيل منه إذ أنّه طائر متمرس و عنيد يجيد فنون الخداع و المراوغة و التسويف و يحسن العزف على قيثارة الصدق و هي مهارة تلبس الباطل بلبوس الحق و الأمل المنشود المرتقب ....

و بلغة التشاؤم و القنوط تعلن استسلامها و ضعفها أمام هذا الطائر المشؤوم الذي لن يترك بابا آمنا مغلقا إلا طرقه و فتحه تأجيجا لنيران الفتنة و إذكاء مزيد من الخوف و الترهيب و التضييق ..و لن يترك كبيرة و لا صغيرة إلاّ زرع فيها بذور فتنته و جمر نيرانه لأنّه فاقد للإنسانية و للحب و السلام ..و التعبير بالنهر و البحر و ما يخبئانه من كنوز نفيسة من زمرد و محار إلا دليل على سرعة انتشار الفتنة و بلوغها حد كبير من الانتشار و الامتداد و غلبة الضلال على الهدى و العماية على الشروق ...   

و تعمّدت الشاعرة إيراد لفظ " الهيكل" و هي إشارة قوية لتغلغل سموم الصهيونية في بدن وطنها المعذّب و إدارتهم لخيوط الصراع تحت مظلات عديدة ؛ فالهيكل كما هو معلوم في الكتاب المقدس ا بناء مخصص لعبادة الإله . والكلمة فى العبرية هي " هيكل " كما هي فى العربية ، وتعنى القصر أو البيت العظيم علاوة على استخدام الكلمة للدلالة على " الهيكل فى أورشليم و هذا معلوم بالضرورة ..

 

تلك الفتنة

طائر متمرس عنيد

أجاد فنون الحلم

وتراتيل الصدق

العاري من لبوس الإفك

لن يترك بابا ينجو

ولا وسيلة تفر

دون جدوى

نيئا كان الرغيف

لم يثر شهية النهر

للبحث عن محار السعة

وزمرد الرحابة النفيس

كلما نفث الضلال

دخانه القاتم

وردم السكون الوديع

لا يتغير لون الهيكل

ولا شكل رأسه المدبب

المقطع الثالث:

هذا المقطع الأخير  صرخة أخيرة في أديم سماء الحقيقة ..نداء نجدة ترسله الشاعرة عبر أمواج أثير الشعر لعلّ و عسى أن تأتي النجدة و يتغيّر الحال و ينعم العباد و البلاد بالأمن و السّلام ...

في هذا المقطع الحزين الكئيب تعلن الشاعرة و الآهات تقطّع أوصال فلذتها بأنّ إمكانية الاستدراك أصبحت من عالم المستحيل و هي نظرة سوداوية قاتمة لا يكاد جزء من أجزاء مقاطع هذا المقطع الأخير إلاّ و نطق بذلك أو شهد ...

يأس مطبق سدّ آفاق سماوات الإصلاح و أدخلنا في أجواء فضاءات معتمة قاتمة إذا أخرجت يدك لا تكاد تراها ... فلا تزال الرّيح العابثة جاثمة تدمّر كلّ المراكب المتبقية التي طالها العطب و الإهمال و الدمار ...و من كثررة عمق الجروح و تقرحاتها أستحالت على الشفاء و البرء ...فلا صوت للسلام إلاّ أصوات نجيع الدم المتدفقة كشلالات حالمة ...و صيحات النجدة خفتت و أصاب حبال أصواتها العيّ و الضعف ...و أصوات المعذبين تخفت شيئا فشيئا لتعلن رحيلها عن قريب و لم تشفع لهم  جذوع ضفاف حضارتهم العتيقة الطفاية فوق أمواج بحار الفتنة الطامية الهادرة ... و نقاط الضوء انطفأ وهجها أشعتها ليندثر معها أمل الكادحين و الضعفاء و المعذبين ...تلك نهاية مشاهد واقع بئيس فاقد للإنسانية و الضمير و الوازع ... واستحالت الذكريات الجميلة عزاءهم الوحيد و لم يعد الانتظار بذلك الحلم المخلّص و لو كان ذلك تخييلا و أحلاما ...

 و إليك بالمقطع لتتأمّله بهدوء و روية و تبصر لتدرك عمق المأساة و نوح الحقيقة و أنشودة السلام الخادعة المزيّفة ...

عبثاً نحاول

تضميد الكأس

بماء هادئ السريرة

هناك

حيث عبثت الريح

بالمراكب القاصرة عن الشدو

كانت جذوع الضفاف العتيقة

تردد برفق واهن

خذ تراشق العتم

على محمل الود

وق هدهدة الضوء

من وصمة الدم

فكل بين نواة

وراحتيها في شد وجذب

من منا صفع تشرين

حتى اصفرت كلماته

وقطع أوصال الجسر

قشر البهجة

من لحاء الذكريات

موحش

قارس

انتظار لا تربت على كتفه

لحظة دافئة

عرجت بعد طول اشتياق

لا يفوت  الشاعرة أن تضع أصبعها على جرح كبير نازف ..جرح ثلاثي الرؤوس و التّأثير ..صراع الأديان الذي يدير خيوطه دوائر خارجية و يذكي نيرانه ساسة عباقرة ماهرون        و مخادعون ..و قد لجأت إلى الرمز الذي يعدّ مهربا آمنا يجيده شعراء الحداثة ..فاستعملت اللون الأخضر إشارة إلى الدين الإسلامي الحنيف و "الخطايا" إشارة إلى المسيحية بجناحيها و أخيرا "المحفل" إشارة إلى اللوبي اليهودي الصهيوني ...فهذه رموز متصارعة و متقاتلة أذكت نيران الفتنة و حصدت المزيد من رؤوس سنابل القمح و عرّت الكثير من أغصان الزيتون و قتلت المزيد من حمائم السلم و الأمان ..

قصيدة بكائية وطنية إنسانية لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد ...

الجزائر في 22.02.2021

 

تعليقات