وردة تتحدّث...
وردة تتحدّث...
كثيرا ما كانت الوردة عنصرا من عناصر تغنّي الأدباء و الشعراء و مصدرا من
مصادر الإلهام
و الإبداع نظما
و نثرا و لحنا و صورة و نحتا .. فهي بحق
قنديل متأجج يشعّ بأنواره الزهيّة على
النفوس المرهفة النّدية و العقول المسلوبة المشدوهة نحو الجمال و العيون العاشقة
المفتونة برؤية القَسام ...
و يكفي سياحة على عجل بين رياض الأدب و توافق خاطف مع
إيقاعات موسيقى الشّعر ليتبيّن خط الصدق من خيوط الزّعم..
و لسنا في حاجة ملحّة لضرب الأمثلة ذلك أنّ النّهار لا
يحتاج إلى دليل بقدر ما تتوق النفس الظمأى إلى ورود آبار سؤال حاسم ألا و هو: ما
السّر المكنون في جمال الوردة؟ و هل هي حقيقة نبراس للفنّ
و الأدب ومنبرللتغنّي و الإلهام و مشكاة للإبداع و الإنتاج؟
و يجدر بنا قبل الإجابة عن هذا التساؤل أن نقدم بمقدمة
نافعة عن مفهوم الجمال ذاته..
إنّ
الجمال التّام الكامل هو الذي حوى أو يحوي في ذاته قسمين من الجمال: جمال ظاهر و
آخر باطني و تأمّل قول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
نَّاضِرَةٌ ٍإِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [القيامة 22 - 23] ، فقد اجتمع فيه الجمال برمّته ،فالنضار
أو النّضارة التي بمعنى الخالصة من كلّ
شيء جمال ظاهري يحلّي وجوه و محيا أهل الجنة و فيه من معاني الإشراق و الأنوار و
البهاء و الزينة ما يسلب الأنظار و العيون ، و أما النّظر إلى وجه الله تعالى
فإنّما هو جمال باطنيّ لأرواحهم... فلا
أجمل و أحسن و لا أهنأ و أطيب و لا ألذّ و أشهى إلى نفوسهم من النّظر إلى وجه الله
سبحانه و تعالى حيث النّور و سبحاته...
و مثل هذه الكنوز نجدها منثورة بين حدائق السنة النبوية
الغنّاء الباسمة؛ فعندما يصوّر لنا الرسول صلى الله عليه و سلم الدنيا تصويرا أقرب
إلى فطرتنا السليمة و طينتنا الأرضية نجده يقول:"الدّنيا
حلوة خضرة" ... فهذا الوصف البديع كما نرى قمّة في الإغراء و روعة في
الجمال .. فالدّنيا خضرة في منظرها ناعمة
في صورتها تسرّالنّاظرين
و لا يخفى على عاقل ما في الخضرة و الإخضرار من بهاء و نضارة و برد يقين
و سعة نظر و في آن واحد فالدنيا حلوة المذاق طيّبة
المطعم إذا ما نزحت النفس إلى ذواقها و لوكها..
و من ثَمّ فلا
غرو أن تكون الدّنيا دارفتنة و إغراء و
زينة و بلاء ... فجمال الدّنيا أخضر ظاهره
حلو باطنه.
و إذا تتبعنا هذا المفهوم للجمال في ميراث أدبنا الزّخر
الحافل لوجدناه موزعا بكثرة بين رياضه الآخادة
و خمائله المياسة و أنهار مائه الرقراقة فمثله مثل حبات العقد الفريد حوى أنواعا شتى من
لؤلؤ و زبرجد
و ياقوت و عسجد
ومرجان وعاج نُثرت فوق بساط أزرق...
و نعود
ثانية بعد تطواف طريف ممتع لنسأل من جديد: ما حظ الوردة
من هذا الجمال المركّب ؟
نقرّ أولا صعوبة التفريق بين قسمي جمال
الوردة الظاهري منه و الباطنيّ لشدّة تداخله
و لا يسعنا في
هذا المقام إلاّ الحوم و التحليق حول
عتبات معانيها الخلابة و تقاسيم صدفاتها الكريمة ...
فجمال الوردة جمال خماسيّ التركيب و أتمثله كالجيش أو
الخميس بشكله الهندسي المتناغم من ميمنةوميسرة و مقدمة و مؤخرة و قلب فكذلك الوردة المترائية للعيان لو
تعلمون...
فأولها نضارة
ملمسها و ثانيها تناسق أوراقها و اختلاف مراحل نموّها و ثالثها حسن توزّع ألوانها الزهيّة
و رابعها تضوّع
عبير شذاها الفيّاح في الأجواء و خامسها اجتماع هذا الحسن الرّباعي لينُتج حسن
خامس أبعد في التأثير و أعمق في النفس و هذا جمالها الظاهري...
و أمّا جمالها
الباطنيّ فلا تتسع له صفحات سفر كامل و هذا نزر منه...
فأمّا
نضارة ملمسها و لينه ، و لطف نسيمها و نشره فيذكرك بريح الصبّا و ما تحمله في
صفحات دفاتها من أخبار سارّة مفرحة و من رسائل الحبّ و الصّداقة و الإخاء و المودة
، و من برد يقين يغمر النّفس من دفئه و يطفأ نيران القلب الملتهبة و يكبح جماح
العقل المنعتقة و يذكرك أيضا باليدّ الحانيّة
و الرابتة و
المخضبة كحبات العنم و بالوجه المشرق
الصبيح الوضاء و الشعر المرسل الناعم الملمس...
و أمّا
تناسق أوراقها و حسن انتظامها و اختلاف مراحل نموّها فيذكرك بالإتقان و النظام و
التوزان في الكون و الحياة و بروعة تناسق حبّات العقد المناثرة و السموط و السبحة
و يذكرك أيضا بسرعة تقلّب أحوال الإنسان و انتقاله من حال إلى حال ... و تأمّل
انفتاح أكمامها ألا يُخيّل لك بأنها أشعة شمس حانية تسري حرارتها عبر أجزاء
المعمورة المترامية و انغلاقها يحكي في صورته قلب أمّ رؤوم و صدر أب رحيم
و حضن وطن رحب و دفء أنامل كفّ خير تربت برفق و حنان فوق
أكتاف يتامى ...
و أمّا
توزّع ألوانها الزهيّة البهيّة السّاحرة فيحكي رجع قوس قزح .. فيذكرك البياض
النّاصع باالبدر المشرق و الفجر الصّادق و الأمل المتحدّد الفسيح و يذكرك كذلك
بالسلام و الصفاء و الطّهر
و القداسة و براءة الأطفال و الأنوار الملائكية ...
و تذكرك
الصفرة الفاقعة بالإبريز و الذهب الخالصين و بالمعادن الطيبة من الناس و بنقاوة
النفوس
و سلامتها من
العيوب و النقائص ، و تذكرك أيضا بأشعة الشّمس الدّافئة و قرصها الوهّاج الأخّاذ إنْ
في إشراقه أو في غروب شفقه السّاحر... و التفت إلى سنابل القمح الذهبية المثقلة
بالحَبّ المتمايلة من التواضع و الثقل...
و تذكرك الحمرة القانية بالحياء و الخجل و بالشّهادة و بوطيس المعركة و لهيبها
و احتذام جذوتها
و بالدّماء الزّكية
العبقة و بوقود الهيجاء من أشلاء ممزّقة و كلوم نازفة و بالحرية التي بابها حمراء...
و أمّا
عبير شذاها المنتشر فيذكرك بالكلمة الطيّبة النابعة من نفس طيّبة تؤتي أكلها كلّ
حين بإذن ربّها...و بالإبتسامة الصّادقة .. ابتسامة القلب للقلب ...و بالعتاب
الأخوي الهادئ و الهادي و بالنّصيحة البريئة و بالخلق القويم و السلوك الفاضل و
العقل الرّشيد و الحكمة المستنيرة المنيرة و بالإنشراح
و الخير العميم ٍ و الطمأنينة والبهجة و بكلّ أصناف العطور و
الروائح المتعوّضة من نرجس و ياسمين
و أقاح و شقائق النعمان و فلّ و نرد و ورد و زهر ...
و أمّا اجتماع هذا الحسن الرّباعي فيينتج حسنا
خامسا .. أوليس كثرة الأوصاف تدلّ على شرف الموصوف و علوّ قدره ، فالحسن لا يزيد
الحسن إلا رونقا و جمالا و شموخا وتيها
... و هذا الحسن الخامس هو الجمال ذاته و لكم صدق الشّاعر في مناجاته لوردته حين
قررّ:
جنى عليك الحسن يا وردتي و طيب رياك فذقت العذابْ
لولالهما لم تقطف غضــة بل لانطوى في الرّوض عنك الشبابْ
عُرفت
بالفضل و كم من فاضل
جنى عليه
الفضل يا وردتي
تنفس الصبح بأزهارها ضاحك اللون زكي الأريج
لولاهما
مرّ العاشقون
لا ينظرون
عرفت
بالفضل و كم فاضل
جنى عليه الفضل يا وردتي
تنفس الصبح بأزهارها
ضاحك
اللون زكي الأريج
نسرينها
، و رندها ، و الأقاح
كل مباح
و ليس بعد هذا الوصف السّهل الممتنع البديع
من زيادة أو تعقيب ...

تعليقات
إرسال تعليق