رواية القلادة : مخاض فولادة .. للرّوائي التّونسي الشاذلي القرواشي
رواية القلادة : مخاض
فولادة .. للرّوائي التّونسي الشاذلي القرواشي
وقفة تقدير و روعة تصوير
ما أجمل و أمتع أن يتحوّل القارئ إلى
شخصيّة فضولية تترقّب نهاية قصّة رائعة و عميقة يخرج منها بطل الرّواية منتصرا و
منتشيّا ...
براعة صياغة الفكرة و
إخراجها في أحسن حلّة و أجمل صورة و بأسهل أسلوب ..مواصفات لا يتقنها إلاّ شاعرا
فنّانا متذوّقا ، و أديبا متفرّسا حالما ، و فيلسوفا عاشقا محترفا ..و كذلك كان
حال أديبنا الكبير الشاعر و الرّوائي الشّاذلي القرواشي في روايته " القلادة "التي جالت بنا و
بأرواحنا في عوالم مختلفة ماتعة تتناغم فيها الأشياء و الأشكال و الأسماء و
المسمّيات و الأفكار مع المشاعر الإنسانية النبيلة الراقية لتستحيل إلى صور واضحة
سهلة للغوص في حضارات إنسانية بائدة أو ضاربة في أعما ق التاريخ و الفن و
النّفس و الجمال.. فالقلادة رواية إنسانية فنّية تقدّم نفسها بنفسها ، و تبوح
بأسرارها و مكنوناتها بأبدع لفظ و أروع بيان و أجمل
أسلوب..
هي رواية تمزج بين بيئات
مختلفة متنوعة ، و تأخذ من كلّ منها بسهم وافر حيث تنطلق من علاقة الفن بالنفس ،و
التّقاطعات الكثيرة بينهما توافقا و اختلافا ـ و كيف أنّهما يشكلان جوهر الفكر
البشريّ و عمق الوجدان الإنساني و الذاكرة و أرصدتها و التاريخ و أحكامه...
ـ تحيط بالرواية "
القلادة " ظروف ثلاثية الأبعاد :
·
ظروف المكان من ريف و
مدينة وما تضمّه في ثناياها من بيت قديم بسيط وجبل مميز وبيئة خضراء و ورشة صياغة
و جامعة و مكان عرض...
·
ظروف الزّمان التي تتوزّع
بين مرحلة الطّفولة و الثّانوية والجامعة المستقبلية ..
·
ظروف الأشخاص الذين
يلعبون أدوارا مهمة كاملة وأخرى ثانوية كأمّه
الزهرة والشيخ عامر والعم خالد وسعيد والطالبة سهام الفنانة والحاجة فاطمة وعادل
نفسه بطل الرواية الفنان المثقف والمفكر...
وتحت ظلال هذه الظروف
تجري أحداث الرّواية وتسير في نسق متوازن ساحر وسمت بياني آخّاذ ولغة سليمة مختارة
بدقّة و عناية لتتناسب مع مستوى الذين أُلّفت من أجلهم...
و" القلادة " بقدر ما هي تصوير لمعاناة أسرة صغيرة مصدومة
بفراق الزّوج الأب والمعيل الرئيسي بقدر ماهي دراسة دقيقة للفن وجمالياته وعلاقته
بالنفس الإنسانية وآثار ذلك على التّاريخ والانسان والذّاكرة و تداعياتها على
الوسط الفنّي و الثّقافي .
تختلط الفكرتان إلى حّد
الاتحاد .. فكرة المعاناة من جهة ، وفكرة الفنّ
من جهة ثانّية.. فالقارئ أمام رواية تراجيديّة لمعاناة عائلة متوسّطة الحال
شريفة ، مصدومة بفراق عزيز لها و أمام نظرة جمالية كاشفة لمعنى الفن (صياغة
/رسم)في آن واحد ...
فكرة الانسان الفنّان
على مدار حقبات إنسانية تاريخية و تعاقب
حضارات مختلفة إسلامية و إغريقية و رومانية و فرعونيّة ..إذن فهي رواية تدعو
للتفكير في قيمة الأشياء من حولنا و خاصّة المورّثة منها ، و استكناه القيمة
الجمالية الفنّية الرابضة فيها ، و محاولة فكّ رموزها و شفراتها للتّقرّب أكثر من
فكر و روح من أبدعوها و أخرجوها و تركوها لنا مجسّدة في تلك التّحف العجيبة
النّاجية و الهاربة و من الخطأ المرور عليها مرور الكرام لما تحمله من دلالات
نفسيّة و إنسانية و جمالية و تاريخيّة .
و بطل الرّواية "
عادل " هذه الشّخصية الطّفولية المتميّزة بالنبوغ و حبّ الفن و الجمال و
الإبداع منذ نعومة أظافرها و بالتّفطن
لمواقع الحكمة في أقوال و مأثورات الشيخ عامر ، و الشّعور بالمسؤولية و المعاناة
التّي تحياها أسرته بالإضافة إلى باع طويل في اللّعب الطّفولي البريء و حيازته على قدر كبير من سلامة الفطرة و
الطّيبة و نقاء العقل و تجرّده ...
ـ هي نفسها الشّخصية
الفنيّة المحترفة الطّموحة التّي تسعى لتوظيف رصيدها المعرفي و التّاريخي و الفنّي في إنتاج و إضافة فنّ
راق ماتع و رائد خالد...
ـ و هي نفسها شخصية
الطّالب الجامعيّ الذي يسعى بكلّ ما أُتي من أجل تحقيق آماله و طموحاته الفنية الإبداعية الجمالية...
ـ و هي نفسها شخصية
الابن المطيع لأمّه المكافحة ، الحسّاس بمعانتها و آلامها و آهاتها...
ـ و هي أخيرا و ليس بآخر
شخصيّة عروس المستقبل الخجول الذي أحبّ صديقته بصدق و دراية و تعفّف و طهر..
·
اختار الكاتب الشاذلي
القرواشي لروايته عنون " القلادة " كرمزيّة مقدّسة لرابطة صادقة لا
تنتهي بمفارقة الأبدان و موتها بل تستمرّ كوفاء و ذكرى إلى أن تفارق كلّ الأبدان الحياة صاعدة إلى بارئها من جديد ..
ـ " القلادة "
رمز لزواج مبارك كان ثمرته ولدا صالحا ورث أرث أبيه و أمّه و ألبسه بلباس الرّحمة
و الدّعاء لهما و الوفاء المطلق لروحهما حييّن و ميّتين ..
ـ " القلادة "
هديّة زوج لحليلته فرّق بينهما الموت و جمعت هي بين روحيهما حيث رأبت ذلك الصدع
الكبير الرّهيب الذي تركه و يتركه الموت
عند فراق حبيب قريب و كان ثمرتها ولد صالح ...
·
و في ثنائيات لعلاقات
مختلفة صاغ الشاذلي القرواشي أفكاره النيّرة العميقة المشرقة التّي أسّست لحياة
إنسانية ساميّة و مقدّسة ..و يمكن حصرها في :ـ
(عادل/أمّه زهرة)،(عادل/المدرسة
)،(عادل/الجامعة)،(عادل/ورشة صياغة الذهب)،(عادل/جبل السّرج)،(خالد/الشيخ عامر)،(خالد/الطالبة
سهام)،(خالد/الفنّ)،(عادل/عائلة العم الهادي)،(عادل /قاعة العرض)..
و إذا ما جئنا لتفكيك
هذه الثنائيات التي ترتبط كلّها ببطل الرواية عادل لاحت لنا أسرار و
انزاحت أستار و اتضح اليل من النهار ..
ـ فعلاقة خالد بالرّيف و خاصة بجبل السّرجتنعكس
قوّة التّأمّل و صفاء السّريرة و نقاء
الفطرة و الجذور الأوّلية في بناء شخصية خالد الريفية المتصفة بالبساطة و الخجل و
طول الصمت و الطيبة و غلبة التّسامح و التّغافر ..فالرّيف يمثّل مصدر التّأمل
بالنسبة لخالد و المعين الذي طالما
اغترف منه غرفات و غرفات...
ـ و أمّا علاقته بأمّه
زهرة فهي تمثّل مصدر التّلقي الأوّل و منبع الحبّ و الحنان و العطاء و البذل و التّضحية و الإيثار ..فكلّ هذه القيّم
الفاضلة شكّلت معالم شخصيته المستقبلية المتشبّعة بالمثل الحميدة..
ـ و تحكي علاقته مع
الشيخ عامر الحكمة في أنقى صورها و أشرف معانيها ..و هذا المصدر كان بالنسبة له
مؤثّرا جدا في صناعة مواقفه من بعد و لم تنمحِ صور حكمة الشيخ عامرمن مخيّلته في جميع فترات حياة خالد وبالأخص علاقاته الخاصة
مع خطيبته سهام الرّسامة ..زوجته المستقبلية التّي أحبّها بصدق و قناعة ..
ـ و تعكس علاقته بمهنة
صياغة الذّهب نظرته الخاصة للفنّ و الجمال و ما لهما من آثار إيجابية و سلبية على
مصائر و مسارات الأفراد و البلدان و الحضارات و الثّقافات و الشّعوب و مدى حبّه لعمله و تفانيه
فيه و البحث عن الإضافة و الجديد و الإمتاع و الإبداع...
ـ و من أهمّ و أبرز
علاقاته علاقته بالفنّ عموما ،و تعقّبه للجمال في مختلف الحضارات الإنسانية
الإسلامية و الفرعونية و الرّومانية و اليونانية و التي كان لمفهوم الفنّ حصّة
الأسد في روايته ، و قد جال و صال و بيّن
و شرح فأمتع و أقنع و أثّر و أدهش...حيث كان للأزهار حظّ و للأشكال و الخطوط نصيب
و لمختلف الصور حضور قويّ في ذاكرة الأرشيف الإنساني...و للنور و الظلام و
تقاطعاتهما و تدّرجاتهما حديث فيّاض ..زهرة اللوتس ..نبتة الانثيمون ..كلمات مفتاحية
ترجعك مباشرة إلى قلب الحضارات الإنسانية المتعاقبة ...
·
في هذه الرواية تبرز
قيمة الرّوائي الشاذلي القرواشي كفنّان ذوّاق، و باحثة عن الجمال ، و تحريك ما سكن
، و إحلال الرّوح في أجساد صلبة صلدة ..و
إعطاء تفاسير جمالية و أخرى نفسيّة لما يحيط الإنسان من أرث و موروث...
و رواية " القلادة "
ابتداء من الصفحة (37) حينما يقول :" لبث العم الهادي زمنا يتفرّس وجه عادل ..." تُقدّم
للقارئ أول المفاتح لشفترها ، و بذلك تحلّ العقدة الأولى في اختيار الكاتب لهذا
العنوان الذي له علاقة بحرفة عادل ..و تستمرّ الرّواية على هذا النسق الفنّي
الرّائع إلى أن نصل إلى الصفحة (42) ليقدّم لنا المفتاح الثاني متلفعا بلغة
المشاعر و الإحساس كآلية فاعلة و مؤثّرة في صياغة
المستقبل حين يقول عادل لصديقته سهام : " أجد في شخصيتك المياه و الأعاصير و
صفاء السّماء في آن واحد .." ، و تختلط لغة المشاعر بلغة الأحلام و بلغة
الواقع ..
و بالوصول إلى الصفحة
(49) حين أطلق عادل تنهيدة حارّة من صدره قائلا:" كان المفروض ذلك ، لو لم
يكن ثمن بيعها لقلادتها (قلادة الأم) هو ثمن شراء الحذاء..." ومنذّ هذه
اللحظة الحاسمة يتّسع مجال الرّؤية ، وتنحلّ تباعا أكبر العُقد في الرّواية ليخرج عادل من دائرة التّيه ومنطقة التّأمل والتّجريد،
وتبدأ تتشكل معالم النّهاية الجميلة والحلّ الأمثل والأنسب لانسدادات التّفكيرالتّجريدي
و عوائق الرؤية الواضحة و الوقوف على عتبة الحقيقة الرابضة في أعماق وجدانه محلّ
البحث و الجدل و القلق..
و بالفعل فقد كان لإقامة
تلك التظاهرة الفنّية الحلّ الأمثل و الأنجع لسبب تيهه الذي كاد أن يسبّب له مشاكل
جمّة و عويصة في حياته قد توصله إلى عتبة التوحّد و الجنون و الانعزال النهائي من
عالم الوجود الماديّ ليسدل السّتار عن مشاهد إنسانية كبرى ، و يعود " عادل
إلى القيروان مع الجماعة ، و كأنّه وُلد من جديد ، و كانت أمّه تنظر إليه و إلى
خطيبته سهام بعين الرّضى و المحبّة .." . (ص.95 آخر صفحة و سطر في الرّواية) ليمارس
عادل بعدذلك حياته الجديدة معتليا صرح الشهرة و الإعجاب و مترنّحا بين كتفي أمّه الحنون و زوجته سهام الوفيّة ، و محاطا بعناية قلوب
المحبّة و الأرواح المسالمة ..روح العمّ هادي و زوجته..و روح صهره و روح أبيه و
شيخه عامر و آلاف من أرواح المعجبين من
حرفيين و فنانين و إعلاميين و معجبين ..
·
و حريّ بنا و نحن على
مشارف الخاتمة أن ننوّه بحقائق معرفيّة كبرى أثارتها رواية " القلادة "
و التّي من بينها ..
ـ الأشكال و الرّسوم لها
روح و معنى و ما هي إلاّ مرآة عاكسة لنفسية الانسان و طبيعة الفنان و روح العصر و
اللحظة التّاريخية، فالخطوط المستقيمة المتوازنة عالم فريد من نوعه ، و المتقطّعة
منها و الموزّعة بغير انتظام و ترتيب و اتّجاه عالم آخر مملوء بالأسرار و الدّهشة
، و كذا للزّهور و النّباتات لسان حال تعرب به عن مكنوناتها كزهرة اللوتس
الفرعونية و زهرة البرعوم العربية ...
ـ الرّواية نبذة تاريخيّة
مختصرة عن الفنّ و أهميّته بكلّ أشكاله في الحضارات الإنسانية المتعاقبة ، و إبراز
رجع صدى الملامح النفسية الجمالية و الفنية للموروثات الفنّية المهرّبة أو محفوظة
في خزائن المتاحف البشرية..
و الرّواية أخير و ليس
آخرا تعتبر فصلا تراجيديا لمعاناة أسرة فنّية ريفية صابرة محتسبة قنوعة ، بطلها
شاب طموح ، فنان انطلق من اللاشيء بمعيّة أمّ مكافحة ليحقّق أحلامه المنشودة و
أحلام أمّ احترقت مضحيّة بأغلى ما تمتلكه
كذكرى تربطها و ابنها بزوجها المتوفى كعربون وفاء لأب طيّب هالك ..
فالسّعادة هو أن يحيطك
الله تعالى بقلوب محبّة و نفوس طاهرة مستعدّة للبذل و التّضحية في صمت
وحبّ و قناعة و تجدّد و سهولة...
القالة (الجزائر)في 2020.06.05
ـ




تعليقات
إرسال تعليق