قراءة في قصيدة " جنون " للشّاعرة الجزائريّة فاطمة الزّهراء بوكتاب


قراءة في قصيدة  " جنون " للشّاعرة الجزائريّة فاطمة الزّهراء بوكتاب
فنون عشق موءود..


      بعض القصائد تتفرّد بطعم خاصّ و بلون أخصّ و كأنّها تدعوك بلسان          و شفتين لمأدبتها الفاخرة العامرة ..هل لسرّ مكنون فيها أم لخصوصيّة مشتركة أم لشدّة تأثير حروفها السّاحرة...تلك هي قصيدة " جنون " للشّاعرة الجزائرية فاطمة الزهراء بوكتاب ..
" جنون " عنوان استفزازيّ صادم و عهدنا بالشّعر غير ذلك ..و ما  الجنون هنا إلاّ خمرة معتّقة من كأس حبيب سقى بها روحا عطشى  من دنانها المشروعة ؛ فسكرت و ثملت إلى حدّ التماهي و الاتحاد بل الجنون و هو في عرف المحبين عشق مجنون كبحر هائج هادر لا يؤمن بأعراف و لا انتماء   و لا جغرافيا و لا ظروف...فما أعجبه من حبّ و ما أقتله من عشق ! ...
 فبماذا تخبرنا هذه القصيدة المجنونة ؟

تبتدأ القصيدة بإعطاء حكم أوّليّ و بصيغة الفعل المضارع إيحاء باستمرار هذا الحكم و تجدّده و مؤكدا بأداة التوكيد و ضمير المخاطب   " أنّ " " الكاف"    و بطريقة تتحدّى فيها حبيبها " أراهن " و المراهنة نوع من المجازفة و لولا تؤكدها أي الحبيبة من صحّة ما ستدلو به من معلومات و معطيات و تقرّره من أحكام و قرارات  ما ابتدأت قصيدتها بهذا اليقين الراسخ و الحكم القاطع ...    و المراهنة معلومة حكمها و يمكن حملها حسب السّياق الدلالي على أنّها أمرا  مرهونا  بوقته و كأنّ الشّاعرة  تقرّر  هذا بأنّ حكمها صحيح إلى غاية أن يثبت العكس و هذا من المراهنة المشروعة ..

فما نوع و طبيعة هذه المراهنة أو الأحكام ؟
أربعة رهانات تطلقها شاعرتنا في جدار الصمّت الذي تحصّن وراءه حبيبها ..تسعى من خلالها إلى تفريغ شحنات الحبّ المخزّنة في ذاكرتها الصامتة ...
الرّهان الأول :

أراهن أنك ..
ما عدت تفهم لون الصباح
وما عدت تقرأ صمت الجراح
وما عدت تبصر حزن العيون

هو خطاب مراهنة لكنّه أطلق بأسلوب رقيق دافئ و بشاعريّة مرهفة و جمالية لافتة .. و ما تكرارها لـ : ما النّافيّة (ثلاث مرات) إلاّ دليل على تأكيدها للأحكام التي ستدلي بها على طريقة الأحكام  القضائية و لكنّ بلغة الإحساس    و المشاعر و الخلجات النّفسية ..و كأنّها عوّضت " طبقا للمادة " القانونية بـ" ما عدت " الشّاعرية لتقرّر أحكامها المبدئية ...فنحن أمام محكمة الشعور      و الإحساس ليس إلاّ ... لا شهود و لا دفاع و لا محامين ..فقط شعور امرأة عاشقة ..

الحكم الأول : شرود  ذهن حبيبها عن تفهم  ـ تفهّم / صيغة مبالغة تفيد عدم التفاعل و المشاركة ـ حقيقة حبّها الصادق و عدم إدراكه لماهيته و حقيقته بالرغم من أنّه واضح و مشرق كلون الصباح و نوره و هل يحتاج الصباح لدليل ..
الحكم الثاني : غياب أبجدية القراءة من ذهن حبيبها و عدم ملاحظة جراحها التي تنزف في صمت ؛ و صمت الجراح من اختصاصات القلوب المحبّة        و الأرواح العاشقة .
الحكم الثالث: عدم إبصار الحبيب لعيون الحزن التي ألمّت بقلب الحبيبة و ما لغة الحزن الرابضة في العيون إلاّ شواهد و أدلّة عن عمق الحزن الذي تعيشه نفسية الحبيبة ..
كلّ هذه القرائن و الشّواهد تاه عنها قلب حبيبها و  خلده ممّا زاد في اختفاء الألوان و طبقاتها و طول  صمت الجراح و أنّاتها وتعمّق طبقات الحزن المتراكمة على عيون القلب خصوصا و المنعكسة على مآقي العيون المبصرة ...

 الرّهان الثاني:

أراهن انك ..
ما عدت تذكر أين أعيش
بلادي بعيدة ..
مسائي غريب..
 وعيناي تمطر
أعرف أن كلامي ممل
وفوضاي تقتل فيك السكون

لا تزال لغة المراهنة و التّحدّي قائمة إلى أن يثبت العكس ..و بين النّفي         و الاستفهام التقريريّ ـ الاستفهام في سياق النفي تقرير و تأكيد ـ  تتأكّد مخاوفها لتقرّر مرّة أخرى ذهول الحبيب المرتقب عن مكان وجود ذلك القلب المحترق و كأنّها أصبحت تعيش في مكان غريب و بلا د بعيدة تفصلها        و حبيبها آلاف المسافات..حتى عنوان بيتها و اسم بلادها غابا عن ذاكرته ..   و تلكم غربة مكانية و نفسية قاسيّة و مؤلمة...و أضحت كلُّ مساءاتها ترزأ في سلاسل الغربة و متاهات التيه ، و لم تجد إلاّ لغة الدموع المتناثرة كقطرات ماء غيمة حبلى تحكي عذاباتها المستحكمة.. ثمّ تقرّ بحقيقتها الصادمة و كأنّ حبيبها ماثل أمام عينيها معلنة اعترافها بملل كلماتها و الفوضى النّفسية الكبيرة التي ملأت  مشهد السّكون  النّفسي الآمن صخبا و ضجيجا.
  
الرّهان الثالث :

أراهن انك ..
تصمت من اجل شيء قديم
احس بذلك .. وافهم ذلك
فما عدت تشعر بالحب يأتي
وما عدت تملك الا الظنون
وجاء الكلام الذي لم تقله
حكاياك صمت
حكاياك موت
وإني أسافر كي لا أكون

هذا مقطع حزين و تراجيدي أين توجّه أصابع التّهام إلى نفسها ربّما للتّخفيف قليلا من حدّة اضطراباتها الدّاخلية  المحتدمة أو قد يعود  لموقف قديم صدر منها أو هفوة لسان حالقة أو زلّة قدم قاتلة ..و بذلك ترفع عنه رداء اللوم       و تستشعر الذنب في نفسها و لوحدها و بأنّ ذلك الشيء القديم حال بينه و بينها فاختفى الحبّ من مرابعهما و نبتت الظنون القاتلة و الشكوك القاطعة التي زادت من قتامة المشهد و من بعد المسافات و من غور الجرح و الأثر...
و ها هي رسائله  الصّامتة تقول ما كتمته أنفاسه و خبّأته ظنونه و كأنها أضحت بالنسبة لها  جدارا ضاربا حائلا بينهما و  صارت حكايا موت لحبّ كان مزهرا مخضرّا و ها هي  تسافر فيهما ـ الصمت و الموت ـ وحده
 كي لا تكون ..فبدون حبّه و رفقته هيّ  ميّتة لا محالة ...



الرّهان الرّابع :

أراهن لكن ..
لماذا أفكر!؟
لماذا أثرثر؟ 
لماذا أحبك حتى الجنون؟

مراهنة فاستدراك ..اعتراف فتخوّف ..إقدام فإحجام ..زحف  فتولّي ..
تلكم هي الحالة الهستيرية التي تتحكّم في نفسيتها المترددة المهترئة ..و تقرّ في النّهاية بأنّها قد خسرت الرّهان ..لذلك جاء هذا المقطع قصيرا جدا و كأنّها تحاول التّخلص بأيّ طريقة من أثقال تلك الغربة و التيه و التّردد و القلق...
ما عسى المراهنة أن تقدّم شيئا أو تؤخره و قد حدث ما حدث و حصل الفراق و التباعد و الهجران و الحال هو الحال ...و بأسئلة ثلاث تغلق مشاهد مراهنتها ..
لماذا أصلا عمدت إلى التفكير في حبيبها أو في إمكانية بعث حياة جديدة لدبّ قديم منقطع ؟...إنّ مجرد التّفكير في مثل هذه الأشياء يعدّ ضربا من الوهم و الخيال...
لماذا كلّ هذه الثرثرة و التصريحات و الأحكام و المراهنات و قد أفضى كل منهما إلى حاله و لا وجود لأيّ مؤشرات عن بعث جديد ؟
لماذا أصلا أنا أحبّه و لا أزال أراهن على ذلك الحبّ المنصرم القديم الذي تلاشت خيالاته و تقطّعت حباله و انصرمت عهوده ...
أنا لا أجد تفسيرا إلا اتهامي بالجنون في حبّك .." أحبّك حتّى الجنون " و بذلك تطلق حكمها النهائي غير القابل للنقض و المرافعة و المراجعة ..إنّه حبّ بجنون و من طرف واحد ...نهاية مأسوية لبطل غائب و بطلة مجنونة ..

الشاعر بولمدايس عبد المالك
قسنطينة في 23.07.2020

تعليقات