بكاء الوطن في قصيدة " أجذّف بالتّأنّي " للشّاعرة الفلسطينية نهى عمر
بكاء الوطن في قصيدة " أجذّف بالتّأنّي " للشّاعرة الفلسطينية نهى
عمر
الشّعر الموزون المقفّى جنّة مفتّحة الأبواب ..أشجارها وارفة الظلال ،
كثيرة الثّمار ، هنيّة النُّزل ، طيّبة المأكل و المشرب و الإقامة ..و ما قصيدة
" أجذّف بالتّأنّي " للشّاعرة الفلسطينيّة نهى عمر إلاّ انعكاس تامّ لما
وصف ...حيث يحلو المقام بين جنباتها و تسرّ الأعين بمناظرها و تقرّ النّفوس بحسن
معانيها ...
أُجَذِّفُ
بالتَأَنّي.... عنوان لافت يوحي
للقارئ بعمق ما تحمله هذه القصيدة من همّ رابض و حزن جاثم على صدر أمّة مهزومة و
شعب جبّار معذّب مرهق... و التعبير بالتجذيف يعنى الّدّفع بالسّفينة بغرض الإسراع
و الوصول و لكن الغريب في هذا التّجذيف أنّه ببطء و تأنّي و كأن حواجز كبرى و
معيقات حالت بينها و بين الإسراع .. و هذا تصوير بليغ لما تعانيه الأمة من قهر و
ذل و تقهقهر و انحصار...فما السّفينة إلاّ تلك الأمّة الحائرة أو ذلك الشّعب
المقهور و ما التّجذيف إلا محاولة الاستدراك و جبر ما يمكن جبره من ذلك الصّدع
الكبير الذي ألمّ بالأمة و الشعب و الوطن و التّراب... و هذا واضح في محاولة
الشّاعرة للجمع بين الضدين ..التجذيف (الإسراع) و التّأنّي ( التّروي و التريّث) و
فالشّاعرة لا تريد المجازفة فتخسر كلّ شيء مع رغبتها الشّديدة في الإسراع لتدارك
ما يمكن إدراكه .. و هذا من جماليا ت
مكنونات هذا العنوان التّصويري الحركيّ..و لعلّ استخدامها للفعل المضارع "
أجذّف " إشارة إلى ضرورة مواصلة
التجذيف في الحاضر و المستقبل و هذا من إحساسها العميق بحجم الهوّة التي
تعانيها الأمّة و شعوبها العربية و لعلّ فلسطين خير مثال ...
حاولت أن أقسم القصيدة إلى مقاطع فلم أفلح لأنّها كتلة
همّ واحدة و صرخة حقّ لا تقبل التجزئة و صيحة رائد لا يكذب أهله ...
القصيدة تتصف بالوحدة الموضوعية و كلّ بيت فيها يضيف جزء
من صورة تراجيدية لتكتمل الأجزاء و تكتمل الصورة ..صورة الحيرة و القلق و الهمّ و
الحسرات و البكاء على الوطن و الغربة المادية و النّفسية التي غرزت مخالب أظافرها في جسد هذه الأمة و على رأسها فلسطين الجريحة
النّازفة ...
القصيدة رسالة كتبت من حبر أنفاس حرّة و تصوّر لوعة كبد
رطب و صرخة في ضمير الأمة و العالم و كلّ الشعوب و من كان له سمع و عقل و قلب...و
اختارت الشّاعرة رويّ النّون و النّون تحلو في الفمّ كما قال أحد الشّعراء:
و النّون
تحلو في فمي .. كدْت ألقّبُ بذي النّونِ
أَلا يا نفسُ مهلاً حيثُ أني
أُجَذِّفُ في بِحارِكِ بالتَأنّي
" ألا " أداة تُبتدأ بها الجملة للتَّنْبِيه، مثل: {ألاَ
إنَّ أوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}. وللعَرض، مثل:
{أَلاَ تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ}...و هذا من براعة الاستهلال كما
يقول أهل البلاغة و البيان ...
و هي هنا إشارة
إلى ضرورة الالتفاف لما سيعرض من كلام أو
خبر لأهميّته القصوى و ما ينبني عليه من نتائج مهمّة و ما يتركه من آثار غائرة في النّفس ...
الشاعرة تطلب طلبا من كلّ حرّ أصيل إلى التّمهل و
التّروي و ضرورة الالتفات إلى ما تعانيه نفسيتها المكلومة من جرّا ء نكبة أمّتها و
شعبها و المعاناة الكبيرة التّى أحاطت بها من كلّ صوب و حدب حيث تتركتها كحال
مجذّف قارب برغم محاولته الإسراع و لكنّه ملزم بالتّانّي لأن الخطب جلل و الداء
مستعصيّ و الجرح غائر ...فالخطاب موجهّ لنفسها لكنّها في حقيقته هو نداء لكلّ
عربيّ غيور...و الشطر الثاني قد سبق بسط معانيه أثناء فكّ شفرة عنوان هذه القصّيدة
..
و تستمرّ رحلة التجذيف
في بحار التّأنّي المفروضة على الأمة و الشعوب إذ تقول :
أَغوصُ بِلُجَّةٍ وأَعومُ أُخرى
أُحاوِلُ سَبرَ أغوارِ التَمَنّي
أُراقِبُ موجَةً غَمَرَتْ رَجائي
أُواجِهُ لَطمَةً مِن ثَغرِ جِنّي
أَغيبُ عنِ الوُجودِ فَلا أَراني
وَأَصحو واللَواعِجُ تَعصِفُنّي
العامل المشترك بين هذه الأبيات الثلاثة افتتاح صدرها و
عجزها بأفعال مضارعة ( أغوص
ـ أحاول ـ أراقب ـ أواجه ـ أغيب ـ أصحو) دلالة على استمرار المعاناة حاضرا و
مستقبلا ، و كلّ فعل منها يحكي حكاية همّ رابض و يعكس الحالة النّفسيّة التي
تعتريها ...و قد اجتمع في هذه الأبيات كمّا هائلا من المفردات الموظفة للتّعبير
على المأساة الحقيقية ..و كلّها تنتمي إلى مجال واحد و هذا جمع لها : الغوص ـ
اللّجة ـ العوم ـ الأغوار ـ السبر ـ المراقبة ـ الموجة ـ الغمر ـ الرّجاء ـ المواجهة
ـ التلاطم ـ الغياب ـ اللواعج ـ العصف ) و بالنظّر الفاحص الدّقيق لهذه المفردات
يتأكد عمق المعاناة التي آلت إليها أحوال الأمة و انعكاساتها على نفسية شاعرتنا ...
فما تكاد تخرج من لجّة إلى و دخلت في أخرى مع تشبتها
بأعتاب التّمنّي تارة و بحبال الرجاء تارة أخرى .. و تزداد لواعجها و
همومها إذ لا وجود لمؤشرات مبشّرة مطمئنة لحصول فرج قريب ...
و استخدمت مصطلحي التّمنّي و الرّجاء بمعنى واحد أي الأمل و هنا
إشكالية إذ إذا جمها في نصّ واحد فالمفروض أن يختلفا في المعنى و أما إذا ما أفردا
جاز اشتراكهما في معنى واحد... و هذه
مسألة دقيقة ليس هنا محلّ بسطها و عرضها.
و ها هي تمنّى روحها من جديد ... فتصرّح :
نُعاسي طارَ والأفكارُ قادَت
كَنيرانِ المُتَيَّمِ تحرِقُني
أُمَنّي الروحَ والحسراتُ تَترَى
وحرفُ قَصيدَتي ما ذادَ عَنّي
نفسيّة الشاعرة الكئيبة تزداد تهورا و جراحا و نزفا
فالتجأت روحها الثكلى إلى أحضان التمني و
لو على سبيل التّخيل و ركوب الأحلام عسى هروبها يخفّف قليلا من أوجاعها مع هجومات
الأفكار المتتالية المتكرّرة فتزيد من احتدام الحرائق في نفسيتها المتعبة و تشبه حالها بحل
متيّم عاشق أحرقته نيران الحبّ و العشق .
و تتذكّر في زحمة تلك البحار الهوجاء الهادر قضيّتها
المركزية " فلسطين المسلوب" ذرة العالم العربي المسلم فنراها تعزّي نفسها و روحها إذ تقول :
لِروحي فِلذَةٌ نُزِعَت غِياباً
وَشوكُ السُهدِ منتَشِياً يُغنّي
و لا أظنّ فلذة الكبد هذه التي نزعت من جسد الأمّة إلا
" فلسطين الجريحة " و التعبير بالنّزع دلالة على المقاومة من جهة و على
شدّة ألم النّزع ، فالآلام كما نرى مضاعفة
بل و مما ضاعف من أوجاعها شوك السهد الذي تشاك أبره روحها المجروحة جراء غفلة
أصحاب القضية و جنوحهم للغناء و الملاهي و الاكتفاء بالانتشاء كعادة اللاهين
العابثين ...
و تختم صرختها المبحوحة
باللّجوء إلى الله و رفع أكفّ الأيدي :
ألا يا رَبُّ قد ذَبُلَتْ زُهوري
عُيونُ العقلِ ضاقَت بِالتَجَنّي
أعوذُ مِنَ الخَفاءِ بِعَطفِ رَبّي
وَأحلُمُ بالهُدوءِ .. يَصيرُ فَنّي
بعدما يئست بما في يدي البشر و الحال غفلة و لهو و ذلّ و
تفريط توجّه بوصلة قلبها إلى من بيّده مقاليد الأمور معلنة ضعفها و انكسارها بعدما
ذبلت زهورها و ضاقت الدنيا أمام عيونها من سطوة الظلم و التّجني الواقع و خاصة و قد بدأ قطار العمر يسير إلى محطّته
الأخيرة وها هي ترفع أكفّ يديها بالتضرّع و الجؤار سائلة الله و مستعيذة في آن
واحد من الفوضى التي عمّت سكون روحها وشعبها و بلادها و أمّتها و أنّه من حقّها في عيش كريم و حياة آمنة كباقي
الشّعوب .. و ما الهدوء و الأمن و السّلام إلاّ مفردات فنّها الذي تتمنّاه و تنشده
..
ما يلفت الانتباه في هذه القصيدة موسيقاها الدّاخلية إذا
نجت الشّاعرة في استخدام الجناس و الطباق كعنصرين أساسين في الإيقاع الموسيقي الدّاخلي
الذي زاد القصيدة حياة و حركة و جمالا برغم موضوع القصيدة المحزن الباكي
المبكي...و هذه بعض العناصر على سبيل المثال لا الحصر ... الجناس : (التّأنّي/
التجنّي)؛ الطباق (مهلا/ التأني)؛(الغوص/
العوم)؛(أغيب/ أصيح)؛(الحسرات/ الانتشاء)؛(الضيق / الرجاء)؛ (التجذيف/ التأنّي)
و لا يخفى على أصحاب الذّائقة ما في هذه العناصر
الإيقاعية من جمال و سحر..
فنحن نرى أنّ القصيدة قد جمعت بين الجمالين ..جمال
الإيقاع الخارجي من وزن و قافية و رويّ و جمال الإيقاع الداخلي من طباق
و جناس...
و بذلك أكون قد أجبت و لو بإيجاز عن تميّز الشعر الخليلي
عن شعر التّفعيلة و إن كان الجمال يتسع لهما و أكثر و بالله التّوفيق.

تعليقات
إرسال تعليق