الملحمة الأميرية من المقامة الجزائريّة ..للشاعر الجزائري نذير طيّار: الحلقة الأولى
الملحمة الأميرية من المقامة الجزائريّة ..للشاعر
الجزائري نذير طيّار
مقام الشّذا...الحلقة الأولى
الملحمة جمع ملاحم و تعرّفها "الموسوعة العربية العالمية بأنها :"
قصيدة قصصية طويلة، تدور حول بطولات فائقة لأشخاص غير عاديين في الحرب، أو في
السفر"، و "الأميرية" نسبة للأمير من الإمارة و السيّادة و هي
إشارة واضحة لشخصية الأمير عبد القادر الجزائريّ الذي كتب ملحمته البطوليّة ضد
المستعمر الفرنسيّ الغاشم بمداد الإباء ورفض الظلم و مقاومته إلى آخر نفس فيه و
ترجمها الشّاعر الجزائريّ نذير طيّار في مقامة قصصيّة جمعت بين النّثر المرسل و نظم
شعر التّفعيلة (الرجز/الكامل) فأخرج لنا جنسا أدبيّا لافتا سيكون محلّ قراءات و
نقد و أبحاث و جريّا مع الشائع فقد سمّاها شعرا موظّفا تشكيلا جديدا و تقنيات
إخراجية تمتاز بالطول نسبيّا متجاهلا لصدور و أعجاز الأبيات الشعرية مع التنويع في
اختيار الرّوي ليفتح لنفسه مجلات أرحب للتعبير و الإحاطة بموضوع ملحمته الذي
يتطلّب الإطالة من جهة و حتى لا يرهق ذائقة القارئ بشكل رتيب واحد لأنّ النفس
البشرية تنزع إلى التجديد و التنويع و التحليق في مقامات جديدة ،و للقارئ والذائقة
الجمالية و النّقد البنّاء حريّة الحكم و ترجيح كفّة الشعر من النثر .
تعمّد الشّاعر استدعاء لفظة "فاتحة"
بالتنكير ليصطاد بها عصفورين في آن واحد ؛فكأنّ هذا المقطع بمثابة مقدمة أو تمهيدا
لما سيستقبل و في نفس الوقت تبركّا بأسماء سورة الفاتحة ..سورة الحمد و الكافية و
الشّافية ليشير ضمنيّا إلى هذه المقامات الرّفيعة غير أنّه و تفاديا لوقوع اللبس
على القاري أتى بها بصيغة التنكير"فاتحة" مزيحا بذلك أيّ استشكال أو
غموض قد يشوّش عن القارئ رؤيته الواضحة ..و هذا ملمح بيانيّ بديع يندرج ضمن حسن المطالع التّي تحوي جرعات زائدة من التّشويق
و الإغراء للقارئ..
"فاتحة" ..خطّة
الشّاعر اقتضت أن تكون فاتحة الملحمة من الشّعر العمودي و اختار حرف السّين
المكسور كرويّ و هو من الحروف المهموسة التي لها دلالات بعيدة و عديدة ليس هنا
مجال توضيحها و شرحها ..و كذلك تعمّد الشّاعر أن يختتم قصيدته بنفس التّشكيل و
الجنس مراعيا البحر و القافية و الرّويّ و ليس هذا من قبيل الصدفة مع تغيير بسيط
في العنوان "إخلاص" ليجمع بين الحسنين ..تلميحا لسورة الإخلاص ..سورة
التوحيد من جهة و ما تحمله هذه الكلمة من معاني الصدق و الوفاء و الولاء و التّأثر
..فكأنها قصيدة واحة فرّقت بينها نصوصا جمعت بين النثر و النّظم كما سبق ذكره..و
هذا من حسن الخاتمة إن صحّ هذا التعبير و قد نطلق على هذا الخاتمة بحكم كون
الملحمة قصّة "قفلة" و للقارئ في ذلك مندوحة و سعة.. و بلغة الرّياضيات
فقد قسّم الشاعر قصيدته السينية إلى قطعتين تحوي كلّ منها على أربعة أبيات و عند
الاجمع بينهما نحصل على ثمانية أبيات شعريّة و هو الحدّ الأدنى لتسمية مقطوعة
بقصيدة مكتملة الأركان على إحدى الأقوال و
ما العنوان إلاّ من باب توجيه القارئ و إرشاده و بذلك فللقارئ حريّة الاختيار بين
قراءة القطعتين منفصلتين أو مجتمعتين و هذا من الإبداع و الدّهشة و الإضافة ..
آنسْتُ بَرْقَكَ في غيومِ نُعَاسي،
والشعرُ يَرْسُمُ رِعدةَ الإحساسِ.
وَسَقَيْتَني كَأْسَ التدبُّرِ ليـلةً،
يا صَحْوتي أبدًا بِتلك الكــاسِ.
وَنَسَجْتَ مِنْ وَجَعِ الطريق مَحَبَّةً
تَهَبُ الشتاءَ حرارةَ الأنْفـاسِ.
أنتَ الـمُوَحِّدُ بالتعدُّدِ مؤمنٌ،
بَصَمَاتِ ناسٍ، آيةً للناسِ.
في هذه الأبيات إشارات صوفيّة و ملامح عشق صوفيّ
طافقة بالأحاسيس الجيّاشة و المشاعر الملتهبة فكأنّ الشّاعر أراد بداية أن يلفت
ذهن القارئ إلى حيثيّة تاريخية من حياة الأمير عبد القادر الجزائريّ و هي صوفيّته
أو اتخاذه الطريقة الصّوفية منهجا و سبيلا في نيل مرضاة الله تعالى و رضوانه ..و
الشّاعر لم يجنح إلى هذا الأسلوب عبثا بل ليربط فيما بعدُ و يليه من أبيات و نصوص
بين شخصيتين بارزتين للأمير عبد القادر..شخصيّة الصّوفي النّاسك و شخصية المجاهد
البطل المغوار اللتين كان لهما فعل السّحر و الأثر و الخلود ..و كأنّه يجمع بين
شخصيّتين كبرتين في التاريخ الإسلامي..الفضيل بن عياض و ابن المبارك رحمهما الله و قصّة الأبيات
المشهورة:
يا عابدَ الحَرَمينِ لوْ أبصرْتَنا ... لَعلمْتَ
أنّك في العبادةِ تَلْعبُ
مَنْ كان يَخْضِبُ خدَّهُ
بدموعِهِ ... فَنُحُورُنا
بِدِمَائِنا تَتَخَضَّبُ
أو كان يُتْعِبُ خيلَهُ في
باطلٍ ... فخيولُنا
يومَ الصَّبِيْحَةِ تَتْعبُ
رِيْحُ العَبِيْرِ لكمْ ونحنُ عبيرُنا ... رَهْجُ
السَّنابكِ والغبارُ الأطْيبُ
و لشدّة ترابط هذه الأبيات و قوّة تلاحمها الموضوعي
فمن الصّعب التّفريق بين أبياتها لذلك فسألجأ إلى قراءتها ككتلة نفسيّة شعوريّة
واحدة أو دفقة إحساس عارم جعلت من الشاعر
نذير طيّار مريدا صوفيّا من مريديّ الأمير عبد القادر .. و لبيان شدّة تأثر
الشّاعر نقف عن حقل دلالي حافل بالمعاني و بارز للعيان ألا وهو حقل الصوفيّة أو
حقل السّلوك كما يحبّ ابن تيمية رحمه الله تسميته ..أكثر من خمسة عشر لفظ زيّنّ
الشّاعر أبياته الأربعة بها:[الأنس/البرق/الإحساس/السّقيّ/الكأس/التّدبر/الليل/الصّحوة/الوجع/الطريق/المحبّة/الأنفاس/التوحيد/التّعدد/الإيمان]
و الملاحظ بأنّ لجميع هذه الألفاظ عند الطرق الصّوفية حضورا بارز في
أدبياتهم و نصوصهم و أشعارهم و لو رحنا نعدّد ذلك للزمنا صفحات بل أسفارا ..و لعلّ
هذا الحقل الدّلالي قد أجاب على أسئلة كثيرة كاشفا بذلك نوع و طبيعة شخصية الأمير
الصوفيّة و تأثرّه بالأشاعرة في الاستدلال و زهدهم و إيثارهم لخلواتهم مع الله
تعالى بعيدا من أعين النّاس و صخب و فوضى الأشياء..و بهذا نلحظ شدّة تأثر الشاعر
بسيرة الأمير و من وحيّ هذا التّأثر و الوفاء جاءت هذه المقامة و هلّت بركاتها
فكان الأنس حاديها و البرق داعيها و الكأس ساقيها ثم آخرا الإيمان جامعها و مجراها
و مرساها...
(1)
مقام الشذا
قسّم الشاعر ملحمته تقسيما بديعا مغتنما و موظّفا لــ:
- فنّ المقامة في تشكيل مقاطعها.
- الاستفادة من فكرة المقامات الموسيقيّة
عند العرب خاصة و عند غيرهم عامة .
- اعتماد المناسبات و السيّاقات لعكس كلّ
مرحلة من المراحل العمريّة للأمير عبد القادر..
- المزج بين مقامات الصّوفية في طريقهم إلى
الله تعالى و ما تفتحه هذه التّوظيفات الجديدة من فتوحات ربّانية تتناسب و طبيعة
سيرة الأميرة رحمه الله..
و التّعبير بالمقام دلالة على الدَّرَجة والمنزلة مصداقا للدعاء المأثور عقب
كلّ رفع للأذان: " وابعثْهُ اللهم المَقامَ المحمودَ الذي وَعَدْتَه "
أي المكانة اللّائقة بخاتم الأنبياء و الرّسل...و تقسيم الملحمة إلى مقامات فيه
بعد إيمانيّ يفيد الإرتقاء و السّمو في مقامات و معارج السّمو الرّوحي و هذا ملمح
لا يخلو منه مقطع من مقاطع ملحمته الأميرية ..
فأوّل مقام يفتتح به مقامته الأميرية : مقام الشّذا:
و الشّذا أريج أو رائحة طيِّبة تفوح من الموادّ النّباتيّة العطرة و هي إشارة
أوليّة على بشارة مولد الأمير عبد القادر و كأنّ لمولده إشارات ربّانية نورانيّة
رآها المقرّبون منه لحظة ولادته تأسيّا بميلاد النبيّ محمد صلى الله عليه و سلّم الذي
تزامنت مع ولادته بشائر كثيرة ذكرها أصحاب السيّر و التّراجم...و هذا أوّل
المقامات في سيرة هذا الأمير الصّغير و كيف سنراه يتدرّج في الرّقيّ و السّمو
ليبلغ أرقى المقامات و أسمر الرّتب ..
و للإشارة فقد سبق الشّاعر نذير طيّار شعراء نحوا هذا
النحو كقول أحدهم: تبدى المقام وفاح الشذا
أو قول ابن الشّرقي في قصيدته: يا مقلتي هذا المقام الأكبر:
يا واحدي المصلوبُ في جهةِ الشَّذا... أدركْ صليبكَ في مقامِ النَّرجس!
و يوجد من ذلك الكثير من الأمثلة لشعراء كثّر أيضا..
ما نلاحظه أوّلا على هذا التشكيل أو الجنس الأدبيّ جمع
الشّاعر بين النظم و النثر و اعتماده على بحريّ الكامل و الرّجز لتوافقهما و
انسجامهما و تناغمهما و كذلك استخدامه لبعض علامات التنقيط كالنّقاط الثلاثة التي
تفيد اختصار جملة و أكثر و بين معكوفتين التي تبرز خصوصية و أهميّة المنقول و
الفواصل للتفريق بين أجزاء الجملة الواحدة المشتركة ، و النّقطة الواحدة التي تعني
نهاية الفكر و بداية فكرة ثانيّة و كأنّ تأثر الشّاعر بالرياضيات و علامات
الحساب ..كما أنّ هذه النصوص راعى فيها
الشّاعر الاختصار و التكثيف و الرمز و الإشارة و كلّها من خصوصيّات الشاعر بينما
ترك له فسحات كبيرة و هو يستخدم فن المقامة الذي يستوعب المزيد من المعاني و
العديد من الجمل و المفردات.. و قد أتقن هذا الأسلوب أو هذه اللعبة الأسلوبية
البيانية و برع فيها براعة لا نظير لها و قد وفّق في ذلك توفيقا كبيرا...و يعتبر
الشطر الثاني من البيت الأخير بمثابة القفلة لما سبق من الأبيات و هو دعوة صريحة
للإقتداء بسيّر هؤلاء الأبطال الميامين"بصمات ناس،آية للناسِ" فعلى قلة
عدد كلمات هذا العجز إلاّ أنّه لخص القصيدة برمّتها و يذكّرني بقوله تعالى:"الذين
قال لهم النّاس إنّ النّاس قد جمعوا لكم" غير أنذ الشاعر عنى بالنّاس في
قوله"بصمات" مآثر الأوائل و بطولاتهم و مواقفه و بالنّاس في قوله" آية
للناس" الأجيال و الأبناء التي تأتي من بعدهم و هذا ربط عجيب بين الأول و
الآخر و دليل على وحدة الطريق و الهدف و الغاية و الوسيلة و هذا من الأبعاد
التّداولية المهمّة في قصيدة شاعرنا نذير طيّار..
بدأ ملحمته بثلاثة حروف ليضرب عصفورين بحجر واحد..
الّدخول في الموضوع أولا و إيثاره الاختصار ثانيا بإشعار القارئ اعتماد الشّاعر
على أهمّ عناصر سيرة الأمير عبد القادرو مكتفيّا بنزر منها و لا تزال جوانب أخرى
من سيرته لم يرتئي الشاعر ذكرها و سردها ..
...وَأَتَتْ عَلَى رَجَبٍ أواخِرُه ربيعًا، بعد فتحِ الهجرة المأوى
بِأَلفٍ، فَاثْنتَيْنِ، وعَشرتيْن تَقفَّتَا مئتيْ سنَهْ.
شمسٌ تُوَدِّعُ راعيًا أرخى العنانَ
لِنايِهِ، ريحٌ تُراقِصُ سُنبُلاتِ "الـﭭِيطَنَهْ" .
قمَرٌ تَعَرْجَنَ حالمًا، يتأمَّل الآتي
بِضوءٍ لا يشيخ مسافرٍ من نائياتِ الأزمنهْ.
يهوي مساءً ساجدًا، يدنو، يسامرُ نجمةً
ذَهَبِيةً في مِئْذَنَهْ.
وفراشةٌ تنسلُّ للحقل المجاور كي تبوح
بِسرِّها للسَّوسنهْ:
«بُشرى لِـمُحيِ الدين، لِـ"غْريسٍ"، لنا، لكمُ،
لِـ"زهرتِنا" شذًا عَبَقتْ بِشاعرنا الذي يستلُّ روحهُ كيْ
يُطَهِّرَ مَوْطِنَهْ»
بلغة تجمع بين التجريد التّاريخي و روح فن المقامة و آليات الشعر يفتتح الشاعر طيار ندير قصيدته الملحميّة محدّدا و على طريقة الأقدمين في تعيين التواريخ قبل ظهور الأرقام العربيّة لحظة ميلاد الأمير عبد القادر في 15 رجب 1223 هجرية الموافق ليوم الثلاثاء 06 سبتمبر 1808 بقرية القيطنة بالقرب من ولاية معسكر غرب الجزائر المحروسة.. و للهروب من جفاف لغة التّاريخ و صلادتها "لغة الأرقام" ضمّن هذا المقام أو المرحلة العمرية لغة الشعر و الإحساس و الجمال مبرزا الفرحة العارمة التي سادت بيت الأمير عند ولادته و شدّة تأثر والديه محيّ الدين و الزهراء[الزهرة بنت الشيخ سيدي بودرمة] و كذا قبائل و أهالي سهل "غريس" بمعسكر ؛فكانت ولادته بشرى للجميع و للجزائر خاصة...و إذا أرنا أن نعكس ذلك الجوّ البهيج لحظة ولادة الأمير فلنقف على حقل آخر يدخل ضمن حقل الميلاد و الذي ضمّ ألفاظا كثيرة كلّها اجتمعت على عكس تلك اللحظة المميّزة و التي منها:[الشمس/النّاي/التراقص/السنبلات/القمر/العرجون/الحلم/الأمل/الضوء/السّجود/الدّنوّ/الفراشة/الحقل/البوح/ السوسنة/البشرى/الشذا/العبق] كلّ هذا الكمّ يعكس بجلاء مدى فرحة العائلة و القرية بميلاد هذا الأمير المستقبلي الذي سيكون له شأن كبير و حاسم في تاريخ الجزائر الثّائر..و من اللّائق أن أقف برهة مع لفظة "السجود" و مناسبته للحظة الميلاد إذ من عادة الأسر الجزائرية أنّه إذا ولد لها ابن – ذكرا أو أنثى – يسارعون للسجود كعلامة على رضاهم بما وهبهم الله تعالى و كذلك كان شأن محي الدين والد الأمير عبد القادر المحتفل به.. و للقارئ بعد ذلك استنطاق تلك الألفاظ و السيّاحة في مجاني معانيها و الوقوف عند كنوزها و أسرارها ..و تلك بضاعة غاليّة نفيسة..

تعليقات
إرسال تعليق