الشّهيد نورالدين نايت : مذكراتي كشف الأستار عن بنات الأفكار ممن ساقتهمُ الأقدار ..الحلقة15

 الشّهيد نورالدّين نايت:



أحببت على غير عادتي أن أبتدأ هذه السيرة العطرة بكلمة تأبينية ألقيت في وقتها المناسب ليتبيّن من خلالها مدى الحبّ الذي أكنّه لأخي نورالدين و عمق الأخوةّ التي بُنيت عليها صروحها منذ الصغر إلى يوم فراقه المحزون..

"نورالدين" تلك الإبتسامة العفوية العذريّة الدّائمة ، و تلك العاطفة الملتهبة الصّادقة، و ذلك القلب ناص البياض، و ذلك الجسم الطّافح بالحركة النافعة و النّشاط الدؤوب...إنّ فيض الدّموع التي سالت من وديان القلوب لم تترك يوم جنازته للعقل أن يتأمّل، و لا للفكر أن يحلّق و يبصر..إنّها لجنازة مهيبة رهيبة..رهبة المحمول على الأكتاف..إنّها لجنازة مشهودة لملاك ودعناه..و إنّه ليوم أغرّ لشهيد يوسد جثمانه التّراب..كانت القلوبوقتئد مطرقة من الوجد ، و الأجساد منهكة و متعبة من الأحزان، و العيون تجود من دمع القلوب بحارا و أنهارا و وديانا..و في غمرة هذه المشاهد المبكية الباكية و وسط تنهدات عميقة متقطّعة و زغاريد مسترسلة مقطّعة الأوصال و مبحوحة الأصوات كانت القلوب تسأل و لا مجيب فيزيدها خيبة التساؤل وجدا على وجد..أتقطف الثّمار الطيّبة و تترك الفاسدة لتمرح و تلعب و تعيث في الأرض خرابا و فساداو يوسع للأعشاب الضارّة في المجالس و النوادي...أتخبو شموع الأمل الحالمة و تمحى أنوار البدور و الشموس و يؤذن للظلمات و الدياجي بالحظوة و التبجيل و التقديم...أيّها القلب جدْ و لا تجمد ..أيّها الدّمع اكتب ملحمة الشهيد نورالدين..أيّها الزمان انحتْ على جداريتك السّرمديّة و بمداد من نور ز طهر ذكريات لا تعتريها شدّة الرّياح العاتية و الأعاصاير الهوجاء و لا قساوة الزّمهرير و لا غضب البراكين و لا سطوة الزلازل المدمّرة بل لا تزيدها إلا قوّة على قوّتها و طهرا على طهارتها و رسوخا و ثباتا و خلودا..

أخي نورالدين: إنّني أحوم حول الحمى و لا أراني بلغت المرتع...       و مهما وصف فلن أوفّق ..فمعذرة إنْ عجز البيان عن التّعبير و اضطرب القلم بين موجات البنان و فرّت الكلمات و تصارعت المعاني في ساح الصدر و لم تطاوعْ حزني الذّاكرة و لم تسعفني أطيافها لأنّ ذلك اليوم كان للدموع و الخشوع و الدّعاء و الاعتبار..فوداعا إلى حين:

ما كانت لهذه المشاعر أن تعرف النّور لولا الحبّ الكبير الذي سرى بين جنباتنا ، و لما بكت عيون القريض تنعي قلبا طاهرا مضى حيث الخلود و الرذضوان ..و إليك بعض أوسمة القريض:

أعبْقُ  الشّهادةِ  تغتالـــــــــهُ   ..  مخالبُ  غدرٍ تعافُ الصّلاحْ

فذكرُ  الشهيد حديثُ السّما ..  و حبُّ الأنام بشيرُ فلاحْ

من "النّور و الدِّين"[1] صُغتَ لنا..قصائدَ حبٍّ تفوحُ انشِراحْ

فأرحمْ إلاهــــــــي فؤادا هوى  .. صريعَ أيامــــى و داعـــــــــي نُواحْ

و حيّ ملاكا يزفّ المُنى  ..  يهدّ الدّياجي و يُعْلِي الطِّماحْ[2]

فضّلت أن أضع هذه المقدمة الحزينة الكئيبة بين يدي ترجمة الشهيد نورالدين الذي يعلم الله تعالى و لا نزكي على الله أحدا حبّه للفقراء و المساكين و الأيتام و الأيامى و الثكالى و كيف كان وقت المحنة في تسعينيات هذا القرن يتفقد تلك الأُسر و يصلهم بما تيسّر برغم كثرة التّهديدات بالتصفية و طغيان موجات الخوف العارمة و براكين الدم المتفجّرة في كل آن و مكان..

إنّني مهما وصفت و أطلت فأحسنت و لانت مهج المعاني و استرسلت  فلن أوفيّ قطرة دم واحدة سالت من جسك الطّاهر ..إنّنا في هذا الطريق فقدنا الكثير من إخواننا و لكن فقد أخي نورالدين كان له وقعا آخر، و نزفا لم يفتأ يزيد و يتسع ..فرحم الله أخي نورالدين و نسأل الله تعالى أن يلحقنا به ، و بأحبّتنا غير فاتنين و لا مفتونين..

 

 ----------------------------------------------


[1]  عندما تجُمعُ  لفظتا  النور و الدين يطفح اسم أخي نورالدين شامخا محلّقا  و قد كان كذلك رحمه الله تعالى

[2] القصيدة كاملة مثبتة في إحدى مجموعاتي الشعرية. 

تعليقات