الملحمة الأميرية من المقامة الجزائريّة ..للشاعر الجزائري نذير طيّار: مقام النّار: الحلقة الرّابعة و الأخيرة
مقام النار
مقام النّار من المقامات الصّوفية الرّفيعة لأنّ لهم
تفسيرهم الخاص للنّار ..فالنّار عندهم أنواع: نار الشّهوة و نار الشّقاوة و نار
القطيعة و نار المحبّة التي تحرق كلّ النيران السّابقة ..و هذا تفسير معروف و
مأثور عن الصوفية ..و بهذا التّخريج تتناغم المقامات الأربع في ملحمة الشاعر نذير
طيّار ..هذا الملمح الصوفيّ جريّا و قياسا على سابقيه من المقاماتالثلاثة..مقام
الشذا و مقام الظل و مقام الشّروق.. و قد أشار الشاعر إلى هذا صراحة حين قال: "مُتَوَهَّجِينَ
بِشوقهِمْ وَمُدَجَّجِينَ بِعِشقهِمْ، يستنشِقُ الحُجَّاجُ عِطْرَ تُرابهِمْ إثْرَ
المطرْ." و بذلك نسير مع الحادي
سموّا و ارتقاء في تلك المقامات الصوفية و المراتب العليّة ..
و كما بدأ ملحتمه بثلاث نقاط تعمّد بداية ختامها بثلاث نقاط أيضا مشيرا بذلك إلى تجاوزه عن ذكر تفصيلات
تاريخية مجالاتها بطون كتب التّاريخ ،و ما أثر من أخبار و أحداث ..
...وَاجتازَ عبدُ القادر العشرينَ، فاختلقتْ فرنسا عُذرَها لِذُنُوبِهَا
مِنْ مِرْوَحَهْ،
بالشرق أحمدُ بيتُه في حصنِه، بِالغرب
مُحْيِ الدِّينِ صَدَّ المذْبَحَهْ،
حَرْبُ العصابة سِرُّهُ جمرٌ لهيبٌ مِنْ
صَقَرْ.
في هذا المقطع يبلغ الأمير عبد القادر عتبة زهرة الحياة..
عمر العشرين سنة ..حماس فيّاض و حركة مستمرّة.. و أحلام كثيرة تنظره في الأفق..و
مهام أكبر تدعوه تستفزّه ؛غير أنّ هذه المرحلة الحافلة تخلّلتها حادثة المروحة
المختلقة في 29 أبريل 1827م التي كانت
الذريعة أو السبب غير المباشر لإعلان فرنسا الحرب على الجزائر ومن ثم احتلالها سنة
1830م لمدة 132 سنة كما تؤكّدها الوقائع التّاريخية حيث جرت أحداثها في قصر الداي حسين عندما جاء القنصل الفرنسي
بيار دوفال إلى قصر الداي يوم عيد الفطر..و بذلك اندلعت الحرب بين أحرار الجزائر،
و الغازي المستبدّ فرنسا على جبهتين كما قال الشاعر..ففي الشرق الجزائري يقود
الداي أحمد حملة الدّفاع عن الوطن و في الغرب تصدّي للدفاع عن كرامة الوطن أب
الأمير محي الدين ..و كانت خطّة الشيخ محي الدين في المواجهة و التّصدي انتهاج
سياسة الكرّ و الفرّ في شكل عصابات أو كتائب قليلة العدد سريعة الحركة ..فكان
دفاعه هذا بمثابة جمر ملتهب رجم به جيش فرنسا الهمجيّ الغاصب.. و تستمرّ المعركة و
يحتدم أوارها و يجتمع القوم للتّشاور و تحديد الرأي المناسب و الموقف المكافئ لصدّ
همجيّة فرنسا..
ردَّ الحكيمُ على كبارٍ محَّضُوهُ
ولاءَهُمْ،
«هَرِمٌ أنا، كَبُرَتْ عليَّ
إمارةٌ، وَفَتايَ عقلٌ، في النوازل أسلِموهُ زِمَامَكُمْ»
هيَ بَيْعةُ الدَّرْدَارَةِ الوُثْقَى،
سبيلٌ قدْ قُدِرْ.
و ملخّص هذا
المقطع تنازل الشيخ محي الدين الحسيني
لولده "عبد القادر" ،و مطالبة أعيان و شيوخ قبيلته بالبيعة ابنه الأمير تاركا لهم اتخاذ قرارهم السيّد
بعد التشاور فيما بينهم،على أن يكون
الموعد المقبل في سهل "غريس" تحت شجرة "الدردارة "صباح
الاثنين 27 نوفمبر 1832م حيث تمت مبايعة الأمير عبد القادر في نفس المكان وفي نفس التاريخ
المحدّد مطلقين عليه لقب «ناصر الدين»
وكانت هذه هي "البيعة الأولى" كما يقول الباحثون...
يَا ناصرَ الدين القويمِ أبَا الليالِي
والنَّهارْ ،
يا مَنْ أَذَقْتَ فُلولَهمْ كأسَ المذلَّةِ
والصَّغارْ،
في المقطع
العادونَ قدْ غَرِقُوا زُمَرْ.
جَاؤوكَ يبْغُونَ السَّلامَ بِمَكْرِهِمْ،
أَنْتَ الذي أوْجَعْتَهُمْ عند القِتَالْ،
الناقضون عهودَهُمْ، أَسَرُوا "رجالًا
للرجالِ هُمُ الرجالْ"،
هُوَ كيدُها، لكنَّما كيدُ الإلهِ يجيءُ
واحدةً كلمحٍ بِالبَصَرْ.
يا مسلِمًا سَلَّ النَّصارى مِنْ فَمِ الأفعى رِجَالُهْ،
و يزيد هذا المقطع بطولات الأمير عبد القادر و كفاحه
المستميت بالليل و النّهار و قد أذاق فلول المغتصب المذلّة و الصغار و قتا منهم
جماعات جماعات حتى ألجأهم إلى طلب الأمان و عقد معاهدة سلم و كان لهم ذلك لكنّ
المحتل الغاشم سرعان ما نقض عهده فمثله
مثل الأفعى متى أحسّت بالدفء و الأمان حتى لدغت صاحبها ..
ثمّ يختم
الشّاعر هذا المقطع بمشهد حزين كئيب يحكي استسلام الأمير عبد القادر واختياره
المنفى طوعا و قد اختار سوريا وأهل الشّام ..
يا زائرًا عَشِقَتْ دِمَشْقُ مُقَامَهُ،
وأضاءتِ المنفى خِصَالُهْ،
أيُّ القوافي ترتقي لِنُجومِهِ؟ أيُّ
المتون لِكَونِ فِقْهِهِ تَخْتَصِرْ؟
و بهذين البيتين يسدل الشّاعر السّتار عن أحداث
ملحمته الأميريّة مبيّنا حسن استقباله و
ضيافته من طرف أهل الشّام الأحرار النّشامى، و استمرّت عطاءاته لم ينقطع حبل وصلها
فألف المتون الفقهية ،و الكتب الشرعيّة فوصل بذلك جهاد اليد بجهاد القلم فأبدع في
الجهاديْن..فرحم الله تعالى الأمير و جنده المغاوير..
اختتم الشّاعر الجزائري ندير طيار ملحمته البطولية كما
بدأها بأربعة أبيات عموديّة سينية كدلالة على إيثاره الشكل العموديّ على شعر
التفعيلة الحرّ مع انفتاحه على الشعر الحرّ الهادف النّاضج..فكأنّ المقطعين بمثابة
فتح قوسين أو فتح ذراعين للوافد دون التّفريط في الموروث
..و تلك إشارة خفيّة جليلة..
إخلاص
ضاقتْ رحًى واستحْكَمَتْ حَلَقاتُها،
والجَارُ خَانَكَ في الزمانِ القاسي.
أَبْدَعْتَ عاصمةً تسيرُ بأهلهـا ،
غدْرًا هَوَتْ فانهدَّ رُكْنُ أساسِ.
وَزَرَعْتَ في التاريخ ثورةَ عابِدٍ،
ذاقَ الجَنَى بِقِيامةِ الأَورَاسِ.
ما خُنْتَ لَحْنًا بالسلاح عَزَفْتَهُ
سبْعًا وعشرًا، يا شَديدَ البَاسِ.
و يدفع الحنين الشّاعر إلى معشوقه الشعر العموديّ
فيبدع كعادته و يأتي بالجديد محقّقا بذلك دهشة القارئ و استمالة عواطفه إلى شفيف
شعره و جميل نظمه و عمق معانيه و سموّ مقاصده..
"إخلاص" إشارة كما سبق ذكره إلى سورة
الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن و في نفس الوقت إعلان صريح لاستمرار حياة الأمير في
منفاه في ظلّ الوفاء لمبادئه و قناعاته و وطنه و أنّ النّفيّ لم يزده إلا تشبتا
بقضيّته و وفاء و استمرارا و تحديّا.. في الشّطر الأولمن البيت الأول: " ضاقتْ رحًى واستحْكَمَتْ حَلَقاتُها، " اقتباس من
قول الإمام الشّافعي:
وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى
ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ
ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها
فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ
و هذه إشارة ذكيّة من الشّاعر إذ يجعلك دوت تكرار
المعنى تهتدي إلى نتيجة شطره أي و عند الله المخرج و بيده الفرج و في هذا الأسلوب من
حسن الاختصار و الإشارة ما يغني القارئ و يروي عطشه ..غير أنّ الشّطر الثاني يعكس
تخلّف الجار عن نصرة الأمير بالرغم من وحدة الوطن و الدين و المصير " و الجار خانك في الزمن القاسي" من بعد ما أسست دولة مدنيّة كاملة الأركان غير
أنّ كثرة الخيانات و الدّسائس هدّت أركانها و أتت على أساسها و هذا الأسلوب هو من
باب رثاء الوطن ..لكن زرعت بذور الثورة في نفوس الثائرين الأحرار لتتوّج بثورة
عارمة فاصلة كان مطلعها ليلة يوم الإثنين من أول نوفمبر من على جبال الأوراس
الشامخة.. و يرجع الشّاعر سبب استمرار و انتصار حركة الثّوار إلى طبيعة المنهج
الصّوفي "ثورة عابد" الذي يرفض الذل و الضغار و السّكينة ..فمن طبيعة
مقام النّار أنّه يذيب الطبائع فيخرج خبثها و يترك أصيلها خالصا نصوحا ..ثم يختم
قطعته السّينية بقوله:
ما
خُنْتَ لَحْنًا بالسلاح عَزَفْتَهُ
سبْعًا وعشرًا، يا شَديدَ البَاسِ
و ها هو الشّاعر نذير طيّار يقتبس مرّة أخرى و ذلك في
قوله: "ما خنت لحنا بالسّلاح عزفته" من
النّشيد الوطني الجزائري:
لم يكن يصغى لنا لما نطقنا
فاتخذنا رنة البارود وزنا
و عزفنا نغمة الرشاش لحنا
وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا... فاشهدوا... فاشهدوا...
و محل الشّاهد "و عزفنا
نغمة الرّشاش لحنا" ، و بذلك يربط بين جيلين بل بين أجيال متعاقبة
مبرزا طبيعة نفسية الشعب الجزائري الثّائر التي ترفض الخنوع و الاستسلام للضيم و
الظلم مهما كانت قوّته و بطشه .. و بذلك يسدل السّتار عن ثورة دامت سبع عشرة سنة
كما أثبتها في عجز الشّطر الأخير: "سبْعًا وعشرًا،
يا شَديدَ البَاسِ" أظهر فيها الأمير بأسا شديدا و بسالة منقطعة
النّظير ...
من حقّ القارئ أن يسأل :
- هل وفّق الشّاعر نذير طيّار في صياغة
ملحمة شعريّة تعكس بطولات الأمير عبد القادر و حياته الثّائرة؟
- هل مزجه بين النّظم و النثر كان له الوقع
الكافي في نفسية القرّاء أم أنّ مثل هذا التشكيل الأدبي قد أثّر سلبا على الذائقة
الجمالية و الأذن الموسيقية للقرّاء؟
- استخدامه لمقامات الصّوفيّة في عكس
الفترات ااتاريخية و العمرية للأمير ما له
و ما عليه؟
- هل كان اختياره للرويّ و القافية عن قصد
أم الحدث التاريخي أو الجغرافي حتّم عليه ذلك مثل "القيطنه"
المذبحه"..؟
أترك الإجابة عن هذين التساؤلين
إلى القرّاء أولا و إلى النّقاد ثانيا ..و قد ضمّنت إجابتي كقارئ في هذه القارءة
المستفيضة و إن كنت أأمل أن تتبع هذه القراءة الجمالية بقراءة تداوليّة تتناول
المكوّن اللساني " النحوي و الصرفي و الوظيفي" كما تلتفت إلى آليات
التداولية من إخباريات و إشاريات و حجاج بلاغي و منطقي بما يحقّق عناصر العملية
التّواصليّة وفق ما تقتضيه المقامات و السياقات و ظروف الأشخاص و الزمكان ..
و بعد فهذه قراءة جمالية بحثة اكتفت بالسباحة الشاطئية دون الولوج إلى أعماق أعماق قيعانها لشاعر جزائريّ دانت له رقاب المعاني و جاءته تطلب ودّه و وداده ، قد ملك من البيان و حسن التأليف و طول التجربة ما يؤهّله لتربّع عروش الإبداع و الدّهشة "و ما توفيقي إلاّ بالله ربّ العالمين"..

تعليقات
إرسال تعليق