الأستاذ ملود نايت بلقاسم :مذكّراتي كشف الأستار عن بنات الأفكار ممن ساقتهمُ الأقدار: الحلقة 16

 

       الأستاذ ملود نايت بلقاسم :




من محاسن الصّدف و جميل أقدار الله تعالى أنْ وفقني للإلتقاء بعلماء فطاحل و مفكرين لامعين و رجال أخيار بارزين و كان ذلك بمناسبة انعقاد ملتقى الفكر الإسلامي بمدينة تبسة العامرة الشهباء.. كوكبة من الأقمار النيّرة الزّاهرة  أضاءت و لا تزال الكثير من عتمات فكريّ و فضاءات نفسي و ساحات عقلي..بل فلقد أزاحت بعض الأفكار الخاطئة التي سدّت عليّ رؤية الآفاق، و الاستمتاع بسعتها و بهائها و وضوع معالمها ..كلتقى فكريّ جامع مانع كان لي بحقّ فاتحة خير و باب مشرع للبركات، و نعمة ربانيّة لا تنقطع ..في ذلك الملتقى السّعيد كنت أرى و ألمح من بعيد و من قريب هذا الرّجل الفاضل –وزير الشؤون الدينية وقتها – و كأنّه آلة ميكانيكيّة لا تفتر و لا تتوقّف من الحركة و النّشاط ..كان كتلة كبيرة تتحرّك في كلّ الاتجاهات و كأنّ الرّجل لا ينام و لا يرتاح ، و بالإضافة لإشرافه على مجريات و فاعليات الملتقى كانت له لقاءات عديدة عامة و خاصة كنت قد حضرت و تشرفت بإحداها...كان رحمه الله رجل حاضر الفكر ، سريع البديهة لا يترك شاردة و لا واردة ..بريق عينيه يشدّك إليه شدّا شديدا و يكاد يطال كلّ ما و من يتحرّك..دائم الإبتسامة ، حسن النّكتة إذا تحدّث في مجال ما فكريّ أو لغويّ أو دينيّ فكأنّه الفارس الذي تهابه الأبطال المغاوير و تخشى مواجهته الفرسانالأشدّاء..يتقن عدّة لغات و يتكلّم بها طلق اللسان حيث تنساق إليه سوقا و تطاوعه طوعا و لا تعصي له أمرا..

في إحدى مداخلاته أطلق العنان لنكته اللغويّة و طفق يتحدّث عن اللغة العامية الدارجة الجزائرية باقتدار و اعتزاز و علم و دراية فسرق لبّ الحاضرين و أسر قلوبهم و عقولهم و سحر أبصارهم و نال إعجابهم و انتباهم و طاله الكثير من التصفيقات و الإعجابات..و أذكر من نكثه تلك قوله رحمه الله فيما معناه:" يظنّ البعض بأنّ كلمة "هرد" من اللهجة الدارجة بلى فإنّها من اللغة العربية الفصيحة من الفعل هرد،يهرد،هردا..أي فعل به الأفاعيل و لم يترك له منفذا و لا مخرجا ..فعلت القاعة بابتسامات اعتراف و تعجّب من هذه الموسوعة البشريّة المتنقلة النّاطقة..

ثم شرع في ضرب الأمثلة مصحّحا بذلك الكثير من المفاهيم الخاطئة التي يحملها إخواننا المشارقة عن الشعب الجزائري و لغته و تاريخه..و مما زادني إعجابا به و تقديرا و إشادة حضوري للقاء خاص في مسجد الجامعة و كان ذلك على هامش أعمال و أنشطة الملتقى تحدّث فيه عن الكثير من الموضوعات التي تخصّ الجزائر و وضعها الثقافي و السيّاسي و حقيقة لغتها و انتمائها و هويذتها فأبدع و أجاد و أدهش الحضور و لن أنسى نكته المضحكة الهادفة حتّى أنّه من فرط ذلك كاد أن ينطق بكلمة سوقيّة نابية مقزّزة..و ممّا شجّعني على مناقشة و طرح سؤال كان عالقا في ذهني كون الأستاذ وقتها كان وزيرا للشؤون الدينية و ال,قاف فسألته و كنت أرغب و أتوق لسماع الإجابة ..قلت له سيادة الوزير هل قرأت كتاب"جبهة التحرير الوطني بين الحقيقة و الأسطورة" قال : نعم، ثم قلت له: " و هل طبع الجزء الثاني منه؟ فقال: نعم ..فقلت : هلاّ حدّثنا عنه؟  فاعتذر و أرجأ ذلك إلى مناسبة أخرى نظرا لظروف الملتقى الخاصة و الأوضاع التي لم تتضّح بعد و التي تحتاج إلى مزيد من الوقت و الصبر و الاستكشاف..

للتّاريخ فقد كانت محاضرته جدّ مفيدة بل و من أمتع  و أنفع ما سمعت ..أذكر كذلك صرامته في إدارة جلسات الملتقى والحفاظ على الوقت فكان لا يسمح لأيّ كان أن يتجاوز الوقت المسموح به ،وكم أوقف و أزعج بعض المحاضرين على علوّ قدرهم و مكانتهم العلمية و الفكريّة ؛فكان رحمه الله رجلا دقيقا يوافق بين الجد و الهزل ،و العلميّة و النكتة..غادرت الملتقى و في نفسي الكثير الكثير و لازلت أحترم الرجل رحمه الله حيّا و ميّتا و قد شجّعني أسلوبه و ثقافته للنهل من بعض كتبه و مقالاته و أبحاثة التي كان أبي رحمه الله تعالى قد اقتناها وبحكم عملي بالمكتبة الجامعية المركزية فقد اطّلعت على الكثير من المجلات التي كان يسهم في إثراها مثل فواصل" و غيرها..رحمه الله تعالى برحمته الواسعة و ألحقنا به غير فاتنين و لا مفتونين..آمين 

تعليقات