الملحمة الأميرية من المقامة الجزائريّة ..للشاعر الجزائري نذير طيّار: مقام الشّروق: الحلقة الثالثة

الملحمة الأميرية من المقامة الجزائريّة ..للشاعر الجزائري نذير طيّار: مقام الشّروق:   





و الشروق أو المشرق من مقامات التجلّي وهو دلالة على الإضاءة و الفتوحات و الانكشافات يقول ابن عربي في فصوص الحكمة:"و الشّروق للظهور و عالم الملك و الشّهادة و الغروب للستر و عالم الغيب و الملكوت" [ج2 ، ص.646]..إنّ سبب اختيار الشّاعر لمسميات هذه المقامات كما هو واضح تأثّره بكتاب فصوص الحكم الذي يكشف فيه المؤلف عن فلسفة صوفيّة فريدة صدمت العقول و أبهرت النّفوس و لا تزال محلّ بحث و نقاش و جدل هذا الظاهر..أما الخفيّ المستور فأراد الشّاعر أن يبيّن لنا شغف الأمير الكبير منذ نعومة أظافره و هو ابن سبع للرحلة و السّفر و أخذ العلم من أفواه أصحابه و لو كانوا في الصّين..و قد تحقّقت أمنيته وهو ابن اثني عشرة سنة ليقوم برحلته المشرقيّة رفقة أبيه محيّ الدّين محقّقا بداية ظهور نبوغه أو بتعبير الشاعر "الشروق" و هي لحظة ظهور الجرم السذماوي على الأفق..

عَشِقَ المعارفَ، في الفؤاد كلامُهُ ، حُلُمٌ مشى فوق النجوم ولم يطأْ إثنيْ عشَرْ.

مِنْ قبلِ خمسٍ أشرقتْ تحت الأناملِ واللسانِ حروفُ،

يشير الشّاعر إلى نيل الأمير عبد القادر و هو ابن سبع الإجازة في القرآن الكريم و الحديث النّبويّ الشريف  و تلك علامة من علامات الشّروق التي تنبأ بمسقبل مائز لهذا الفتى الطامح المثابر..

فَجْرُ العظائمِ ناصِعٌ في خيطهِ، قنديلُ رؤيا والعبارةُ كالفراشِ تَطُوفُ،

غَرَفَ العناية أَنْهُرًا مِنْ والدٍ قرأ الفرائدَ في خُطَى طفلٍ عَثَرْ.

الآن تُعزَفُ نفحةٌ قُدُسيةٌ إيقاعها للعاشقين شُفُوفُ،

حَجَّا معًا، عامان مَرَّا، فاشتهتْ روحَ المُريدِ مسافةٌ وقطوفُ،

طافا بقاهرة المعزِّ، ويَمَّما شطْرَ الحَرام، وَقُطْبُ جيلانَ المقرْ .

و من أجل تحقيق حلمه ،و اكتمال معارفه ،و صقل معلوماته جعل من الرحلة و أدبها  سببا و سبيلا ..و يذكر الشاعر بعض محطّات وجهته  تصريحا و تلميحا  حيث ذكر منها مصر "طافا بقاهرة المعزّ " ،و المملكة العربيّة السّعودية " و يمّما شطر الحرام"  ، ثم ختم رحلتهما بالعراق "و قطب جيلان المقر" و أراد جيلان العراق مضمّنا اسم الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله تعالى ..و يذكر الشّاعر أيضا قيامهما بحجة في بيت الله الحرام مما فتح له شهيّة مواصلة المغامرة و القيام برحلته تلك...

و في هذا المقطع "مقام الشّروق" يلاحظ القارئ نبوغ الأمير و عبقريته منذ الصغر وحبّه الكبير لاغتراف المعارف و العلوم  و النّهل من مظانها و بحارها مما مكّنه من حيازة دقائقها و أسرارها الخفيّة ، يعكس ذلك قول الشّاعر:" الآن تُعزَفُ نفحةٌ قُدُسيةٌ إيقاعها للعاشقين شُفُوفُ،" أي نال جلائل العلوم و دقائقها .. و قد أشاد الشّاعر بدور أبيه محيّ الدين  في العناية بابنه منذ الصّغر و عمله الجبّار في تكوين شخصيته و تفجير مواهبه  بعدما اكتشف موهبته حيث قال: "غَرَفَ العناية أَنْهُرًا مِنْ والدٍ قرأ الفرائدَ في خُطَى طفلٍ عَثَرْ...و لم يشأ الشاعر الإطالة في سرد و وصف هذه المرحلة العمرية مكتفيا بإشارات تلفّعت بالقدسية و النبوغ و الشروق كدلالة و إشارة على شأن هذا الفتى في المستقبل القريب.. 

تعليقات