الملحمة الأميرية من المقامة الجزائريّة ..للشاعر الجزائري نذير طيّار: مقام الظل: الحلقة الثّانيّة
مقام الظل: الحلقة الثّانيّة
من مقام الشّذا ارتقاء إلى مقام الظلّ هي رحلة الأمير
عبد القادر ..هذا الفتى الذي حظي بتربة خاصة و عناية فائقة يتقلبّ بين حياة العزّ
و حياة العلم بعيدا عن الأضواء و الشهرة التي تفتح أبواب الغيرة و الحسد و تجلب
خيول الشّر و الانتقام ..هذا المحضن الآمن الغامر بالحبّ و الحنان أو بمصطلح
الشاعر "مقام الظلّ" ، و للظل معان كثيرة حافلة و هو عند الصوفية معنى
خاص و يعنون به "كلّ ما سوى الله من أعيان الكائنات" و هي إشارة صوفية أخرى تعكس طبيعة المحضن
التّربوي الذي تربّى فيه الفتى الأمير..و إن شئت عنيت به "الزاوية" التي
كانت بمثابة المدرسة أو المعهد جاز لك ذلك و محصّلة كلّ ما سبق الإشارة إليه هو
نشأة الأمير عبد القادر في أسرة علم و زهد و ورع ..و كما يعلم الجميع فإنّ الظل
انعكاس النّور في الأشياء و هو ملمح صوفيّ و كأنّ الأمير عبد القادر قد ربيّ تربية
صوفيّة خاصة و هيّأ لما سيأتي مستقبلا من تبعات و مسؤوليات و أمانات تنوء بحملها
الجبال...و إذا أرنا أن الإنفتاح أكثر فالظل إلى الشّجرة و هي إشارات لبيعة الرّضوان الأولى تحت
الشّجرة المباركة "إذ يبايعونك تحت الشجرة" كعلامة من علامات رضى الله
تعالى و هذا من الفيوضات الرّبانية ...
لَهُ مِنْ فُصُوصِ الحِكمة العُلْيا
فُيوضاتُ التجلِّي بعد تنزيهِ الأحدْ.
التّعبير بفصوص الحكمة فيه إشارة إلى طبيعة العلم
الذي أُشربه الأمير الفتى و المنهج الذي ارتضاه ..و كتاب "فصوص الحكم"
لابن عربيّ من تلك المناهل التي نهل منها الأمير و لا يخفى ما في هذا الكتاب من
فوائد و فنون و تجلّيات و كشوفات..و لمقام "التّجلي" و هو من مقامات
التّصوف ذكرا خاصّا في هذه الملحمة و
للتجلّي عند الصوفية مقامات و أحوال من مكاشفة و استتار مع ضرورة تنزيه الله تعالى
و عدم الوقوع في تلك المحاذير من اتحاد و حلول ..
صُبْحٌ تَنَفَّسَ بِالفلاح تَدَلَّى،
لِفتًى إلى بِكْرِ الظِلال تولَّى،
لمَّا رأى بالقلب ريحًا صرصرًا لن تُفلِتَ
الرُّوح-الجسدْ.
هُوَ فارسُ الخلواتِ، صيَّادٌ لأحوالٍ
وأوقاتٍ، دنا فتحلَّى،
ظَمِئًا، على أثر الرسول مُيَمِّمًا نورَ
الصمدْ.
له في "فتوحات"
"المواقف" ألفُ بابٍ كلَّما رامَ الدخولَ تخلَّى،
نفْسًا سَيَفْطِمُ باكرًا حتى يُحلِّقَ في
الأبدْ.
عقلٌ تَخلَّص للمُكوِّن، صادَق الأكوانَ،
ويرى الأنا في الآخر النائي، يرى الإيمانَ،
قلبٌ توضَّأ بالمحبة كيْ تَصِحَّ صلاتُهُ،
والـمُبطلانِ غرورُهُ ثُمَّ الحسدْ.
في هذا المقطع يزيح الشاعر نذير طيار بعض السُّتر
ليكشف عن طبيعة تصوّف الأمير و عن نوعية المصادر و المراجع التي نهل منها حفظا و
شرحا و تأمّلا ..و بلغة الشّاعر التجريدي و بكثير من الحذر يلج بنا إلى تلك
المقامات و الفتوحات الرّبانية .. و قد ضمّن الشّاعر بعض عناوين الكتب التي غرف
منها الأمير مثل :كتاب الفتوحات الرّبانية على الأذكار النّووية لابن علان و كتاب
المواقف في علم الكلام لعضد الدّين الإنجي...فعلم المنطق و الكلام و التّصوّف و
الأذكار و الخلوات كلّها مناهل رضع منها الأمير عبد القادر..و من باب الفائدة ننشأ
حقلا دلاليا آخر يجمع بين التّصوف و علم
الكلام لبيان ما تقدّم ذكره: [الظلال/القلب/الروح/الجسد/
/الخلوات/الأحوال/الأوقات /التحلية/الظمأ/النور/التخلية/الفطام/التحليق/الأبد/العقل/الخلاص/المكوّن/الأكوان/الأنا/الآخر/الوضوء/المحبة/الصلاة]...
و لو أتينا لفك شفرات هذه المصطلحات الصوفية و الفلسفية للزمنا سفرا كاملا لذلك نكتفي بالإشارة عن العبارة
و بالتلميح لا بالتّصريح..
نلاحظ في هذا
المقطع كثرة اقتباسات الشاعر من القرآن الكريم من ذلك قوله:" صُبْحٌ
تَنَفَّسَ بِالفلاح تَدَلَّى،" (ثُمَّ دَنَا
فَتَدَلَّى) ، و" لِفتًى إلى بِكْرِ الظِلال تولَّى،" إشارة لقوله تعالى: (فلمّا
تولّى إلى الظلّ) ..و قوله: "ظَمِئًا، على أثر
الرسول مُيَمِّمًا نورَ الصمدْ." إشارة إلى قوله تعالى : (فقبضت قبضة من أثر الرّسول) و غيرها ..لختم هذا
المقطع بتوجيه القارئ إلى سرّ تلك التّربية و النبوغ و المتمثّل في هجر عائقيّن من
عوائق السيّر و الارتقاء ألا و هما الغرور و الحسد عندما صرّح قائلا : "والـمُبطلانِ غرورُهُ ثُمَّ الحسدْ"..أي
لا يصلح لهذا الطريق من لم يتخلّ عن الحسد و الغرور إذ هما من مبطلات الطريق و
مفسداته .. يتبع

تعليقات
إرسال تعليق