توظيف القصص القرآني في قصيدة بلا عنوان للشاعرة سماح العيسى
توظيف القصص
القرآني في قصيدة بلا عنوان الشاعرة سماح العيسى
القصيدة ذات ملمح قرآني
بامتياز و توظيف مائز و عجيب لثلاثة قصص
قرآنية توزّعت في ثنايا السّور القرآنية و إسقاطها على الواقع المعيش و محاولة الاستفادة
منها و أخذ العبرة نوردها على الترتيب الذي وردت فيه بالقصيدة.. قصّة يوسف و إخوته
و الذئب و قصّة هابيل و قابيل و قصة موسى و أخوه هارون عليهما السّلام .. و كلّ هذه القصص الثلاثة تشترك في موضوع بارز
..وهو الأخوّة بما تحمله هذه الكلمة من
معاني و أبعاد ..
1.
قصّة
يوسف: البئر-ألقوك-الذئب-أخوك (مكررة)-فابتئس-دم [06]
2.
قصة
ابني آدم عليه السّلام: هابيل-قابيل [02]
3. قصة
موسى و هارون عليهما السلام: فاشدد –أزر- يا ابن
حزني إشارة لقوله تعالى : ﴿قالَ ياابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ
بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي
إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه ٩٢] [03]
و وظفت أيضا لفظة "هرع " لما لها من
قوّة تأثير و حضور في مجمل المشاهد القرآنية التي وظفتها الشاعرة ..
قسّمت
الشاعرة مشاهد قصيدتها إلى ثلاثة مقاطع تصويرية فنّية كان للحركة و الصورة فيها
أثرا كبيرا في تقريب الفكرة و إيصال الرّسالة و اختصار كثير من الجهد و الوقت و
الكلمات و هذا ما أعطى القصيدة بعدا جماليا لافتا و مصداقية و صدقية .. فالقصيدة دعوة صريحة للمّ
الشمل و وضع اليد في اليد و نسيان الحقد و البغض و تغليب المصلحة العليا و إنقاذ
ما يستطاع إنقاذه قبل حلول الكارثة العظمى .
و
الملاحظة الجديرة بالذكر أن الشاعرة لم تحددّ مفهوما معينا للأخوة بل تركته مفتوحا ليشمل كلّ أنواع الأخوة
من أخوة في الله و الدم و الوطن و الإنسانية و هذا ملمح إنساني عظيم يوحي بضرورة
الاجتماع و الاتحاد في أيّ شكل من الأشكال ..فقد يجمعنا دين و يلمّنا وطن و قد
تربطنا فكرة أو رسالة أو مصلحة ..و بعد هذه المقدّمة التمهيدية الشّاملة نجلس
لنشاهد معا على ركح خشبة الشاعرة تلك المشاهد الجمالية البديعة ...
المقطع
الأوّل: أعطت الشاعرة سماح العيسى مفهوما جديدا للبئر فكأنّها قامت بعملية إفراغ
دقيقة لخصائصه من ظلمة و اغتراب و وحشة و عمق و هموم و
أحزان و ها تملؤه من جديد بأخصّ ما يمتلكه الانسان إنه القلب و ليس كلّ قلب بل
قلبها على وجه الخصوص ..قلب الأنثى ..قلب الأم ..قلب الوكن فكأنها وطن جديد آمن
لكلّ الأبناء الذين سقطوا في قعر الجبّ ..و هذا تشبيه بليغ و بذلك تأخذ من المعنى
القرآني أخص ما فيه و هو أنّ البئر التي اعتقد بأنها مكان للوحشة و الحزن أضحت ملاذا
آمنا و قلبا رحيما و وطنا يتسع الجميع و
بذلك تصوّر حالتها النفسية من جرّاء الغربة و الاغتراب الذي طالها و طال أبناءها و
لكن ليس كل بئر أحزان و هموم بل بئرها وطن كبير و رحمة لمن سقط فيه من الأبناء و
هذا معنى يحمل من الإيجابية الكثير و يبشّر بحياة أجمل و أهنأ و يفت أبواب الأمل
على مصرعيه...و هذا ديدن أصحاب النّفوس الكبيرة و الهمم العالية ..فليس كلّ سرداب
مظلم و مرتع للأحزان و الغموم.. و لم تكتفي بإعطاء البشارة بل مثّلت لذلك الإلقاء
بهابيل رضي الله عنه رمز الحياة و الحبّ و الوفاء و النبل و كلّ ما هو جميل.. هابيل يرمز للجاني النيّر في
علاقة الأخ بأخيه فقد آثر أن يضحي به أخوه على أن يضحي بأخيه رجاء فيم عند الله
تعالى فكذلك هؤلاء الذين اغتربوا أو هجّروا قصرا ..فكأنّ
الاستعداد للتضحية من أجل الوطن هي من أقس التضحيات بل و من أخصّ القربات بالرغم
من شدّة سطوة ظلم ذوي القربى و من وحشية و قساوة الذئب و استباحته لدم أخيه و في
ذلك مدعاة للعجب و البؤس و ما تكرار ضمير المخاطب المتصل "أنت" إلا دليل
على تمادي الذئب في تقطيع جثة أخيه "هابيل" حتّى لكأنّ الغدر أضحى من
عناصر تركيبة مائه أوّل الخلق.. و هذا مشهد مؤلم محزن نكاد نراه رأي العين فما
أقساه و ما أعجبه ..و أتركك أخي القارئ لتتأمل هذه المشاهد التراجيدية و تقف على
الحقيقة بنفسك و إليك بعد ذلك الحكم و القرار..
البئرُ قلبي ..
فإن ألقوكَ
لا تهبْ
هابيلُ ظلكْ
أنّى
اغتربتَ.. قد اغتربْ..
والذئب منكَ
فمن عروقِكَ
ماؤه..
كيف استباحك
يا لِبؤسكَ..
والعجبْ!!
المقطع الثاني: نفس
المقطع يتكرّر و في لتكرار تأكيد للمعنى و رسالة قويّة للقارئ بضرورة الوقوف عنده
وقفة تأمّل و اعتبار.. فبالرغم من قساوة قابيل على أخيه هابيل و تراجيدية المشهد
فلا يزال هابيل مخلصا وفيا لأخوته ووطنه و
لا تزال تلك البئر التي ترمز للغربة و الاغتراب و النفيّ وطنا قارا لكلّ من سقط أو
سيقط فيها ...و هذا ملمح نفسيّ أخلاقيّ رفيع لا يقدر عليه إلاّ أصحاب القيم
الخالدة و الرسالات المنيرة الهادية.. و تأمل قولها بعين فاحصة و ذهن حاضر:
البئرُ قلبي
وقابيلُ يهرعُ
نحوكَ
و تعبير الشاعرة سماح
العيسى بالفعل "هرع" إنّما هو تصوير لمسلسل الهروب السّريع و النّزيف
المتواصل إذ الإهراع
كما ورد في التفسير
إنما هو إسراع المذعور أو الإسراع باضطراب كناية على أنّ الخوف لا يزال مستمرا و الظلم قد
استحكم و تمادى و لا تزال البئر ترمى فيها أجساد هابيل الهاربة المستنجدة...و بالتفاتة
عجيبة تنقل الشاعرة من قصّة يوسف إلى قصّة موسى و أخيه هارون لتنتزع منها صورة شدّ
موسى عليه السلام لشعر و رأس أخيه هارون فلا يجد هارون إلاّ أن يا قول "أنا
أخوك يا ابن أمّ" ليذكره بأخوته و علاقته
الخاصة علاقة القرابة و خصّ الأمومة لما يعلم من حبّ أمّه له و حبّه الشديد لها ..و
بذلك يوجه رسائله لأخيه و لكل من تسول له قتل أخيه أو تهجيره بأنّ الأخ لأخيه حصن
و ملاذ فلمَ الاحتراس.. و لمَ الابتئاس.. فنحن في النهاية روحان حللنا بدن الأخوة ..نصيحة هابيل لأخيه أن
يحترس في الوقوع ثانية في الخطأ و تكرار مأساة القتل و البغض و الحقد و يذّكره
بأنّهما وطنا لبعضهما بعضا حين يعلنها مدوية بأن لا يبتئس و هو بقرب أخيه و رفقته
فالشاعرة تتقن اختيار الألفاظ و تحسن استدعاء الأسلوب الذي يؤدي هذا المعنى
النّفيس المائز.
أيْ فاحترسْ ..
هذا أخوكَ
-يا ابن حزني-
فابتئسْ..
المقطع الثالث :لكنّ
الشّاعرة تستدرك لتشير صراحة لفكرة التّدجين التي رّبيَ عليها قابيل و بأنّه نزعت
من قلبه لحمة الأخوة و عوّضوه بمخالب نابية قاطعة
و بأنياب قاطعة تنزع اللحو نزعا وحشيا ...و الشّاعرة تقرّر حقائق معينة من
باب المخالفة و الاستهزاء و السّخرية لتمرّر رسالة قويّة جليّة ..فمحصّلة كلامها
عكس ما تقرّره بل هيّ تؤكد بأسلوبها هذا العمل الكبير و الجبار الذي قام به
المدجنون في مسخ عقل قابيل و تنشئته نشأة منحرفة لا تحترم إلا و لا ذمة و لا قرابة
..ففي تلك المعسكرات قد علّموه و أخبروه أن لا أخوة تحترم و لا سند يهرب إليه و ستبقى وحدك تنزف من شدّة أنياب و مخالب الظلم
مرتبكا لا تُعرف لك وجهة محدّدة و لا مصير
مرتقب ..و تلك هي الحقيقة المنتظرة في نهاية هذا الصراع الأخوي الدّموي ...فمتى
تستفيق يا قابيل و تعود إلى رشدك و تدرك الحقيقة النّاصعة و ضع يدك في يد أخيك
هابيل و تستفيق من غفلتك و نومتك و تزيل عنك سُتُر الوهم المتراكمة و الحائلة بينك
و بين رؤية الحقيقة المرّة و تغسل يديك من دم أخيك و تقول يا أخي هيت لك هيت لك ..و
أدعك أخي القارئ وجها لوجه أمام هذق الحقيقة بل الحقائق المنتشرة..
قد علموكَ
خرافة
الظّفر
واللّحمْ ..
وأخبروكَ
إن تعثرتَ
اتكىءْ
هذا أخوكَ..
فَاشْدُدْ به
أزرَ انكساركَ
ذاتَ ظلمْ ..
وها أنتَ
يصفعكَ المصابْ
ها أنتَ
وحدكَ
مرتبكْ..
هذي الحقيقةُ
فاستفقْ..
ذاكَ الذي
بعروقكم
ماءُ اغترابْ ..
كم أخبروكَ
ذات وهمْ
أنه قد كان دمْ...
و بعد هذه المشاهد
الحزينة الكئيبة لصراع الإخوة تبعث الشاعرة رسالة خاصة و عامة لضرورة عودة الشّمل
و نهاية الاغتراب و عودة الأخوة إلى مجاريها لينعم الكلّ بحياة ملؤها السعادة و المحبة
و الأمن و الأمان...فالرغم مما مضى و ما ضمّه من مآسي و مخازي و فتن فلا يزال هابيل على استعداد لمسامحة أخيه قابيل
و فتح صفحة جديدة و أفق واعد آمن ...
بولمدايس عبد المالك
الجزائر في 07/05/2022

تعليقات
إرسال تعليق