البعد الاجتماعي في مقطوعة شعرية للشّاعر الجزائري كمال أونيس

البعد الاجتماعي في مقطوعة شعرية للشّاعر الجزائري كمال أونيس



بعض الشّعراء يعيشون في عوالمهم الخاصة.. عوالم عاجيّة فيدخلون حالة نفسية عجيبة ينعزلون فيها عن واقعهم المعيش و يبتعدون كلّ البعد عن عالمهم الأرضي الإنساني فتخرج أشعارهم تضجّ بالفلسفة و التأمل و الغموض و كثير من العقليات و الوجدانيات ..و يمكن اعتبار تلك الحالة و أشعارها تجربة خاصة بالشّاعر قد يستفاد منها كما يمكن حبيسة تلك القبّة العادية مدى الحياة.. لكن هناك بعض الشعراء يمكن نعتهم بشعراء عامة أي أنّ أشعارهم تحكي واقع مجتمعهم و تدور معانيها في فلك أوضاعهم الحياتية سلبا و إيجابا ، و مثل هؤلاء الشعراء يمكن تشبيههم أطّباء ميدان تراهم دقيقي التّشخيص و الملاحظة و قد ينتهجون أساليب مختلفة في إسقاط واقعهم على حروفهم من جدّية في الطّرح أو انتهاج السّخرية لتمرير الرسائل أو المباشرة و التقريرية أو المحاورة أو الشك و الجدل و غيرها من الأساليب المستخدمة في نقد الواقع و توصيفه...و الشّاعر الجزائري كمال لونيس في هذه القطعة الشعرية جنح إلى السّرد المسرحي و الشّعري في تحليل واقعه و كأنّنا نرى ركح مسرح و ممثلين يتحرّكون و رسائل تمرر و مشاهد مشفّرة و أخرى واضحة و جمهور ذوّاق يستمتع و يتابع...و هذه خصيصة فنّية لا يمتلكها إلاّ ذوو الخبرات الطويلة و الأحاسيس المرهفة و العقل الحصيف المتدبر..  

  و كذلك هو شاعرنا في هذه المقطوعة التي اقتطعها من صور المجتمع المعيشة..

و عبر مشاهد  ثلاثة صدّرها بجملة " كلّ شيءٍ على ما يرامْ .."مقصودة و مكرّرة شرع الشّاعر في إرسال و تبليغ رسائله..  و يمكن عدّ هذا التكرار و إن ابتعدت مقاطعه الرسالة الألى و القويّة و التّي من خلالها يريد من القارئ الوقوف عندها و التأكيد على معانيها و حلّ ألغازها و مقاصدها.. فهل هذا جملة تفيد المعنى الظّاهريّ لها حسب ما تفيده الدلالات النحوية و الصرفية أم أنّ لها معنى آخر يرمي إليه الشّاعر و يريد من القارئ الاهتداء إليه ؟...وفي ثنايا  المشاهد الثلاثة الإجابة الشافية الكافية ...

و قبل أن أعرّج على تلك المشاهد الثلاثة أرغب في لفت القارئ بأنّ الشاعر يمتلك رؤيتين لنقد الواقع..رؤية فوقية يعكسها المقطع الأوّل " أتأمّلُ .. منْ شرفتي .." و لعلّ النّظرة الفوقية تجعل رؤية الأشياء ممكنة و واضحة و عليه فإطلاق الأحكام يكون أقرب إلى الحقيقة الواقعية منها إلى الادعاء و الافتراض و ما زاد هذه الرؤية العلوية قيمة و أهميّة أنّها نجمت عن تأمّل طويل و نظر فاحص و دراية معرفية معتبة..أما الرؤية الثانية فتعكسها نهاية المقطع الثالث و الأخير حين يحدّد بدقّة مكان وجوده" وأنا أختلي بزاويةِ المقهى في ركنها المظلمِ.. ." فالشّاعر النّاقد لم يعط أحكامه من فراغ أو من خلال قبّته العاجية أو تأليف السّابقين بل هي نظرة واقعية ميدانية و هنا تتأكّد قيمة الأحكام و الملاحظات  و الرّاسئل التي أراد الشّاعر تبليغها للقارئ..و هنا تكمن قوّة نصّه الشّعري إذ يمكن عدّ هذين الرؤيتين من باب التقابل و الطّباق و إن تباعد نصا لكنهما يتعاضدان و يساندان بعضهما بعضا و هذا من باب الحجاج البلاغي الذي يهدف لتقرير حكم ما و تأكيده بالإضافة إلى الموسيقى الدّاخلية التي يتركها هذا الطباق في نفس القارئ..

ليس من عادتي أن أنتهج في قراءاتي هذا النّهج الاستباقي و لكن لحاجة في نفس يعقوب..

المشهد الأول:

كلُّ شيءٍعلى مايرامْ...

قهوةٌ ..ساخنهْ..

جموعٌ .. من النّاسِ تلهو .. على طاولاتِ الكلامْ..

ضجيجٌ..يعربدُ.. في مسمعي..

وأنا متخمٌ .. بغموضٍ لذيذْ..

أتأمّلُ .. منْ شرفتي..

شارعًا.. متقنَ الأرصفهْ..

كتلٌ.. تتدحرجُ..فارغة .. في .. غموضٍ .. بليدْ..

على طريقة السّرد الروائي يفتتح الشّاعر قصيدته و بإضافة بعض البهارات الفنيّة يصوّر لنا الشّاعر يومياته فنراه من على شرفته يراقب حركة النّاس و ضوضاءهم و قد قضّت مسمعه بضجيجها الصّارخ و كتل البشر المتدحرجة من كلّ صوب و حدب و قد لفّهم غموض و كستهم بلادة و قد ألفوا اللّغط و كثرة الكلام و ملأ الفراغات بقناطير مقنطرة من الكلام الفارغ الذي لا ينبني عليه نفع و لا فائدة.. و هاته عادتهم اليومية الصباحيّة تتكرّر مشاهدها مما يوقع النّفس في الملل  و الروتين القاتل الهدّام.. فالفصل الأول من مسرحية الحياة اليومية للشعب قد اتضحت رؤيتها و بانت مشاهدها ..هذا المقطع بمثابة مقدّمة تشويقية أطول من القصيرة للحياة الاجتماعية اليوميّة لشعب أتقن صخب الحياة و لغط الكلام بامتياز..

المشهد الثاني:

هذا المشهد يعكس صورة المجتمع الحقيقية أو وضعهم الاجتماعي اليومي بل و يؤكد أقصى طموحات أفراد المجتمع و آمالهم و توجّهاتهم العامة..و هذا المقطع بمثابة الخبر للمبتدأ إذ يشيح الستار عن حقيقة المشهد الأول ..

صورة الإزدحام اليومي بين مجموع أفراد المجتمع من أجل شيء مهم أو ليس مهمّ ..الطّابور المتجدد ..على أبواب المخابز ..في طرقات المدينة و زنقاتها الضيّقة..فوضى في التّجارة  و قانونيتها تمثّلت في باعة فوضويين غير مرخّص لهم يعرضون سلعا مكدّسة لا يعرف أصلها و لا فصلها..سلعة صينية تايونية  غير أصيلة و لا مأمونة الأخطار تعرض في الطرقات و على الأرصفة و قد تحمل هذه اللفتة على أنّنا أصبحنا شعبا مستهلكا  غير منج لحاجياته اليومية فارتمينا في يد عصابة اقش أي اللباس..و حتّى النّساء أصبحنا عارضات جيدات ربما يعرض لحومهنّ البيضاء و ربّما يعرضون بضاعة مزجاة و ربما يتسولن و ربّما يتجولن من كثرة الفراغ..الاحتملات مفتوحة على مصارعها و هذا ما تدلّل عليه النقطتان التي تفصل بين كلمات كلّ مقطع و نص..و حتّى في حركة النّقل تجد الإزدحام سيّد الموقف فلا قانون مروري محترم و لا مواعيد مضبوطة و لا ملاّك للحافلات معروفون ..فالإزدحام و الفوضى و الضجيج و الكلام هو ما يسيطر على يوميات هذا المواطن المسكين.. و تأمّل أخي القارئ هذه الصور شعرا و نظما مباشرة و على لسان شاعرنا:

كلّ شيءٍ .. على ما يرامْ ..

ازدحامٌ.... على سلّةِ الخبزِ.. في زنقةٍ .. ضيقّهْ..

بائعٌ .يترجّلُ وسْط الطريقْ.. عارضا .. سلعة.. مسربلة .. في يديه..

خواتم صينية الصنع ..

نساءٌ.. على جانبّي الطريقْ..

في ازدحامٍ على الحافلاتْ..

المشهد الثالث:

مقطع يعكس غربة الشّاعر في وطنه.. غربة نفسية لا جسميّة و الغربة النّفسية أن تكون حاضرا ببدنك في ركن من أركان مقهى و لكنّ روحك شاردة مغرّبة تبحث عن وطن مهرّب و قرار مكين و هي من أشد أنواع الغربة إيلاما     و نزفا و تأثيرا.. و لعلّ المقطع الأخير يجيب بوضوح حيث يقرر الشّاعر:

" ضائعٌ في تخومِ .. السكوتِ .. الصلاةْ..

بدا أنّني وسْط هذا الزحامْ..

الذّي .. يشغل الأمكنهْ..."

و استعمال الشّاعر للطباق(ضائع/وسط هذا الزّحام) للدلالة على التناقض الذي يحياه (موجود و غير موجود في آن واحد )من جهة و لما يتركه الطباق من موسيقى داخلية آخاذة تهيّأ للذوق السّليم و الطبع المستقيم رؤيته لحقائق الأشياء على ما هي في الواقع...فلا يسع الشّاعر إزاء هذه الغربة المتوحّشة إلاّ الغرق في تأملاته و محراب صلاته و عوالم سكوته..

و أدعوك أخي القارئ للتّقرب من هذه الصّور المتكرّرة من عالم الفوضى و الضّجيج:

كلّ شيءٍ على ما يرامْ..

مهرجانُ.. الكلامْ ..الكلامْ..

وبهرجةُ الضوءِ .. في الواجهاتْ..

وأنا أختلي بزاويةِ المقهى في ركنها المظلمِ.. .

ضائعٌ في تخومِ .. السكوتِ .. الصلاةْ..

بدا أنّني وسْط هذا الزحامْ..

الذّي .. يشغل الأمكنهْ...

شاعرٌ..يعانده عبثُ الكلماتِ .. ويطحنه وجع الخطواتْ..

وحيدٌ على هامشٍ .. موحشٍ ...

بدا أنّني لا أساوي سوى ..لقطةٍ مسخرهْ

الشّاعر يرى مدينة كاملة الأركان و لا يرى شعبا منظّما و جهّة نظامية مسيطرة..فالجميع لا يحسن إلا الوعود و التّقعر في الكلام و البهرجة فيه..الكلّ يبحث عن مكان للشّهرة و لا منافسة حقيقية عادلة تتناطح فيها الكفاءة و الإبداع و الإضافة...و في ظلّ هذه الفوضى العرمة يتراءى شاعرنا المعذّب و المثقف يحاول أن يخفي أحاسيسه و مشاعره و تأملاته و لكن هيها هيهات ..فالجروح متخمة و نازفة..و الكلمات تخفي حقائق مرعبة..و الوجع يكاد يخنق أنفاس شاعرنا فتتعثّر خطواته فيهوي على الأرض...نهاية مأسويّة حين ينزوي المثقف و هنا يمثله الشّاعر في زاوية مظلمة من زوايا مقهى شعبيّ مكتظ ليخلو بنفسه في عالم وجوديّ آخر خلقه لنفسه ليبثّه همومه و يتخده وطنا ثانيا يهرع إليه و يفرّ..و تلك حالة عامة المثقفين في وطن لا يتقن إلاّ تزيين الكلمات و تطليتها...ذلك المكان الموحش المظلم الغريب أضحى الملاذ الوحيد للشاعر المثقف و ما أقساها من غربة نفسية قاتلة..

كنت أأمل أن يقترح الشّاعر حلولا ممكنة بعد أن وضع إصبعه بلغة الشّعر على الجروح النّازفة المتقرّحة و لكن أعتقد بأنّه اكتفى بعرض المشكلة و تبيين الداء و ترك للقائمين على هذا الشّعب بلعب أدوارهم و أداء مسؤولياتهم تجاه شعب يهوي بكلّ أثقاله إلى الهاوية..هاوية النّسيان و الموت و الفناء..

تونس في 27/05/2022

بولمدايس عبد المالك 

تعليقات