لمن سأل عن ذاك الأمر الجلل للشاعر يونس الحريري قراءة شعرية



 لمن سأل عن ذاك الأمر الجلل للشاعر يونس الحريري قراءة شعرية





من الشعراء من أتاهم الله تعالى نورا و برهانا يرونه به حقائق الأشياء و عظائم الأعمال فلا يدارون و لا يتملقون بل و يبدعون و يمتّعون...و لعلّ الشاعر يونس الحريري من تلك الطينة المميّزة الأصيلة التّي يصل خيرها و بركتها إلى أقصى نقطة في القلوب و الوجود و ما هذه القصيدة الرصينة نظما و معنى إلاّ إشارة واضحة لنبل ما يحمل من أفكار و قيّم و مبادئ هي أثقل من الرّاسيات الشّامخات و أوضح من الشموس المشرقات ..و قد قسّمته إلى مقاطع لاستخراج الجمال منها ما استطعت إلى ذلك سبيلا و لتسهيل قراءتها و تقريبها إلى الأفهام .
المقطع الأوّل: المناسبة و انتهاج الأسلوب الخبري في استهلال القصيدة و براعة استهلال الشّاعر و قدرته الفائقة في إقحام السائل و القارئ في صلب القضية و ذلك بإشراكهما مباشرة بعد ندائهما و تصدير تساؤلاتهما بـ لماذا ؟ مفصلاّ لفحوى استغرابهما ..و تساؤلهما محصور بين أمرين:
1. حذر الشاعر من انشاد الغزل و موقفه الصارم منه.
2. عدم ركوبه لموجة الغزل الشائعة و الطاغية في هذا الزّمن و لو من باب المداراة و المحاباة .
يا من سألتَ ؟؟ لماذا تحذرُ الغزلا
و لا تُداريْ زماناً فيه قد شُغِلا
و كان ردّ الشّاعر متأنيّا و متسلسلا و متشحا بالمنطق و العقلانية و الأدب الجمّ و الحجة الدّانغة..و قد وظّف فعل الأمر في كلّ صدر و عجز ليكون واضحا و صريحا منذ البداية "اخترْ"،"اقرأْ"،"خذْ"،"اسمع’"..فأوّلا سؤالك مغرض و ليس بالوجيه بل هو مردود عليك و ما عجز البيت إلاّ جوابه الشافي الكافي أي فقد سبق لي أن كتبت في هذا اللون الأدبي حتى شغل شعري الغزلي إشارة إلى النّساء و إعجابهن بل و انبهارهن بشعري الغزلي و كان لي فيح حظا وافرا و لكن قد اعتزلته منذ مدّة و لوم الشاعر للمتساؤل بيّن جليّ إذ يقول له و بلسان الحال عدم اطلاعك على شعري الغزلي و جهلك به لا يعطيك الحقّ في الجرأة على طرح ذلك التّساؤل فلو نت قارئا لشعري السّابق لما سألت هذا السّؤال أصلا...لوم مشّفع استغراب و استهجان..أمّا جواب الشّاعر عن التّساؤل الثاني ففي صدر و عجز البيت الثالث البيان الجلّي لما خفيَ لذلك لم يتأخر الشاعر في توضيح موقفه مجيبا عليه بلسان عربيّ مبين صادق طلق ..إنّ قلبه و روحه قد ملأتا بالقرآن و ها هما ينهلان منها نهلا و لا يشبعان ..موقف حاسم من الشّاعر لا مداراة فيه و لا تردّد و لاخداع و لا مداهنة..و قد قال فأسمع و بيّن فأقنع و تفنّن فأمتع...
اخْتَرْ سؤالاً وجيهاً حين تسألنيْ
واقْرأُ لمن أبهرَ الغزلان و اعْتزلا
خذْ من لسانيْ بياناً صادقاً طَلِقاً
واسمعْ لقلبٍ من القرآنِ قد نهلا
ما تجدر الإشارة إليه في هذا المقطع الأول براعة الشاعر في توظيف جميع أنواع الفعل من ماض و مضارع و أمر متنقلا بينها كالنحلة يرتشف طلع بيانها و مدلولاتها ليجمع بذلك بين حيوات مختلفة سابقة و جارية و لاحقة و هذا من سموّ بلاغة الشّاعر و قوّة تمكّنه من أزّمة اللغة و تبحّره في مضامين معانيها الزاخرة الحافلة.
ثمّ ينقلنا الشّاعر يونس الحريري عبر سفينة "لولا" – حرف امتناع لوجود- ليدلي للمتسائل و للقارئ من بعد بالموانع الأخلاقية التي جعلته ينتهج هذا النهج الجديد إضافة للحجة القويّة التي صدّر بها قناعاته و هي اشتغاله بالقرآن الكريم و قد استعمل الشاعر أنّ ثلاث مرّات تأكيدا على قناعته من جهة و زيادة في إقناع المتسائل و القارئ من جهة ثانية و هذا ما تفيد هذه الأداة المستعملة..و يمكن ترتيب تلك القناعات بسهولة و يسر لأنّ الشّاعر يجنح إلى المباشرة و التّقريرية في طرحها و بيانها:
• الاحترام للذات و الأخلاق و العائلة.
• الحروف و الكلمات مسؤولية نحاسب عليها أمام الله تعالى.
• الحياء و الخوف من هتك ما ستر الله تعالى - ذوقا و تربية - .
• الخجل الذي هو قرين الحياء.
وهاك أخي القارئ لتستمتع بما أجمل شعرا فياضا تغار منه النّجوم الجاريات و تهيم بطهره الطبائع الطاهرة و الأرواح النقيّة المؤمنة..
المقطع الثاني:
لولا احتراميْ لأخلاقيْ وعائلتيْ
و أنّ أحرفنا تخشى لنا الزللا
وأنّنا نستحيْ !؟ ذوقاً و تربيةً
وأنّ ألحاظنا قد تنحني خجلا
و بعد تقديمة لجملة قناعاته يصرّح للوجود قاطبة دون تردد و لا مين تفرّسه و إجادته لنظم و تقريض شعر الغزل و لولا تلك الموانع المبدئية و القيمية و النّفسية بل إنّه لكالنهر في جريانه و سيلانه لا يفتر و لا ينقطع و لا ينضب...
لرحتُ أشرحُ للعشاقِ وصفتهُ
و رحتُ أسكبهُ نهراً بمن سألا
و هذا المقطع يسهب الشّاعر في تبيان قدرته الفائقة في نظم هذا اللون الشّعري و تمكّنه من رقابه بل و قد أوتيه فطرة و سليقة فارهف سمعك و تمتّعْ:
المقطع الثالث:
أُوتِيتُ من رَهَفِ الألفاظ أجملها
فليسَ مثليَ شخصٌ يفقهُ الغزلا
الشّاعر من فرط قدرته على ترويض هذا اللون الشعري "الغزل" يصرّح بأنّه في تقريضه له لم يكن من المتكلّفين في صناعته بل قد رزقه سليقة و طبيعة و كذلك من طول خبرته في ارتياد هذا اللون يكاد يجمع على أنّه لا يوجد من الشعراء المتغزلين من وصل إلى ما وصل إليه في ريادة هذا اللون الأدبي الرقيق فهو يقرّ و كلّه يقين و ثقة بأنّه الرائد و السّابق و المائز فيه.
ثمّ لا يخفي قدرته و تفرّده حين يقرّ بأنّه لو دعيَ لسجال و منافسة في تقريض الغزل لقلت شعرا غزليا يشفي أمراض العاشقين و المتحابين و لكان لأدوائهم بلسما شافيا و لمرضاهم عسلا مصفى حتّى أنّ شاربه المبتلى بالعشق و الهيام بمجرد شربه سيشفى من علله المتمكنة و يشبّهه بفعل قُبل الحبيب للمحبوب عند اجتماعهما و هيامهما..
و لو بَغَيْتُ سجالاً يرتويْ غزلا
لقلتُ شعراً عميقًا يُبْرِئُ العللا
فكان شهدا وترياقا لذائقهِ
و بتُّ أُشْرِبُهُ للمبتلى قُبَلا
ثمّ يعود مرّة أخرى الشّاعر ليستدرك بـ:لكن ليبيّن سبب عدم خوضه غمار هذا البحر العباب المشحون...
المقطع الرابع:
لكنَّ طهراً بنا تالله يمنعنا
من النكوصِ و لا يرضى لنا الخللا
كم هو رائع و شيّق وجود "لكن" هنا فقد أغنت فسحرت و بيّنت فأقنعت و استدركت فعذرت...و للحقيقة فجملة هذا الاستدراكات لا تنفك عن تلك القناعات السابقة التي صدّر بها قصيدته و ما هذه إلا زيادة بيان و تحصيل حاصل لكن من زوايا أخرى أكثر إشراقا و طهرا و نصاعة.. الحياء من الله يضفي بظلاله مرّة أخرى و ما هذا الطّهر إلى من ذاك الحياء و من كان هذا شأوه عصمه الله تعالى من الوقوع في تلك المخازي و المنهيات و الملهيات.
تأبى الرجولةُ أن تَهويْ قصائدنا
شطرَ الحرام!! فلنْ أبقى إذاً رجلا
كما أنّ الرجولة التي هو أخت المروءة تمنع الشّاعر من معاقرة قصائده شطر الحرام ليبيّن بأنّ هناك شطر للحلال فيه فليس كلّ الغزل حراما عنده بل نصفه الآخر حلال طاهر إذا ما اجتنب الحرام و الشذوذ و كشف المستور المنهى عنه ..
عهدا معَ الله أن تبقى قصائدنا
مأوى الوفاءِ لمن مارى ومن عذلا
و في الختام يعلن الشّاعر موقفه النهائي و الحاسم من كتابة الشعر و نظمه و بأنّ قصائده التّي يقرضها ستبقى تحفظ العهد و تقرّ بالوفاء لمن كان موقفه من الشّاعر مخالفا إن مارى و جادل أو لام و عذل.
فالوفاء يبقى ديدن الشّاعر و حلقة الوصل بين مخالفيه و معارضيه و من وفّى عدل و لم يظلم .
ما أجمل الشّعر حين يتجمّل بالقيم و المُثل و ما أروعه حين تدثّر بالحياء و تعمّم بالوفاء و انتعل الطّهر و حلّق في سماء الحلال فأبهر و أمتع...هذا و بالله التوفيق
تونس في 05/05/2022

تعليقات