بورتريه عن الشّاعرة الجزائرية الصّاعدة ريم عمري بين مدّ تاء التأنيث وجزر الألف الممدودة

بورتريه عن الشّاعرة الجزائرية الصّاعدة ريم عمري

بين مدّ تاء التأنيث وجزر الألف الممدودة



1-     لمن الغلبة  ..لتاء تأنيث تقول هاأنذا  أم لألف ممدودة تحاول أن تروّض تلك التّاء لتخسر نقاطها تستسلم لقدرها المحتوم جثّة هامدة في يد مغسّليها.. صراع يحتدم و يشتدّ في ساحات نثريات  ريم عمري.. و بين مدّ وجزر تخرج شرنقتها لتسقط  بسيف تاءاتها أوهاما مصطنعة و أصناما مفتعلة في زوايا قرّابات أضفت عليها الأبخرة و الشّرائط المزركشة ديكورا جنائزيا مشؤوما.. و بهمّة الواثقة تجيب عن من سأل و استفزّ دفاترها المخفية بين رفوف خزانة الماضي المحمّلة بأطنان و أطنان من سجلات حقيقتها و هويّتها و نراها تستعجل الإجابة بعد أن نفت كلّ إمكانية التّحقّق من ماهيتها فكأنّ جهيزة قد ولدت من جديد و هاهي تقطع قول كلّ بليغ :

"يتساءلون من أنا ،

   يعبثون بدفاتر الماضي ،

 يفتّشون عن هويّتي و ماهيّتي .

 يتجادلون حول حقيقتي"

2-        و عبر ضميرها الأنثوي المتكلّم "أنا" تجدّد قول الشّاعر:

إنّ الفتى من يقول هاأنذا.. ليس الفتى من يقول كان أبي

و ترسل برسائلها لتلك الألف النّرجسية التّائهة بلغة الأنثى و الاستعطاف تارة و بلغة العقل الواثق الحازم تارة أخرى...رسالة تذكيريّة فيها الكثير من اللّوم و جلد الذّات و التّضحية المتواصلة و اليد الممدودة دوما.. لتقرّ بأنت في آخر مقطع كنتيجة طبيعية لأنا الأنثوية ..و عبر طباقات أربعة تقرّر و تؤكد رسالتها الكونية الإنسانية ..                  خمود و لهب.. غذاء و إنهاك.. انكسار و بقاء.. ضعف و صمود.. تلك هي مؤشرات تضحيات   "أنا" ليحيا "أنت" سالما منعّما ..

 

"أنا ماء يخمد نيرانا التهبت ،

 أنا رماد يغذّي تربة أنهكت ،

 أنا من تُكسر كي تبقى شامخا ،

 أنا من لا تضعف كي تبقى أنت صامدا."

3-  و عبر مشاهد تصوّر ما تناساه أو تجاهله "أنت" تضع "أنا" تاء التّأنيث إصبعها النّازف دما لعلّ  تلك الألف الممدودة المغرورة تنتبه و ترى الحقيقة الكبرى رأي العيّن بدل النرجسية و النكران و اللامبالاة... هي مشاهد بطولية عن الفداء في أسمى صوّره و أرقى معانيه..و للقارئ كلّ الوقت ليقف بنفسه على ما وقفت عليه تلك الأنثى الفدائية المنقذة الشّهيدة ..

"أقف و الحرب وجها لوجه أنهيها قبل أن تنهيكم .

 أتجوّل و جيوبي مكتظة بمقابض الأبواب الّتي أُغلقت أمامي و خلعتها ،

 أمضي محمّلة بالحكايات أرويها لتهدهدها لكم الجدّات . بالمناسبة ، يدايا لم تعودا مناسبتين للخواتم

لم يعد لي يدان"

4-  تنتقل بنا الشّاعرة ريم عمري إلى مشاهد أخرى أكثر إيلاما و بلسان أم مفجوعة أو ثكلى موجوعة أو أيم مصدومة أو أخت مكلومة لتصّور معاناة فراق طال و وقوف أنثى وفيّة على عتبة باب تنظر غائبا أو خبرا مفرحا أو بشرى قريبة و لكن لعنة الموت و رائحته الكريهة المقززة تملأ الأرجاء و تضفي على تلك العتبات بحزنها الطامي .. و كم ابتلعت بطون البحر من الشباب اليفع النابض ..و كم قذفت أمواج البحر الغاضب أجسامهم الميّتة المتعفنّة..    صار المساكين قرابين لسيّد الموت.. الأحلام وئدت و الآمال أجهضت فلا تسمع إلاّ همهمات الموت القادم..      و ليس كلسان الأنثى المفجوع من أصدق تعبير و أدقّ وصف و أبلغ توصيف:

"على عتبة بابنا

يستلقي الأموات

يقبضون أرواح الأجساد

الفّارة من جدران القبر

يقبرون شبابنا

ليرسلوه قربانًا

لسيّد الأموات"

 

5-     و لكن لا حياة لمن تنادي.. لم تشفع لتاء التأنيث تلك التّضحيات الجسام ..ذلك البذل الذي لا يتوقف بل أكثر هبوبا من الرياح المرسلة ..نهايات مؤلمة و مآلات أشدّ إيلاما و تقرّحا.. و بلغة الحديد الصلبة الخرساء يكون جزاء تاء التّأنيث ليعيد حكاية سنمار البائدة.. لا يريدونها أن تتحرّر و تنعتق و يجلدونها بأختها تاء التأنيث المفتوحة التي باعت روحها و قيّما و شرفها بدراهم معدودات أو ببريق نصر كاذب أو بوعد مكذوب  غير صادق...تلك التّاء المفتوحة التي آثرت أن تكون بضاعة ساقطة أو سلعة تافهة أو إشهار ساخر أو لعبة بين أيدي ذائب ماكرة و كلاب لاهثة.. و ما الضيق الذي سربلها و الحديد الذي أوصدها إلاّ علامة فارقة لتلك السياسات العابثة المبيّتة التي أحالت ربيع شبابها إلى خريف مسائي معتم فاقع الاصفرار...و ها هو لسان حالها يتمتم :

يضيقون على تائتا

يغلقونها بمفتاح حديديّ ضخم

تخفيه تاءٌ مفتوحة

سقطت نقاطها

أو اصفرت في خريفها

6-    و على العتبات مرّة أخرى تقف تاء التأنيث مشدوهة حائرة تسترق السّمع و النظر و قد أوصدت عليها الأبواب و سدّت عليها منافذ النور و الهواء و كأنّها لعنة أبدية لا تستحق العيش بين بين البشر..أو امرأة مجنونة يخافها الولدان و الصبيان خوفا من لعنتها و سوء نحسها و فألها الذي يتطيّرون به..

على عتبة بابنا

امرأة لعينة

تسرق من صبيان الحيّ عيونهم

لتسدّ العطش

7-    و من العتبات المعتمات نطلّ ثالثة و رابعة و ألف مرّة لنكتشف نهاية تاء تأنيث و قد زجّ بها في مكان نائي خارج المدينة العامرة التي تضجّ الحركة و الصّخب و الكلام ..في منطقة جرداء و قد بنوا مكان قبرها زاوية      و ملأوا جنبات قبرها بالعطور و البخور و العنبر و السّكر تفاؤلا بالمقبور لتصير مكانا يزار تسكنه الأشباح    و تسري في جنباته التعاويذ و تذبح عند شفيره القرابين تبرّكا بالسادة الشيوخ المباركين  و ظفرا بالسّرّ الدفين الذي يمتلكه أولئك الشيوخ و الدراويش..

على عتبة بابنا

منطقة جرداء

تفوح منها رائحة الخراب و المسك و العنبر و السُّكْر

تهوم فيها الأشباح

تُقرأ فيها التعاويذ

تُقدّم فيها القرابين

إلى الأخيار

العالمين بالسرّ الدّفين

و بعد فقد اكتشف القارئ قلما أنثويا حرّا منافحا يأبى أن يعيش في السّراديب و الخرافات و الأساطير...قلم سيّال يهوى السّرد و التّوصيف و يعشق المغامرة و التّرحال ..قلما يبحث عن وضعه اللائق به لينهي ذلك الصّراع المحتدم بين تاء مربوطة و ألف ممدود بعناق حميمي و اتحاد طبيعيّ و انطلاقة جديدة ملؤها السلام و المحبّة و التّعايش الأخوي ..

بولمدايس عبد المالك

الجزائر  في 30/05/2022 

تعليقات