ضربة حظّ... قصّة قصيرة
ضربة حظّ...قصّة قصيرة
بعد تردّد كبير مبرّر، و مدّ
و جزر قرّرت أخيرا إرسال رسالة صداقة لهُ عبر تقنيّة الفايس بوك.. إلتزامها
الدّيني و قيّمها النّبيلة التي عاشت بها و لها جعلت منها تتصرّف كنحلة عاملة لا
قع إلاّ على كلّ زهرة جميلة المظهر ،كثيرة الطّلع..؛ ذلك لأنّها سمعت، و قرأت
العديد من الحكايات ، و الروايات و القصص المثيرة عن الكوارث الجسيمة التي جرّتها
مختلف وسائل التواصل الاجتماعيّ على المجتمع عامّة و على الأفراد خاصّة...
تستمرّ وردة في خوض تجربتها ،
و الحذر الشّديد رداؤها و السّلامة شعارها ..تضع يدها على الزّناد كمحارب شرس حذر
يكشّر عن أنيابه متى ظهر الهدف لأن الانسحاب بشرف و سلامة مطلبها الأوّل و
الأخير.. موقف الانسحاب على سلبيته مكسب خبراتي جديد ،و نافع يمكن التّأسيس عليه
مستقبلا في اتخاذ مواقف و قرارات أكثر صرامة و حزما من سابقيه.. هكذا كانت وردة
تفكّر .. آخذة بعين الاعتبار شرفها و شرف العائلة ..فالبنت في مجتمعات اللئام
طرائد ، و أهداف مشروعة متى وقعن في شراكهم عتوا فيها
فسادا كبيرا..
صديقها الذي اخترته شيخ كبير
متقاعد و هي الشّابة العشرينية ، ذات العينين البنّيتين، و الوشاح الأبيض الكبير
تماما كبياض قلبها و نقاء سريرتها..
بدأت العلاقة تتطّور بينهما و
أبرقت له برسائل في البداية محتشمة ..مختصرة و مكثّفة ..للكلمة فيها ثقل الجبال ،
و لمعانيها وضوح النّهار في هاجرته.. رسائل جادّة و في نفس الوقت مستفزّة عساها أن
تظفر بسيرة هذا السّتيني الصّديق.. و بدأت شكوكها تقلّ حدّة مع مرور الوقت و زيادة
كتل التّعارف الهادئ المتدرّج.. لتكتشف بأنّها أمام كاتب مرموق، عاشق للحرب متيّم
به.. محبّ للأدب و لكلّ ما هو جميل و نافع.. فقرّرت في قرارة نفسها التّقدّم أكثر
من عالمه المثير ..سردت له على الخاصّ جزء محتشما من سيرتها الخاصة المشحونة
بالخيبات و العثرات فكانت إجاباته تنزل بردا و سلاما على قلبها المُثْقل بالهموم و
الأحزان، و كثيرا من حفريات التساؤلات التي حفرت بعيدا بعيدا في أغوار نفسيتها
المهزوزة..
تتطوّر العلاقة بينهما و ينفتح
الاثنان على عوالم بعضها بعضا و تكتشف وردة بأنّها أمام أب ثان لها لم يلدها.. أب
عطوف حنون و هي اليتيمة التي حرّمت من عالم أبيها منذ بلوغها السّنة الأولى من
عمرها بسبب مرض عضال قاتل أصابه.. فما كان من وردة الطّيبة إلاّ الانفتاح عليه
أكثر فأكثر لتفرغ له و بين يديه مزيدا من حمولات همومها الرابضة المتراكمة ليبلغ
بها الأمر لتصارحه و بشجاعة الواثقة عن بعض علاقاتها الخاصة في الجامعة الفاشلة
منها و النّاجحة.. و معاناتها الكبيرة من
كثرة الخيبات و النكسات و الصّدمات.. فحياة اليُتم بمعزل عن سند الأب و هي أكبر
أخواتها سنّا فأبوها لم يرزق بأولاد ذكور زاد من تعاستها و خوفها الشّديد من
المجتمع و أفراده و هي التي رأت بأمّ عينها بعض اليتيمات كيف يستغلهنّ ذئاب لا
رحمة في قلوبهم ولا شفقة فهمّمهم المزيد من الرّبح غير المشروع كنهم أمام
قصعة طعام فاخر أو غزال ضعيف وقع في أنياب ضباع جافلة لا ترحم أبدا..
استمرّت العلاقة بينهما كشرة
باسقة الفروع، كثيرة الأوراق، وارفة الظلال ، حلوة الثّمار تستمدّ بقاءها و
نضارتها من بحر الأبوّة العامر الزّاخر ..علاقة لا يشوبها مطمع في الأفق.. و لا
مصلحة خاصة ..علاقة بنت بأبيها...
الجزائر في 20/02/2024
بولمدايس عبد المالك

تعليقات
إرسال تعليق