الشَّعرية في قصَّة "ثلاث ساعات" للقاصة اليمنية وسيلة سامي أمين

الشَّعرية في قصَّة "ثلاث ساعات" للقاصة اليمنية وسيلة سامي أمين



من أبرز سمات قصة "ثلاث ساعات" خاصيّة الشّعريّة و هذا باب كبير يجعل من القصّة النّثرية و كأنّها الشّعر ذاته و لولا علمنا المسبق بها لحسبناها شعرا نثريا حداثيّا...و أعتقد بأنّ القصص و الروايات المعاصرة أصبحت تركّز على هذا البعد الشاعريّ لإضفاء الحياة و التّصوير الفني و الحركة للقّصة بعدما كانت تركُّز على الوصف و السرد و الحوار العنوان و الأحداث و الأشخاص و المكان وحبك العقد و حلُّها و غيرها.. .و الشّعريّة هي فنّ تصوير و تحريك الصّور البيانية بحيث ينج الكاتب (ناثرا كان أو شاعرا) في الغوص في نفسيّة القارئ و يستفزّه و يثير فضوله لاقتحام عالمه و ما يخفيه له من أسرار..الشّعريّة هي أخت التّصوير الفنّي و قد أسهب في بيان هذا  سيّد قطب رحمه الله في كتابه القيّم "التّصوير الفنّي في القرآن الكريم" و قبله الجرجاني في كتابه القيّم إعجاز البلاغة ...و خلاصة الشّعريّة هي حمل القارئ على الدّخول في عوالم المخاطب و انصهاره فيها و اتخاذ موقف ما إيجابا أو سلبا حول القضيّة التي يعرضها..

 قصّة "ثلاث ساعات " للقاصّة اليمنيّة وسيلة أمين سامي بلغت شأوا كيرا فيما يتعلّق بالشّعرية بل و نسجت تفاصيل قصّتها النّفسية منها و المادية بصوفها و غزلها..و إذا أردنا إعطاء مخطّط عام عن قصّتها القصيرة فإنّنا سنلاحظ بأنّها ابتدأت بالغموض و الإثارة ثمّ عمدت إلى فكّ بعض شفرات عقدها لتختم قصّتها بحل الشّفرات و بداية الغموض و الإثارة من جديد ..فكما بدأت قصّتها ختمتها ..و بين التّصدير و الخاتمة أضفت على قصّتها مقاطع شعريّة هي للشّعر أقرب منها إلى النثر و السّرد..

و على خطى الدكتور يحيى الشيخ صالح في كتابه حداثة التراث [1]سنتناول القصة من هذه الوجوه مبرزين مدى حجم الشّعريّة المبثوثة في ثنايا قصّة "ثلاث ساعات..":

1-                شعرية التصوير: قصّة "ثلاث ساعات " للقاصّة اليمنيّة وسيلة أمين سامي بلغت شأوا كيرا فيما يتعلّق بالشّعرية بل و نسجت تفاصيل قصّتها النّفسية منها و المادية بصوفها و غزلها..و إذا أردنا إعطاء مخطّط عام عن قصّتها القصيرة فإنّنا سنلاحظ بأنّها ابتدأت بالغموض و الإثارة ثمّ عمدت إلى فكّ بعض شفرات عقدها لتختم قصّتها بحل الشّفرات و بداية الغموض و الإثارة من جديد ..فكما بدأت قصّتها ختمتها ..و بين التّصدير و الخاتمة أضفت على قصّتها مقاطع شعريّة هي للشّعر أقرب منها إلى النثر و السّرد..

2-              شعرية الانزياح الدلالي: سأكتفي بصورتين صدّرت القاصة بهما قصّتها و هي عند قولها:"مشتملا قتامة روحه.." و "يشقّ عباب نقمته المسفوحة ..."

2-1- " مشتملا قتامة روحه " في هذه الصّور دمعت القاصّة بين المادّي و المعنوي النّفسيّ كناية على سوداويّة نفسية البطل و مدى حجم الشّر الذي تنطوي عليه سريرته ذلك أنّ التّعبير بالاشتمال يوحي بالسّتر و الدّفء لكن الإنزياح الدّلالي عن المعنى المفترض و المنقدح في ذهنية القارئ أخرج القارئ من عالم معلوم إلى عوالم جديدة أكثر عمقا و أبعد غورا و قذف في نفسية القارئ شعورا غريبا موحشا ..

2-2- " يشقّ عباب نقمته المسفوحة.." الفارس المغوار هو الذي يشقّ عباب السّماء و القلوب و النّفوس ببطولاته الخارقة و تضحياته المشهودة لكنّ القاصة تعمد ثانية إلى الانزياح الدّلالي لترينا صورة رجل شرّير فترسم بذلك صورة قاتمة حالة و مشهدا أكثر سوداوية من سابقه..

و الملاحظ عن المثالين أو الصورتين البيانيتين أنّهما ينطلقان من خانة الخير لتخالف نتيجته مقدّمته أي نهاية شرّيرة –خاة الشّرّ – و هذا من الانزياح العجيب الذي يسجّل للقاصة بمداد من ذهب..و هكذا تستمرّ القاصة في استدعاء صوّر أخرى مستفزّة للقارئ و محمّلته لكتل كبيرة ضخمة من الإقناع و التّأثير...

3-              شعرية الإيقاع: للموسيقى أثرها الفاعل في نفسيّة القارئ لذلك عمدت القاصّة إلى استخدام الكنايات و الاستعارات و التّشبيهات و الخيال لتجمع بين الموسيقى الخارجية لبنية القصّة و الموسيقى الدّاخلية التي تتركها عميقا في نفسيّة القارئ فيقبل بصدر رحب و نفسية منفتحة و بنهم يغرف من مائدة هذه القصّة العامرة ..و الأمثلة كثيرة  نسرد بعضها: " تعرج بمحاريبَ وضاءة من سَحَر إلى سماء الطهر والنقاء."و " تخطفته الذكريات"،" وكأنه يضرب الدرب المظلم الذي سار فيه وحيداً تحفه الأشواك والآثام والمخاطر "،" أحس بأحزانه تتنادى أمام عينيه تلوذ بتلك الرياح لتذروها رمادا "..و غيرها كثير و لو ذهبنا لشرحها و تفصيلها لطال بنا المقام و لكن يكفي اللبيب إشارة عابرة..

4-             شعرية التأمل و الحكمة: من خلال أحداث القصّة نلاحظ ملامح بدايات تأمّل بنّاء كان بطله محمود إذ و في نصوص كثيفة مختصرة تصوذر القاصة بدايات زلزال نفسيّ عنيف ضرب نفسية بطلنا فراح يتامّل حاله من قبل و اللحظة التي يحياها و كيف أثّرت فيه تلك اللّحظات فقرر أن يتغيّر و يبدأ حياة ثانيّة ملؤها الحبّ و الصّفاء و التحليق الروحي و العروج في فيوضات محاريب الصلاة و الدّعاء في أوقات مخصوصة كالفجر مثلا ..و ها نحن نراه يناجي نفسه : " وهو يهمس في نفسه : آه لو تعلمين أي نية دنيئة كانت تراودني عندما دخلت منزلك." و المشاهد النّفسية للتأمّل كثيرة لمن أراد الزّيادة و التفصيل و لكن نكتفي بهذا المثال إيفاء بالغرض المنشود.. أمّا عن مجال الحكمة  فوحدة موضوع القصّة ذاته حكمة ما بعدها حكمة إذ ليد الأقدار اليد الطّولى في تغيير النّفسيات و العقليات و بعد كلّ ليل حالك عصيب فجر مشرق بديع..آمن و جميل..

5-              شعرية الحب موضوعا: لا يخفى على القارئ الحصيف تلميح و تصريح القاصة اليمنية وسيلة إلى موضوع "الحبّ" و سرّه العجيب في تغيير النفسيات و المواقف بعدها ..و الشيّق في  هذا الموضوع الذي لا ينجو منه بشريّ تدرّج مستويات هذا الحبّ الكبير بين البطلين"محمود و كوثر" فنراه  قد ابتدأ :

أولا: بالشفقة و الحنان "ساوره شعور بالشّفقة.." ، "أنت ملاك رحمة بعثك الله .."،"سرعان ما ألقت بظلالها العذبة.."، لا تقلقي.."  ثم ليرتقي هذا الإحساس إلى:

ثانيا: إلى إعجاب متبادل من البطلين و إحساس كامن بأوّل بدايات حبّ يكبر..' حدّق في عينيها..'،"إيحاء غريب.."،"يا له من اسم جميل.."، زرعت تنهيدة حارّة في صدره.."،"تنفّس شوقا.."لا تخافي.." ..كلّ هذه الكتلة الكبيرة من الشّاعرية تؤسس لعلاقة حبّ مكنة في المستقبل القريب أو البعيد..بداية تواصل و تقارب بين معذّبين و ضحيّتين..أحدهما ضحيّة يأس من النّجاة مطبق ..و ضحيّة لصوصية و إجرام متلازمتين..و لو رجعنا إلى هذه النّصوص المقتطعة لرأيناها تتأرجح بين إعجاب متبادل، و أمل صغير ناشئ و حرص شديد عارم و أحاسيس إنسانيّة فيّاضة جيّاشة..ليختتم المشهد ببداية حبّ مستحكم ...

ثالثا: بداية قصّة حبّ مكتملة الأركان  "نظرا لبعضهما بعضا نظرة أخيرة ثم غادر و هو يردّد في نفسه: من يدري قد ألقاك يوما و أنا الملاك الذي ظننته.."..و كم في هذه النّظرة الأخيرة من أحاسيس و مشاعر..هو حبّ بدأت ملامحه في التّشكّل و يبقى لريشة القدر أن ترسم بقية اللّوحة النفسية البديعة..و يتحقّق المراد و يجتمع القلبان و تستمرّ حكاية بدأت تحت ركام قصف غادر و مجريات طقس مضطرب و طريق ترابيّ غير مهيّئ للسير و الحركة و الاستمرار..

و بعد فهذه بعض ملامح الشّعريّة التي استخدمتها القاصة وسيلة سامي في قصّتها لتكشف عن وجه من وجوه الشّعريّة في بنية القصّة و تفاصيلها الشّيقة الممتعة صيغت بتكثيف مقصود و عناية خاصة لتؤدي الهدف المنشود و تبرز للسطح المستور..هذا و بالله التّوفيق

الجزائر في 18/02/2024

بولمدايس عبد المالك



[1] ص20 - 61

  

تعليقات