الإشاريّات الزّمنيّة و المكانيّة في قصّة" ثلاث ساعات" للأديبة اليمنيّة وسيلة أمين سامي
الإشاريّات الزّمنيّة و
المكانيّة في قصّة" ثلاث ساعات" للأديبة اليمنيّة وسيلة أمين
سامي
بولمدايس
عبد المالك
"ثلاث ساعات" العنوان
عبارة عن مؤشّر زمنيّ لا يبوح بأسراره إلاّ باستدعاء السّياق و المقام و الظّروف
الشّخصية التي سيقَ فيها و من أجلها ..فكأنّها تبرق لنا برسالة أولى تلزمنا
بالارتماء في أحضان و أحداث قصّتها القصيرة بل و تقحمنا إقحاما إذ العنوان يحتاج
إلى إيضاح و إزالة غموض ضروريين لفكّ شفراته ؛فالصّيغة الصرفية و النحويّة للعنوان
تفرض على القارئ المستكشف محاولة معرفة الجواب..ثلاث ساعات من الانتظار..أم من
الإثارة و المغامرة ..أم من المعاناة و التعب ..أم ماذا ..عنوان مفتوح على كلّ
الاحتمالات و هذا من حسن المطالع بل و من المؤشرات الزّمنيّة التي تترك بعدها النفسيّ في نفسية القارئ ..
عنوان مثير و مستفزّ و غامض يقحمنا مباشرة لبدء مغامرة التنقيب و
البحث و فكّ الرّموز و ما أكثرها.." الثّانية من منتصف الليل" مؤشّران
زمانيّان يزيدان المشهد غموضا و إثارة ، و تدفع القارئ للتّساؤل عن سبب اختيار هذا
الوقت بالذّات و ما الذي دفع بهذا الشّخص الغامض الذي لم تصرّح القاصّة باسمه و لا
بهويّته..و ما الذي يفعله في هذا الوقت المتأخر؟ هل أصابه الأرق مثلا ؟ أم هل ضاع
منه شيء قيّم فخرج للبحث عنه ؟ أم هل و
ألف هل؟ .. و للزّيادة في استدعاء
مزيدا من الغموض آثرت القاصّة وسيلة أمين سامي الاستعاضة عن ذلك بالتّركيز على
مواصفات هذا الرّجل الغريب المثير لتصفه بجملة من المواصفات مستعينة بآلية
التّشبيه فحاله مثل بركان غاضب أو كموج هادر إلى غير ذلك من التّشبيهات التي أضفت
على القصّة أجواء نفسيّة مثيرة ،و أوحت للقارئ بأبعاد نفسية بل و بخواطر و أحكام
أوليّة عن طبيعة و هويّة هذا الرّجل الغاضب المثير للدّهشة و التّساؤلات...تقول
القاصّة"يبدو أنّ المكان مهجور..." مؤشر مكانيّ آخر يزيد المشهد الليليّ
و أحداث القصّة إثارة متصاعدة و اكتفت القاصّة بوصفه بالمهجور و آثرت عدم كشف
السّبب لزيادة الإثارة و الغموض متذرّعة وراء " و السّبب معروف"..ربّما
عوّلت على ذكاء و نباهة القارئ و لربّما لحاجة في نفس يعقوب تركت الأسباب مجهولة
..قد تكون الحرب بين الأشقاء أي أنّ الأسباب داخلية ذاتية..و قد يكون السبب خارجيّ
من جرّاء قصف لطائرات غادرة ماكرة...كلّ الاحتمالات قائمة طالما لم تبرق لنا القاصة
بقرائن و مؤشرات أخرى...
و ظّفت القاصة لفظة " و
غالبا.." تاركة مجالا ضيّقا لإمكانية وجود شخص ما كإيحاء نفسيّ ذكيّ منها من
باب تهيئة نفسية القارئ و جعلها يفتح أبواب الاحتمالات على طبيعة الأشياء التي من
الممكن أن يصادفها هذا المغامر الغريب الأطوار و المواصفات ..شخص ما، مال متروك،
شيء ذو قيمة و ثمن .. و لأوّل مرّة تكشف القاصّة عن الملامح النّفسية الأولى
لطبيعة هذا الشخص الغريب المثير و ذلك بإيراد جملة قرائن منها "أوّل
مرة" و هذا مؤشر زمنيّ آخر.."فعل الخير" ،"يقظة الضّمير"
،"الشّعور بالشّفقة" ..و هذه مؤشرات نفسيّة أخرى تزيح بعض الغموض
المتراكم عن هويّة هذا المغامر الليليّ..و مع ذلك لا يزال الغموض قائما عن طبيعة
هذا الأنين المتصاعد بين أطنان الرّدم المتراكمة..لتفتح القاصّة أولّ حوار جادّ يزيل
بعض الغموض عن طبيعة ما حدث مستدعيّة بعض
المؤشرات التي توحي ببداية مشاهد جديدة مثل "ملاك" ، "كيف رحلوا و
تركوها.."، و "السيّارة أصابتها.."
و هذا مؤشر ماديّ آخر يوحي ربّما بأنّ السيّارة سبق لها و تعرّضت لقصف ما .. أسئلة
كثيرة تبحث عن مستقرّ لها في نفسية غريبة مثيرة للجدل..و تزيد المشهد التراجيدي
إثارة و غرابة حين تورد قرائن و مؤشرات أخرى "أضاء البرق ملامحها
الجميلة" ، "مشاعر الإعجاب و الحبّ" ..كلّ هذه المؤشرات توحي بحدوث بركان نفسيّ كبير
في نفسيّة هذا الشّخص الخفّاش..و لأوّل مرة تكشف القاصة وسيلة عن طبيعة هذا الشخص
و هويته ..إنّهها اللّصوصية التي دفعت
بهذا الشّخص لاختيار هذا الوقت بالذّات و اتصافه بمثل تلك الصّفات التي تتناسب و
طبيعة عمله..و كنوع من زيادة المشهد غموضا تعمّدت القاصة خلق مؤثرات جديدة لتعطي
بطليها فرصة أكبر للتّعارف كاشفة عن حجم التغيير النّفسي الذي أصاب كلا منهما..صراعات
داخلية محتدمة طالتهما تراوحت بين الإعجاب و الإثارة و الشّفقة ..و ما مؤشر
التحديق في العينين في جوّ ليلي صامت هادئ غريب إلاّ مؤشرا نفسيّا آخر سيكون له
آثارا بالغة في حياة البطلين..و بلغة جماليّة إيحائية رومانسية كقولها" عادت
مشاعر مائية لطالما ولته ظهرها.." آثرت الكاتبة ركوب متن المجاز و الكنيات
للتعبير عن التّغيير الهائل الذي أصاب داخلهما 'فأشعل القلب مصابيحه.." و
"أبصرت العينان دروبا مؤنسة.." و غيرها من التّعبيرات الجمالية الرّاقية
التي تتناسب و طبيعة المشهد و الموقف و الأحداث..
"مرّت ساعة و نصف"
هذا المؤشر الزّمني الثاني الذي يوحي ببداية فصل جديد و انكشاف حقائق نفسية لا
تقلّ أهميّة عن أخواتها السّابقات...منذ هذه اللحظة الزّمنيّة الفارقة تزداد الإثارة
و تبلغ مستويات متقدّمة و يبدأ مسلسل
التّعارف المتدرّج و بداية فتح أبواب الحوار بين البطلين المعجبين ببعضهما بعضا..و
حتّى الظروف المكانية و الماديّة ساعدتهما على تنمية هذا الحوار البنّاء و كلّها
مؤشرات مادية مكانية ساهمت في إعطاء مزيد من الوقت لرسوخ هذا الحوار..حالة الجوّ
..الأرضية الطينية المبللة..انسداد المنافذ في وجههما..كلّ هذه المؤثّرات المادية
ساهمت في تمتين علاقتهما المباركة و لو
بحظ قليل..
مؤشرات نفسيّة أخرى بدأت
تنحت في نفسه و تحفر عميقا لم يعهدها من قبل و هو الذي تربّى على الجفاء و القسوة
كما سبق سرد بعض مواصفاتها في بداية القصّة.." عادت تثني عليه .. زرعت تنهيدةٌ حارة في صدره أشواكَ الحسرة وهو
يهمس في نفسه "..الثّناء على موقفه الشّجاع الانسانيّ البطولي و كأنّه
فتى أحلامها المنتظر..التعبير بالتنهيدة دلالة على حياة القلب و يقظة
الضمير..الهمس النفسي الدّاخلي الذي يوحي ببداية حوار جاد مع النّفس من باب جلد
الذات و محاسبة الضمير "أنا"..مؤشرات نفسيّة صادمة خاصّة بالنّسبة
للبطل..زيادة شّحنات المجازات و التخييل دلالة أخرى على بداية تربّع طيفها خاصّة
فوق قلبه المهزوز المتهالك المصدوم... ليبدأ الفصل الأخير و الحاسم في تشكّل تلك
العلاقة بين بطلين وجدا في ظروف مختلفة تماما و لأغراض متناقضة حتى..
و مع المشهد الأخير
الحاسم و مع المؤشر الزمني " بقت ساعة .." و فكّ شفرات هذا اللقاء
العجيب و مشاهده النّفسيّة المتلاحقة و المتراكة..تبدأ أحداث هذه السّاعة الثلاثة
الأخير بحوار آخر أكثر جرأة و شجاعة أدبيّة و شاعريّة مع طهور مواصفات نفسية أكثر إثارة كالكناية عن
النّدم المزلزل الذي أصاب نفسيتهما ..حتىّ أنّ الذكريات بسودويتها الطّاغية على
نفسية البطل دفعت به ليتصرّف بتصرفات غريبة مريبة كناية على شدّة النّدم الذي
صفعته صفعات مؤلمة.." ضرب الموقد مثلا ..و كلّ هذه المؤشرات تدلّ على قوّة
الزلزال الدّاخلي النفسيّ الذي ضرب كيانه الدّاخلي فبلغ أعلى مستوياته الممكنه على
مؤشر ريتشر ..لنصل بعدها إلى آخر حوار حاسم منفتح صريح بينهما...
و هو مؤشر قويّ على
بداية استحكام العلاقة بين البطلين و ما السؤال عن أحوالها و أحوال أقاربها
إلاّمؤشّر على ذلك..و كذلك مؤشر الانتظار بغرض الطمأنينة على سلامتها و بأنذها
أصبحت في أيد آمنة مستأمنة..إنّ ما تحاول القاصة اليمنية التنبيه له هو التنويه
لمفارقة عجيبة نفسية فارقة و مثيرة..فبدل أن ينقذها أنقذته و أخرجته من دوذامته
السوداوية التي كانت تحيط به من كلّ حدب و جهة...هي تعتبره منقذها و قدر الله
الحلو و بطلها المنتظر المرتقب..و هو يعتبرها منقذته و مخرجته من ظلمات اللصوصية و
الإجرام إلى عوالم النّور و الصفاء...
و بنظرة أخيرة حالمة
و ما تحمله من أبعاد نفسيّة و كأنّهما عاشقان متيّمان يفترقان بدنيا لا شعوريا
معلنان بداية حياة جديدة بعيدة عن لغة اللّصوصية (البطل) و لغة الموت و اليأس(البطلة)
و تظهر إلى السّطح مصطلحات جديدة تدلّ على
ظهور مؤشرات نفسية إيجابية أكثر اتساعا و أملا..(الفجر،الإبتسامة،الأفق،
العروج،المحاريب،الضوء،السحر..) كمّ هائل من ألفاظ السّعادة طفح على السّطح يوحي
بأمل جديد تصدّر المشهد أو ربّما بلقاء متجدذد يوما ما..
و تعمّدت القاصة عدم
الكشف عن معلومات جديدة عن مصير تلك العلاقة الحميمية التي عاشاها البطلان لإضفاء
مزيدا من الغموض و الإثارة و الإبقاء على عقد القصّة مفتوحة الأبواب...
و من باب الحقيقة
التّذكير و الإشادة بلغة القصة الرّاقية من حيث اختيار الألفاظ و الدلالات و
التّوازن بينهما ..فلغة القاصّة سلسة عذبة، مرنة سهلة و قد اختارتها بعناية عين
أنثى كاشفة ..و قد ركبت أحصنة التّشبيهات و الكنايات و الاستعارات و المجاز لإضفاء
مزيدا من الموسيقى الدّاخلية و الإيقاع المبهر المنعش الماتع.. و أخيرا فقد نجحت
الكاتبة وسيلة أمين سامي في إبلاغ رسالتها بنجاح باهر و بوضوح لافت ملفتة إلى
ضرورة الاهتمام بمستقبل زاهر واعد آمن و أنّ المشاعر الجميلة الإنسانية هي الضّامن
لذلك بدل الدّمار و القتل و التّهجير و المآسي...و الله وليّ التوفيق..
الجزائر في
13/02/2024
و بعد هذه السّياحة المباركة
هاك أخي القارئ القصّة بلسان كاتبتها ..
(( ثــلاثُ ســاعــات)) .
2016م
الثانية عشر منتصف الليل , كان يسير بخطى وئيدة , مشتملاً قتامةَ روحه , يشق عباب نقمته المسفوحة
فوق ملامحه المكفهره , يركل كل
مايصادفه أمامه باستياء مرير , عيناه تقدحان شررا , يتميَّز غيظاً
يكاد يخرج من جلده .
وقف قبالة منزل أدرك أنه تعرض لقصف
صاروخي , الظلام يلف المكان , أغلب أهالي الحي النائي نزحوا من مساكنهم بعد القصف .
فكر بدخول أحد المنازل ..لكن
قبل ذلك دفعه فضوله لاستكشاف ذلك المنزل المهدم جزئياً
.
تسلل اليه وهو يتلفت يمنة ويسرة بحذر
شديد , البرق يلمع بين السحب الكثيفة بين الفينة والاخرى
السماء تنذر بهطول المطر , طاف
بالمنزل . وبينما هو منهمك في ذلك , ترامى لمسمعه صوت أنين خافت أفزعه ..لكنه
أقنع نفسه بأنه يتوهم , صوت الأنين
مرة أخرى , أيقن عندها أن هناك من يتألم حقاً
,
جال ببصره في كل اتجاه مسلطاً مصباحه
اليدوي متتبعاً بسمعه مصدر الأنين
,
أدرك أنه قادم من تحت ركام كثيف في
إحدى الزوايا , فكر بالمغادرة فالأمر لايعنيه
.
فجأة كأنه سمع هاتفاً غريباً في نفسه
يحضه بقوة ..ساعد ..مد يد العون
.
أيقظ ضميره من غفلته ..تراجع عن فكرة
المغادرة , انتابته رغبة قوية في تقديم المساعدة , وإن كان قد حرم من كل شئ
إلا أن الله قد وهبه بُنية قوية ولأول
مرة سيستغلها في فعل خير , بدأ يزيح الركام الذي كان ميسورا عليه إزاحته .
كانت المفاجأة .. شابة في مقتبل العمر
, ساوره شعور بالشفقة التي لطالما تمناها لنفسه فلم يجُد بها عليه أحد .
إعصار من المشاعر المختلطة تشظى في
دمه ..
سحبها برفق وهو يتساءل :
كيف لم ينتبه لها أحد ؟؟.. تباً لمن
يستبيح هذه البلاد
ً .
إستمر بإزاحة الألواح والتراب والأ
حجار التي تساقطت على
ساقيها
.
إشتد أنينها كانت تتمتم بصوت خافت
متقطع بالكاد يسمع .. أنصت لها جيداً
ـ أرجوك أنقذني , خذني للمشفى.
عرف أنها على حالها تلك منذ ساعات
طويلة .. عادت تقول
:
ـ أشعر أن قدمي قد بترتا والألم شديد
.. أنت ملاك رحمة بعثك الله إلي كنت يائسة من النجاة
.
(ملاك ) رددها في نفسه .. كلمة لطيفة .. على رقتها إلا أنها قوبلت باستهجان من قبل كلمات
السخط المزروعة في سريرته لكن سرعان
ماألقت بظلالها العذبة في نفسه وانعكست إيجابا على عالمه الداخلي المليء بالفوضى
والقبح ،
نبشت ماتراكم من غلظة صُبّت في عقله
اللاواعي وجعلته نهباً للخطايا
.
في هذه اللحظة لم يتذكر سوى صوت أمه ,
لاح طيفها فتوسد قلبه عبق الذكريات الحانية , وحده صوتها كان يردد
هذه الكلمة اللطيفة (ملاك )لكن الموت
غيبها .
أصبحت ذكرياته الجميلة تمضغ الأمس
المهترىء في مرايا الأفول
.
قطع شرودة صوت الفتاة :
ـ أرجوك خذني لأقرب مشفى , سيارتي في
الخارج أتمنى أن لا يكون الدمار قد شملها لكني لاأتذكر أين وضعت مفتاحها.
أخبرها بأنه يستطيع فتحها بطريقته
الخاصة .. لم تعر ذلك اهتماما , كل ماكان يهمها هو الإسراع بإسعافها .
نظر لقدميها اللتين طالهما إصابة
بليغة , ربطهما جيداً كإسعاف أولي وهو يقول
:
ـ لاتقلقي سيكون كل شيء على مايرام إن
شاءالله .
السيارة أصابتها بعض الشظايا في أماكن
متفرقة لكنها ماتزال بحالة جيدة , إستطاع بخبرته وخفته فتحها وتجهيزها خلال دقائق .
عاد إليها حملها برفق حتى استلقت في
كرسيها الخلفي وهي تقاسي الآلام المبرحة
.
أضاء البرق ملامحها الجميلة ، السماء
تمطر بغزارة ، تحركت السيارة
.
مشاعر غريبة تنتابه لم يكن قد أحسها
من قبل ، إبتسم بأسى كيف دخل لصاً فأصبح ملاكاً منقذاً.
السيول تحدث حفراً في الطريق تحاشاها
لطريق جانبي وتوقف هناك ريثما تنحسر
.
السيول تزداد .. الرعد يزمجر بقوة
مهيبة .
التفت إليها .. حدق في عينيها وبرغم
مااعتراهما من اجهاد وذبول إلا أنهما وبوميض إيحاء
غريب منهما كانتا مقنعتين له بتهذيب
مشاعره وإصلاح مافسد من سلوكه فاستجاب لاإرادياً لذلك الإيحاء.
عادت مشاعر نائية لطالما ولتهُ ظَهر
بُعدها فأشعل القلب مصابيحه وأبصرت العينان دروباً مؤنسة
.
ـ السيول شديدة لاأستطيع مواصلة السير
هل تستطيعين تحمل الألم ريثما تنحسر؟؟
هزت رأسها مستسلمة , إذ لاخيار آخر ..
ساد الصمت وعلى مسام الوقت انبعج الليل وتمادت ظلمته
.
مرت ساعة ونصف منذ التقاها .. سألها :
هل لي أن أعرف ما اسمك ؟
أجابت بوهن
:
ـ كوثر
.
قال في نفسه : ياله من إسم جميل .
ترقرق منه ينبوع عذب زهّر ماتحجّر في
نبض ضلوعه .
ـ وأنا محمود
.
-- ممتنة لمساعدتك يامحمود
-- العفو هذا واجبي
.
عرف منها أن أسرتها سافرت وهي على
موعد للحاق بهم بعد الإنتهاء من اختباراتها الجامعية لكن الصواريخ والقذائف دمرت
كل شيء جميل .
عادت تثني عليه .. زرعت تنهيدةٌ حارة
في صدره أشواكَ الحسرة وهو يهمس في نفسه : آه لو تعلمين أي نية دنيئة كانت تراودني
عندما دخلت منزلك.
ومن خلال وميض البرق لمح عينيها
المتعبتين أحس كأنهما تقطران فجراً في مهجته قطرة قطرة
.
أزف ربيع عمره تنفس شوقا ، خفق نبضا
جديداً مخضوباً بالشروق
.
مرت ساعتان .. الوقت يثاءب .. ينسل في
أحضان الرحيل .. المطر ماانفك ينهمر بشده، قطراته تطرق زجاج نوافذ السيارة كأنها
هاربة من خطب ما .
كوثر تستسلم لآلامها بصمت .
خرج من السيارة يعاين الطريق لفحته
الرياح.. غمره المطر..
مستعذبا زخاته القاسية في سبيل إنقاذ هذه
الجميلة
أحس بأحزانه تتنادى أمام عينيه تلوذ
بتلك الرياح لتذروها رمادا
.
عاد إلى السيارة
.
-- ماكان ينبغي أن تعرض نفسك للخطر .
تنسم عبير صوتها جذِلا ، أحقا أن هناك
من يحنو علي !!!!
-- كانت محاولة ، المهم كيف حالك الآن ؟
ـ لم أعد أحس بقدمي أنا خائفة
ـ لاتخافي سيكون كل شيء على مايرام .
ابتسمت بوهن
.
نظر لعينيه في المرآه الأمامية لأول
مرة يرى فيهما وميضاً يفيض بالفرحة والدفء وكأنه شخصية أخرى جميلة انسلخت
من شخصيته اليائسة المأزومة .. أحس
بشيء عذب غامض يزلزل كيانه
.
تسائل : ماالذي يحدث لي ؟
أينع دفء غريب في صقيع المساء .. تعلق
القلب بأجنحة المطر يرتجي إخضراراً لخفقاته الذابلة.
وفي عالمه الداخلي كانت شفاه الوقت
مزمومة تأبى البوح بحكايا الوداع..
تخطفته الذكريات .. أخذ يضرب المقود
بعنف وكأنه يضرب الدرب المظلم الذي سار فيه وحيداً تحفه الأشواك والآثام والمخاطر
فزعت كوثر سألته
:
ـ ماذا بك ؟
أجاب : لا شيء فقط مستاء من هذا الظرف
الذي أعاق وصولنا للمشفى
.
بدأ المطر يخف والسيل ينحسر .. إنطلق أخيراً باتجاه المشفى .. صادفته الكثير من العوائق في
الطريق لكنه استطاع تجاوزها بمهارة حتى وصلا
سألها : هل لديك قريب حتى أعلمه بحالك
؟
ـ نعم
أملت عليه رقم جوال أحد أقاربها ،
أُدخلت للمشفى , إنتظر حتى اطمأن لقدوم شخص يسأل عنها
.
نظرا لبعضهما نظرة أخيرة ثم غادر وهو
يردد في نفسه :
-- من يدري قد ألقاك يوماً ما وأنا الملاك الذي ظننتِه .
الفجر يتبسم في وجه الأفق .. روح
محمود . تعرج بمحاريبَ وضاءة من سَحَر إلى
سماء الطهر والنقاء.
ثلاثُ ساعاتٍ انصرمت كـأنما قَدَّت لعمره من ضَيِّ الإشراق
دهرا.

تعليقات
إرسال تعليق