ثنائية الحبّ و الوطن في سرديات الكاتبة التونسيىة منجية مرابط ...

ثنائية الحبّ و الوطن في سرديات الكاتبة  التونسيىة منجية مرابط ...





بعض المشاعر تبقى كامنة تترّقب حتّى إذا أحسّت بالخطر القادم و استفزّت و هزّت و زُلزلت نهضت  و وثبت لتشارك هموم حاملها ، و تصرخ بصوت عال أنا هنا أنا هنا ..يكفيها بعض الرّجرات و الاهتزازات فكيف إذا هدّدت  و حام حول حماها الذئاب و الثعالب و الضباع و جاؤوا من كلّ صوب و حدب ينسلون ...تلك ردود طبيعية لانعكاسات فطرية و هيئات باطنية نفسية ستصدر عنها طبعا سلوكيات ظاهرية قولا أو عملا أو إشارة و أخرى نفسية إيجابا و سلبا ...فكيف إذا كان الوطن هو المستهدف ؟..

و الشاعرة التونسية منجية مرابط من فرط حبّها للوطن و إحساسها بالخطر الدّاهم  الذي يهدّد أم   و استقراره بادرت إلى خطّ الدّفاع عنه متخذة  من الشعر و النّثر لبوسا لها و ترسا تبثّ فيهما حبّها الكبير و لا تخفي تخوّفها من هذه العواصف التي ما فتئت تضرب بقوّة و شدّة حصون وطنها تونس الخضراء ..

و ها هي في هذا المقطع تصرّح علانية تخوّفها من عودة الديكتاتورية من جديد بعدما أُعيد زج عصفور وطنها المغرّد إلى القفص  و ما العصفور إلاّ إشارة إلى الحريّة المكتسبة أو الشّرعية الشعبية الدستورية ...إنها صورة بشعة للقهر و الاستبداد بعد التحرر و الانطلاق ...  و لا تخفي الشّاعرة امتعاضها من زجّ الحريّة وراء القبضان و العودة إلى عهود العبودية و الاستعباد و تلك إشارة إلى النّظم السابقة التي عادت على أيدي من سفكوا ثورة الياسمين تحت مسميّات جديدة و أجندات  محضّرة  حيث كتبت تقول:

" ما أبشع عصفوركَ الّذي عاد إلى القفص،

ليرضى بالفتات !!

مِن يدي مَن سَفكُوا دم الثّورات !!"

الشاعرة  لم تألُ جهدا في تقديم النّصح لمن يستحقّوه و أنها على استعداد للتضحية بنفسها و كلّ ما تملكه من أجل المحافظة عليه آمنا مأمونا و لكن في كلّ مرّة تُرفض نصيحتها و يأبى الوطن إلاّ أن يقاوم مفردا معزولا جاعلا من نفسه متارس و قلاعا لتلك العواصف الضاريّة التي تضرب استقراره من الدّاخل و الخارج ...و كم كانت خيبتها كبيرة و هي ترة بدايات انهيار دفاعته الأولى ...و ها هو لسان حالها يقول:

" كم وصّيت الوطن،

أن يتكئ على كتفي ،

  حين تصدّه الرّياح ..

فأبى إلاّ الوقوف ! "

و في ظلّ  شراسة و بشاعة تلك العواصف الهوجاء لا يسعها إلاّ الانغماس إلى درجة التناغم و التّوحد في مناجاة وطنها الأخضر ..و اللون الأخضر يحمل دلالات متعدّدة ..فهو إشارة للنماء و الخصوبة و الزّرع و كذلك هو وطنها الأخضر و هو أيضا إشارة إلى الانتماء الحضاري للشرق و العرب و هو أخيرا رمزا للحياة التي تنتظر أهل الإيمان في جنّة الخلد ...و هذه دلالات كبرى واضحة المعالم جليّة المعاني .

و تأمّل العنوان ..حبيبي الأخضر ..حذفت "يا" حرف النّداء لتلغي كل وساطة بينها و بين وطنها الأخر فلا لافتة لها و لا جهة معينة ، و لا مصلحة لها إلاّ مصلحة الوطن و كفى.. لذلك فهو أقرب إليها من أيّ شيء بل هو ساكن في سويداء قلبها و متربّع في عرش روحها ...و الحبّ هو أعلى درجات الولاء و ليس بعده من ولاء...فالعلاقة بينها و بين الوطن هي علاقة لا تتجزأ و لا تتأخر و لا تموت و لا تفنى على مرّ الدهور..

و تأمّلوا معي هذه المناجاة الصادقة الجيّاشة:

حبيبي الأخضر .. {هنا وضعت صورة العَلَم التونسي}

 

" لن أترك الخفافيش تقضم فرحتي بكَ ..

البارحة حين احتسيْنا همس النّجوم ..

ورقصنا رقصة الحب مع القلب ..

سقط الخريف من شرفة الفصول

الشّتاء ،

الصّيف ،

لم يبق إلاّ الربيع يُطلّ من عينيكَ ؛ فأزهرُّ أنا ..

يكسوني الياسمين حتّى أخمص قدميّ ؛

برائحة البرتقال يزفّني إليكَ،

تفّاحة لا تقبل النّضوج

إلاّ في غصنكَ !"

بوح جيّاش صادق دافئ يتسرّب إشعاعه عبر مسامات أرواح المتلّقين فيحيلها حقولا للياسمين و ربيعا لا صيف فيه و لا شتاء و لا خريف ..حيث أشجار البرتقال المتربّعة ، و أشجار التّفاح التي لا يكتمل نضوجها إلا في تربة وطنها الأخضر ...و كأنها أي الشاعرة و هي إشارة إلى كلّ امرأة تونسية عروس جميلة في معرض زفافها زفّت لذلك العريس الياسميني العطر و النشر و ما ذلك العريس الملفع بالاخضرار إلا وطنها الأخضر.. و كم يحلو للعريسيْن أن يرقصا في ليلتهم كلك المشهودة رقصة الحبّ إعلانا عن سعادتها الأبدية و اتحادهما السرمدي ..و الشّاعرة من فرط إحساسها المرهف ترة تلك الليلة الماضية و كأنها اليوم رأي العين...

و من حقّها و هي ترى أحلامها تهوي أن تطرح تساؤلها المشروع :

" لماذا أنا مُلهمي ..

ألم نقسم الموت ضحكتين

ألم نقسم الكفن وردتين"

لا ملهم لأشعارها إلاّ الوطن و حبّه المتمكّن المتجذر ..و قد أقسمت يمينا غير حانث أن تجود بروحها سخيّة من أجله و أن تتقاسم معه الكفن ..فحياة الوطن حياتها و موته موتها ..تلك معادلتها التي تحيا لها و تموت عليها ..و هذا المقطع بالإضافة إلى شاعريته و جماليته فإنّه يحدّد بوضوح خريطة طريقها في هذه الحياة ...

و تختتم  تخوّفاتها بدعوة صريحة لا خيال فيها و لا غموض تدعو من خلالها إلى ضرورة التسلّح بالوعي و رفض الاستبداد بجميع صوره و أشكالها ، و المقاومة حتى لا تقبر أحلام الشعوب المشروعة ..و لنرهف أسماعنا حيث تقرر:

" إنّ الوعي هو سلاح الشّعوب ضدّ كلّ من يُريد استعبادها، ومن دونه تكون الشّعوب لقمة سائغة تلُوكها أفواه المستبدين !."

و نراها قد لجأت إلى المباشرة و التقريرية لأنّ الموقف جلل و الخطب جلل...


تعليقات