لحظة وداع ..{قصة قصيرة}

  لحظة وداع ..

مذكرات طالب 01




قرُب الموعد ..إنّها حالة اعتدتُّ معاقرتها منذ التحاقي بجامعة عنّابة ..يراها غيري أمرا اعتياديا و أراها معاني رقيقة و أحاسيس مرهفة و مشاعر جيّاشة يهتزّ لها الوجدان و يهيم الفكر غارقا في إيحاءاتها مستلهما أسرارها واقفا على شرفات فنّ راقيّ تتخلّله ألوان زاهيّة بديعة ..و في ظلّ هذا الزخم تأتي الكلمة المعبّرة الموحيّة في أبهى حلّة لتلوكها الألسن و تخطّها الأقلام في شكل نثر رقراق أو شعر فيّاض ...

و كلّما قَرُب الموعد ازدادت جذوة هذه الأحاسيس و المشاعر تأجّجا و اشتعالا ففراق الأهل و الأحبّاء مؤلم و إن تقاربت المسافات و مرّ مذاقه و إنْ حفّ بكوكبة من الكلام الرقيق و الابتسامات العريضة و الدعاء العريض و النظرات المتسارعة المتقطّعة مع أنّ القلب يسعى جاهدا لإخفائها و ردّ وميض الدموع المنعكسة في الأحداق ...

إنّه فراق أمّ رؤوم لابنها سهرت الليالي الطوال تدافع عنه و تنافح من أجله الكرى عن عينيها المتفتحتيْن في قطع الليل المظلم و تكابد لأجله الآلام و الأحزان صابرة محتسبة و كلّها أمل و حماس و اندفاع و شجاعة..

في زحمة هذا المعترك النفسي يدخل ابنها الطالب في دوّامة من الفكر العميق و التّأمل الواعي فاتحا على نفسه باب تساؤلات تقريرية و محاولا الإجابة عليها في نفس الوقت..

أتدري ما أملها في هذه الحياة ؟ ألم يسأل أحدنا نفسه مثل هذا السّؤال.. إنّه ببساطة أنت..   أنْ تراك شابا يفعا قويّا مستقرا...و عندها فقط تطمئنّ للحظات و تعاود من جديد تفعيل        و تنشيط أحلام قلبها المملوء حبّا و رحمة و حنينا.

عجبا لحال الأمّ تحنّ على ولدها و لو كان عاقا غير مطيع و ما ذاك إلاّ لقلبها الكبير النّقيّ الآمن من العثرات و الزّلات و التقلّبات و التغيّرات.. إنّها حقيقة يراها الولد المطيع واقعا متحرّكا تعايشها أحاسيسه و أفكاره من قبل و أثناء و من بعد...

 ما أجلّها من وقفة سرعان ما تختفي و ما أسرعها من ومضة نور خاطف و لحظة إشراق عابرة و حكمة باهرة تستوجب الوقوف عند عتباتها ...

ما الحكمة المختفية وراء هذا الحبّ المتدفق؟

لماذا مثل هذا الحبّ لا يموت بل و يتجدد و يقوى كلّما حن موعد الفراق؟

لماذا يزيد هذا الحبّ كلما تجدّد اللقاء ؟

و غير ذلك من التساؤلات و الوقفات ..أسأل نفسك بنفسك ترى الجواب و تتفرّس السبيل..

ألا تراه في نظرات الأمّ الحانية و لمسات أيديها المحزنة المتتابعة الدافئة لتحكيه   عيون  أمّ جاموس أو غزال فقدت أمل استرجاع ولدها و هي تولّي الدبر بخطى متثاقلة بطيئة مختصرة مشهد وداع مروّع و أنياب السّبع الضّاري تقطّع أنفاس وليدها بل نبضات قلبها التي تكاد أن تتوقف لتنطلق بعدها بسرعة جنونية عجيبة  معلنة انهزامها و وداعها الأخير...

ألا تراه في نفس أنياب السبع القاطعة و هي تحمل  شبلها بكل رحمة و حنان وحذر...          الأنياب واحدة و النتيجة مختلفة ..و حانت لحظة الفراق المعتادة تتخلّلها كلمات معبّرة مختارة و عواطف صادقة نستجيش الحسّ و مشاعر تدمي الفؤاد من شدّة تقرّحاتها و نزفها المتواصل..

إنّه ذلك الحبّ اللدنّي الذي يقذفه الله في قلوب الأمهات و يرعاه و يباركه ، و لكم وددت أن يتجدّد الموعد و يتجدّد لتنعم روحي و تحلّق في مقامات سامية أقلّ ما يقال عنها أنّها جنّة الله في الأرض .


تعليقات