سيميائية العنوان : محاولة تأسيس و بناء
سيميائية العنوان : محاولة تأسيس و بناء
عنوان القصيدة مفتاح من
مفاتح قراءة النّص الشعري بما يسديه من خدمات و تسهيلات و مقدمات لفهم النص عموما بغض النّظر عن اختلاف
وجهات النقاد المعاصرين خصوصا عن نجاعته من عدمها ...
و يمكن اعتبار العنوان شكلا
من أشكال براعة الاستهلال يعتمدها الشاعر لإثارة القارئ و استفزازه و حمله على اتباع قواعده الخاصة أو
على الأقل محاولة التأثير فيه نفسيا طمعا في توجهيه و التأثير على قناعته أملا في
صنع اتجاه ما بالرفض أو الـتّأييد أو التحييد حتى ..
أمّا العنوان من حيث الشّكل
فيتراوح من كلمة إلى ثلاثة كلمات كحد منطقي مقبول و إلاّ فقد بهرجه و تأثيره و حتى
روحه ..أمّا من حيث الدلالة فتنوّع و فنّ و جمال...
فتعالى لنستعرض معا بعض هذه
العناوين ...
1-
العنوان المباشر : عنوان تقريري لا روح فيه و لا خيال
يعمد إليه الشّاعر بهدف تبليغ رسالة معينة واضحة فهو لا يريد للقارئ أن يتوّل و
يسقط في فخ التأويل و بذلك يكون النص الشّعريّ عبارة عن شرح واف مطوّل عن دال
العنوان و مدلوله و كثيرا ما يعتمد هذا الأسلوب العلماء و بعض النشطين السياسيين و
الجمعاويين و يوجد من هذا لكثير الكثير ..
2-
العنوان غير المباشر : يلجأ بعض الشّعراء لهذا العنوان
كإجراء احترازي خوفا من تبعات نصه الشعري أمام جهة ما سياسية أو دينية و مثل هذا
العنوان يكون مطاطيا زئبقيا يحتمل دلالات كثيرة و يأمل الشاعر من القارئ الاهتداء
إلى رسالة الشاعر المتضمنة لفكرة ما أو
أفكار معيّنة أو وجهات نظر خاصة متعلقة
بموضوع سياسي أو ديني أو ثقافي .و كثيرا
ما يتزامن هذا العنوان مع مرحلة زمنية لحظية محدودة من حيث المكان و الزمان و
الأشخاص و يوجد الكثير من هذا أيضا ..
3-
العنوان المغالط:يهدف كاتبه إلى تغليط القارئ و تضليله و
لا يريده أصلا أن يهتدي إلى مقصوده و مراده و لكنه يرغب من القارئ أن يقرأ نصّه
فهم رسالته أو عميَ عليها ..و مثل هذه العناوين لا تعطي أصلا أيّ فكرة أوليّة عن
النص و على القارئ أن لا يطمع أو يحاول الربط بين العنوان و النص لأن كليهما في
واد تماما كالخطين المتوازيين الذي لا يلتقيان مهما امتدّا ...و أغلب النصوص التي
يتصدّرها هذا النوع من العناوين تتسم بالغموض و باحتوائها لألفاظ غريبة متناقضة
فكأنّك تسير في أرض غريبة لا معالم فيها ..
4-
العنوان الاستفزازي :مثل هذا العنوان يراد به كاتبه
استفزاز القارئ و الهجوم عليه ابتداء و محاولة
إثارة كوامنه أو أفكاره أو معتقداته لحمله على اتخاذ موقف من كلامه بالرفض
أو القبول أو على الأقلّ قراءة نصّه إلى آخره لمن تحمّل و صبر ..و أغلب القراء
يكتفون بقراء العنوان و قلّة منهم من يجرأ على قراءة نصه و أقل القليل من يقرأ
نصّه إلى آخره ..
5-
العنوان الاعتباطي: وهذا العنوان يأخذ معناه من النّص
نفسه إذ يأتي على الغالب نصا ارتجاليا لا منهجية فيه و نظام ..هكذا كتابة من أجل
الكتابة حتى يقال أنه كاتب أو يا له من شاعر مائز ...و عموما تتصف نصوص هذا
العنوان باللا فائدة فكما دخلت فيه خرجت منه و ليس لك إلا التعب و القلق و ربما
الغضب ..و هو من مستلزمات التواصل الاجتماعي عبر الأنترنت إذ يتحوّل كل من له حساب
تواصلي شاعرا لا يشقّ له غبار و لكنّه في الحقيقة و من نظر أهل الاختصاص مهرّجا
ليس إلأ أو كالحاطب بليل بلغة أهل الأدب و الأمثال.
6-
العنوان الإيحائي:و هو النوع المفضّل و الشكل المناسب و
الموافق لنصّ القارئ نت جهة و اهتمامات الشاعر من جهة ثانية ..و يتسم هذا النوع من العناوين بالابتعاد من المباشرة و
التقريرية و الغموض المبالغ فيه و الغرابة و الابتذال لكنّه يتلبّس يلبوس الجمال
تارة و الفلسفة تارة أخرى و العاطفة تارة أخرى ..و لا يجد القارئ تنافرا بينه و
بين النص و لا تعارض و لا تناقض و لا تخاصم بل ز كأنّ العنوان قطعة من النص الشعري
أو مقطعا لا يتجزأ منه ..و يحمل مثل هذا العنوان من الإيحاءات و الإسقاطات ما يجعل
القارئ يندفع بحماس و قوة و رغبة لقراء النص كاملا و بعناية خاصة و تركيز
أخصّ...كما يتصف هذا العنوان بالجديّة و احترام القارئ إلى درجة تقديسه أحيانا ..
و بعد فهذه محاولة جادّة
لتأسيس ملامح و بدايات فنّ أدبيّ لم يكن
موجودا أصلا في تراثنا الموروث و إنّما هو وليد هذا العصر الحديث الحداثي ..هي
ولادة شاقة و عسيرة و لكنها لأهل الأدب و الشعر ولادة سارة و مباركة و ما توفيقي
إلاّ بالله العليّ العظيم ..
بولمدايس عبد المالك
الجزائر في 21.07.2021

تعليقات
إرسال تعليق