قراءة في قصيدة للدكتور الشاعر العراقي وليد جاسم الزبيدي

قراءة في قصيدة للدكتور الشاعر العراقي  وليد جاسم الزبيدي

L’image contient peut-être : une personne ou plus et personnes debout

           كتابة الشّعر في مثل هذا العمر تمتاز بطعم خاص و مميّز و لعلّ الحكمة فيها هي أشهر من نار على علم ..ثمّ إنّ للتجربة و الخبرة انعكاسهما  و ظلالهما في البناء و التركيب الأدبي و اللّغوي ..و ممّا يزيد القصيدة بهاء و رقيّا ارتيادها للبحر الخليلي ما أكسبها موسيقى خارجية متناغمة و قد اختار البحر الكامل بتفاعيله المتساوية المتعاقبة ؛ فإذا ما أشفعت بعناصر إيقاعية داخلية استحالت القصيدة إلى سنفونية مدهشة فاتنة و قائد جوقها شاعرنا د. وليد جاسم الزبيدي/ العراق الغنيّ عن التّعريف ..فكذلك هي قصيدته هذه الفريدة التّي سنحاول إثارتها و استفزاز مكنوناتها  و العزف على أوتار موسيقاها لتخرج لنا أعذب الألحان  و أشرف المعاني .
 تبتدأ القصيدة بأداة "لا" النافية للجنس التي تعتبر حرفا من حروف النفي التي تدخل على الجملة الاسمية، فتنصب المبتدأ ويُسمّى اسمها وترفع الخبر ويُسمّى خبرها. و عمد الشّاعر إلى التّوكيد اللّفظي " لا ..لا " لشدّة حرصه على ضرورة فهم رسالته القويّة التي يريد إبلاغها لصنف معيّن من النّاس دون مداهنة و لا مواراة و لا تردّد أو غموض...و قد تكرّرت لا النافية في القصيدة  خمس مرّات زيادة في التوضيح و البلاغ و نكاية بالحساد و العاذلين و المتربصين بالحرف القويّ  و روّاده و بالمعنى الجميل و عشّاقه ..
لا.. لا عزاءَ فقدْ حملتُ ودادي..
ورضيتُ أسكنُ في حمى الحُسّادِ..
بداية قويّة صادمة عن عمد و سبق إصرار أرادها الشّاعر رسالة لا التباس فيها و لا تأويل..لا صبر حسن بعد الآن و قد بلغ السيل الزّبى و هاأنذا أحمل ودادي و أعريكم كناية على سلّ سيف العقاب لمن يخطأ مستقبلا في حقّه      و حقّ أفكاره و التّعبير بالوداد إشارة على أنّه قد عاملهم معاملة خاصّة تعدّت حدود الحبّ إلى الرّحمة و الصفح و قرّر مختارا و عن قناعة اللعب في ملعب الحسّاد و هذا إعلان حرب مسبقة و الحسد معروف و ما إتيانه بالجمع            و المبالغة " حسّاد" إلاّ دليل على كثرتهم و في ذلك بيان لقيمة المحسود       و شأنه بين النّاس .. و لم يبيّن لنا الشاعر طبيعة هذا الحسد أو نوعه و التعبير بالرضى و الحمى إشارة قويّة من الشاعر لاستعداده و تفرّغه .
خبّأتُ عن قصْدٍ قصيديَ منهُمُ
فعلامَ صبري والجروحُ تنادي..
و قد عمد الشّاعر إلى إخفاء قصائده عن الحسّاد عن قصد و تعمّد خوفا من سيف حسدهم القاطع و لكنّ صنيعه هذا لم يمنع الحسّاد من إيذائه     و تمنّى تلك النّعم التي حباه الله بها و خير دليل جروحه النّازفة و قد أعربت بفم تشكو حالها و تنادي الغوث الغوث...
لا..لمْ أدعْ حرفاً يُشلُّ بقولهم
كلماتُ عشقي لم تكنْ بحدادِ..
وكتبتُ في كلّ البحورِ قوافياً
لا ما عجزتُ وكنتُ فخرَ النادي..
ورسمتُ فكري رغمَ كلِ قيودهم
لا ما حذفتُ من القصيدِ مُرادي..
وصدحتُ في كلّ المنابرِ ثائراً
من فيضِ عشقي في ترابِ بلادي..!
جميع هذه الأبيات و المقاطع إعلان مسبق على سياسته الجديدة المنتهجة في مواجهة حسدهم الحارق الخارق و بيان صريح لبعض الخطوات التي سيخطوها و التحصينات التي سيعتمدها مستقبلا...
لا..لمْ أدعْ حرفاً يُشلُّ بقولهم
كلماتُ عشقي لم تكنْ بحدادِ..
       أوّلا سيبدأ في نشر قصائده للعلن ولن يصدّه عن ذلك أقوالهم المثبّطة التي تحاول حسدا منهم شلّ حرفه الحرّ المقبل المدويّ في سماء الإبداع  و التّميز ، و لن يلتفت إلى مجالس حدادهم التي يقيمونها للحطّ من كلماتها و ما تبثّه  من عشق للوطن و الحياة و الجمال و سيحيلها مجالس موت للذين سعوا لإقامتها و طمس معالم حرف المنطلق كنسر لا يرضى إلاّ بأعلى قمّة له مسكنا و وطنا...
وكتبتُ في كلّ البحورِ قوافياً
لا ما عجزتُ وكنتُ فخرَ النادي..
ورسمتُ فكري رغمَ كلِ قيودهم
لا ما حذفتُ من القصيدِ مُرادي..
وصدحتُ في كلّ المنابرِ ثائراً
من فيضِ عشقي في ترابِ بلادي..!
هذه الأبيات الثلاث كلّها تضمّ في ثنايا حكمها فعلا  ماض   " كتبت ــ ما عجزت ـ كنت ـ رسمت ــ ما حذفت ــ صدحت " دليل على أنّ ما صرّح به أمسى من المقررات الماضية المثبتة التي لا تناقش مرّة ثانية ..فكلّها أحكام صريحة ماضية صدرت ..جفّت الأقلام و رفعت الصّحف فلا سبيل للتغيير أو العودة أو التّردد تحت أي مبرر أو طارئ أو إكراه ..
فما هي هذه الأحكام و القرارات؟
كتبتُ في كلّ البحورِ قوافياً
لا ما عجزتُ وكنتُ فخرَ النادي..
إعلان كبير بالبنط العريض على استحكام ملكة الشعر عند شاعرنا و دليله ارتياده لجميع بحور الشّعر و الخروج منها في كلّ مرّة بقصائد فرائد حسان و ما كثرة القوافي و تنوّعها في شعره إلا دليلا قاطعا على صحّة ما ذهب إليه...بل و كان دائما في النوادي و المنابر فارسها الذي لا يشقّ له غبار و ما الفخر الذي يعقب قراءاتي إلا دليل آخر على ترويضى لقوافي الشعر و بحاره و تقاطيعه.
ورسمتُ فكري رغمَ كلِ قيودهم
لا ما حذفتُ من القصيدِ مُرادي..
و الحكم الثاني أنّني استطعت ترويض الألفاظ و المعاني برغم القيود المضروبة على القصيد و تمكنت من إيصال أفكاري بأساليب عديدة و متنوعة و لم يغب عن تلك القصائد مقاصدي و رسائلي التي أحببت إرسالها و إيصالها و هذا من بلاغة القول و حسن البيان و مهارة الاستحكام و كمال التحكم..فأفكاري في ظلّ تلك القيود المفروضة على الإبداع و الفكر وجدت طريقها نحو القلوب و النفوس و العقول..و لم أضطر يوما إلى المداهنة في الكتابة و ركوب المجازات الغارقة في الخيال و الإشارات التي توحي بالمعنى و ضدّه...
وصدحتُ في كلّ المنابرِ ثائراً
من فيضِ عشقي في ترابِ بلادي..!
ليأتي إعلانه الحاسم بأنّه و لا فخر كان صوته الصّداح يملأ المنابر و النوادي رافضا للذلّ و الخنوع ، ثائرا على كلّ ما يشين و ينقص و يهدّم و لا يبني     و ما ذاك لمصلحة شخصية أو هدف دنيوي عاجل أو منصبا مستهدفا و لكن عشقا و هياما لوطني ..العراق..ثم العربي فالإسلامي ...لأنّ الوطن كلّ لثلاثة أجزاء ..وطن المنشأ و الميلاد..و طن العروبة و الهويّة ..و أخيرا وطن الإسلام و الانتماء ..
و ما عشق تراب الوطن إلاّ واجب و فرض على شاعر مثلي جعل عشقة الواحد و الوحيد وطنا حاضنا .





تعليقات