قراءة جمالية في " لوحة سريالية " للشّاعرة العراقية شذا رفعت
قراءة جمالية في " لوحة
سريالية " للشّاعرة العراقية شذا رفعت
لوحة سريالية هي صورة ذكراك تتداخل فيها الحقيقة
بالخيال و تتعلّق الذّات بالمستحيل ...عندما تهبّ عواصف الذكرى و زوابع الشّوق فتثير أتربة حبّ رابض في أعمق الوجدان فيدنو منّي
طيفك المتواري خلف جُدر المسافات و أكوام الوقت المتراكمة و حصون الأمكنة الشامخة فتمتدّ
يدي لتصافح يدك و تتسارع نبضات قلبي لانبلاج صورتك المترنحة أمامي خلف ستار ممرد بقوارير و تنقلب صورتك المتخيّلة إلى
حقيقة مادية مشاهدة فتتناغم الأرواح و تتحد و إلى الأبد...تلك هي صورة طيفك السريالية
و هي تداعب أوتار قلب منكسر من نزف الذكرى..
رسائل شوق فواحة عبقة تنشر شذاها
فيتعطر القلب و يغدو زهرة ياسمين في جنات حروفها العاطرة لسيدة النقاء و الطهر الشاعرة شذا رفعت في
قصيدتها " لوحة سريالية " ..لوحة سرياليّة تشترك فيها عناصر أربعة و لا
تبوح بسرّها إلا باجتماعها جميعا ..فهي لوحة كليّة مألّفة من أربعة أجزاء فما حقيقة كلّ جزء منها ؟
و ما هي الرسائل المرسلة أو الإيحاءات الفنية الجمالية التي تبعثها ؟
في هذا المقطع تنعكس صورة الشّتات
النّفسي و التّخبط الرّوحي الذي يؤدي إلى الاهتداء إلى الحقيقة و يتزاحم الخيال و ات
و الاستعارات المكنية لتؤسس معا مفهوم
اللوحة السّريالية في جوانب ممّا تتضمّنه السريالية كنظرية أدبية و اتجاه فنّي كانت قد ظهرت في أوروبا .. فالتّوتر النّفسي
و الجنوح إلى الخيال من العناصر المؤسسة للسريالية كمفهوم و مصطلح..
تعم ّالروح ... ضوضاء
وتتلعثم الحروف
...
تزهو الأشياء ببهائها...
تزرع الليلاك في كفي...
تكتب على شفا ورقة...
رماها الخريف...
صُور عديدة و كثافة ملحوظة للألفاظ في هذا المقطع ساهمتا في إزاحة السّتار عن الصراع النفسي الذي
ارتجت أركانه و تصدّعت من داخل الوجدان مما نجم عنها فوضى عارمة انتشرت في روحها
الآمنة كما تنتشر النار في الهشيم الجاف اليابس
.و تركتها متقطّعة الأنفاس ، شاردة الذهن يتوزّعها نوع من عيّ اللسان و قد برز في
صور تلعثم حروف قلبها و شعرها متداخلا
مع تمرّد بعض الأشياء و إيثار الزّهو و الاعتداد ببهائها على حساب تلك الفوضى
النّاشبة ..و كم كانت النّتيجة غير متوقّعة و هذا من طبيعة السريالية نفسها إذ هذه
الفوضى و المتناقضات تسبّبت في زرع زهرة الليلاك أو الليلك و يكون كفّها اللطيف ذلك التّراب الذي تنمو فيه و تكبر ..و هي
إشارة واضحة لغلبة الأمل في قلبها و انتصار الحبّ على حساب الخريف و مساءاته و قد
طفقت تكتب برغم الفوضى و تلعثم ألسن الحروف
و على شفا ورقة حكاية حبّها .و
المعروف بأن زهرة الليلك ترمز إلى احتدام الشوق و تجدد الأمل و دفء الابتسامة و
كلّ معنى جميل يكون وقعه على النّفس بردا و سلاما و أمنا و طمأنينة ...
و تبقى اللوحة في أمس"
الحاجة إلى أجزائها المتبقية ليأتي هذا المقطع ليزيح جانبا معتما منها و يضيء جانبا
آخر منها ...إنّه الحلم ..هذه الجنّة الوهميّة التي أنبتت أشجارها روح الشاعرة
الحالمة و آثرت الهروب إليها في ظلّ سطوة الواقع المرير و ما أجمل تعبيرها حين
كتبت:
حلم تطاول على اليقظة...
في مفترق الطريق...
تتضاحك...
عيون الاطفال بالمرح...
تلهو نسمات في الظل والضوء...
الأرض عطشى للودق...
بانتظار لقاء على المفرق...
قهوتي أذابها لحن فيروزي...
" سلملي عليه "...
و لتكتمل اللوحة السّريالية يأتي الحلم
ليفرض نفسه على اليقظة متحديّا الواقع و غلبته و نفوده باسطا سطوته و مشيّدا بناءه
الخاص في وجدان الشّاعرة ..و ما الحلم عند السرياليين إلاّ بداية الحقيقة و اختلال
ميزان الأشياء ..لتصل إلى مفترق الطرق و
تتخذ قرارها النّهائي و الحاسم عمّا تكابده من فوضى و اضطراب و
تلعثم... وها هو حلمها يبوح بتفاصيله .. و تتراءى لها عيون أطفال أبرياء يضحكون و يمرحون
..تلّطف أجواءها نسمات عليلة تلهو بأسرّها المتهادية المتماوجة بين ظلّ ظليل و ضوء
منير ينتظرون لقاء مرتقبا لحبيب غائب حاضر عل مفترق الطريق ..و زاد المشهد
رومانسية و رونقا و لطافة ارتشاف الشاعرة لقهوتها التي أثرت حبّات سكر فيروزية على
أنغام موسيقى " سلملي عليه ..."
و تتوالى الأيام و هي على
تلك الحال صابرة حالمة ليدور الزّمان دورته ، و تنفتح زهرة الليلاك ، و هي بين حلّ
و ترحال تمدّ خطواتها بين مفترق الطريق و شواطئ بيروت الحالمة السّاحرة و كأنّها
تعيد مشهد سارة زوجة إبراهيم بين الصّفا و المروة...
زهرة الليلاك تفتحت في كفي...
بانتظارك...
خطوات على شاطئ بيروت...
و لا يفارقها الذي بقى حبيس
التّرقب لتعيد حكاية موسى و هو خائف يترقّب ..و الترّقب انتظار قد يكون فيه خيرا و
قد يأتي بالشّر ...و من شدّة شوقها و صبرها يصرخ الصّمت و يسمع له عجعجة متسبّبا
في صدوع و شقوق طالت فوضى الروح الصاخبة ..ثمّ تجنح مرّة أخرى إلى الارتماء في
أحضان الخيال لتصوّر عدد الليالي التي قضتها و هي تنظر فتصفها بالشّلالات المتدفقة
المتجددة و كم من غيمة عانقتها و مرت بالقرب منها و لم تحني منها إلاّ أطلال
الظلام الدامس...و هذه التشبيهات المركبّة زادت في جمالية مشهد الانتظار و جعلتنا
نتعاطف معها و نرحم معاناتها هذه ..و قد نجحت في ظلك و أبدعت.
والأمل حبيس التّرقب...
صراخ الصّمت
...
شق ضجيج الروح...
شلالات من النجوم
...
تعانق السّحاب...
تلاقي دخان من الظلام...
لم تقف صامتة مكتوفة الأيدي أمام هذا الموقف الحرج المحزن
الكئيب و آثرت أن تستصرخ النّور طلبا لنجدتها و الإشفاق لحالها و إنهاء مأساتها ..فهي
ترى في النّور المنجد و المخلّص.. و النّور
إشارة إلى الفرج و المخرج و بداية زمن جديد جميل..
تستصرخ النور...
ليحتضنها كف طفل اسمه ...
الشّوق
...
يرسم لوحة سريالية...
·
و هي في استجلاب النجدة و قد
علاها الجؤار و الصراخ يأتي الفرج القريب و يتقدّم منها أولئك الأطفال الأبرياء
الذين كانت تراهم يلعبون و يمرحون أماما و يحتضنونها بحرقة و حنان لتكتشف بأنّ تلك
الكفوق الحانية المحتضنة ما هي إلا شوقها المتزايد و طيف حبّها الصادق لتكتمل
اللوحة السّريالية . و كم كانت النّهاية مفرحة على الأقل بالنّسبة للقارئ حين
يكتشف حقيقة أولئك الأطفال و ضحكاتهم و كثرة شلّالات النجوم المزهرة ...إنّها بحقّ
لوحة سريالية جمعت تقريبا كلّ عناصرها من خيال و حلم و حبّ و شذوذ نفسي ...
ما أجمل أن تعيش تجربة امرأة حالمة صابرة محتسبة ! ...
بولمدايس عبد المالك
قسنطينة في 04.08.2020

تعليقات
إرسال تعليق